التعليم في جوهره عملية لبناء الإنسان وتطوير قدرته على التفكير واكتساب المهارات، أما الشهادة فهي مجرد وثيقة تثبت اجتياز مرحلة معينة. المشكلة تظهر عندما تتحول الوجاهة الاجتماعية إلى المحرك الأساسي للطموح، ويدرس الإنسان ليرضي نظرة المحيطين به على حساب قدراته واحتياجات سوق العمل...

في المجتمعات التي تحظى فيها الشهادة العلمية بمكانة اجتماعية بارزة، لم يعد التعليم مجرد طريق لاكتساب المعرفة وبناء المهارات، فقد تحول في بعض الأحيان إلى وسيلة لإثبات المكانة وإظهار النجاح أمام الآخرين، وهنا لا بد من التوقف وطرح السؤال الآتي: هل نختار التعليم والتخصصات الجامعية وفق حاجتنا الحقيقية وما يتطلبه سوق العمل، أم وفق ما تمنحه لنا الشهادة من وجاهة اجتماعية ومكانة في نظر المحيطين بنا؟

هذه الإشكالية لا تتعلق بالطلاب وحدهم، فهي تمتد إلى الأسر والمؤسسات التعليمية والمجتمع وسوق العمل، فاختيار التخصص الدراسي غالبا ما يبدأ داخل الأسرة، حيث تلعب نظرة المجتمع إلى المهن دورا مؤثرا في تحديد مستقبل الأبناء.

وقد يجد الطالب نفسه أمام قائمة غير مكتوبة من التخصصات التي يُنظر إليها باعتبارها مرموقة، في حين تُعامل تخصصات أخرى على أنها أقل شأنا، حتى لو كانت أكثر ارتباطا باحتياجات المجتمع وفرص العمل.

في كثير من البيئات الاجتماعية، لا يزال الطبيب والمهندس والمحامي وبعض أصحاب المهن الأكاديمية يحظون بمكانة خاصة، ولا مشكلة في تقدير هذه المهن واحترام أصحابها، فكل مهنة تؤدي دورا مهما عندما تمارس بكفاءة ونزاهة، المشكلة تظهر عندما يتحول احترام المهنة إلى معيار وحيد للحكم على الإنسان، وعندما يصبح التخصص الجامعي وسيلة لإرضاء نظرة الآخرين أكثر من كونه اختيارا واعيا لقدرات الطالب وميوله واحتياجات المجتمع.

وقد يدخل الطالب الجامعة وهو يحمل طموحا لم يصنعه بنفسه، فقد يكون التخصص الذي اختاره نتيجة لرغبة الوالدين أو تأثير الأقارب والأصدقاء أو الصورة التي رسمها المجتمع لمفهوم النجاح.

وبعد سنوات من الدراسة، قد يحصل على شهادة تحمل اسم تخصص مرموق، ثم يكتشف أن فرص العمل محدودة أو أن المجال لا يناسب قدراته، وفي المقابل، قد يكون هناك شاب اختار تخصصا يحتاج إليه سوق العمل، أو اتجه إلى التعليم المهني والتقني، ثم وجد نفسه أمام نظرة اجتماعية تقلل من قيمة خياره، رغم امتلاكه فرصة حقيقية لبناء مستقبل مهني مستقر.

من هنا تظهر الفجوة بين قيمة التعليم وقيمة الشهادة في نظر المجتمع. التعليم في جوهره عملية لبناء الإنسان وتطوير قدرته على التفكير والتحليل والتعامل مع المشكلات واكتساب المعرفة والمهارات، أما الشهادة فهي وثيقة تثبت اجتياز مرحلة تعليمية محددة، وقد يملك الإنسان شهادة عالية المستوى دون أن يمتلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل، كما يمكن لشخص آخر أن يمتلك مهارة مهنية متقدمة دون أن تكون لديه شهادة جامعية.

وسوق العمل نفسه يفرض أسئلة جديدة على مفهوم التعليم التقليدي، فالعالم يتغير بسرعة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل كثير من المهن، وتظهر تخصصات جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات، وفي مثل هذا الواقع، لم يعد الحصول على الشهادة نهاية الطريق، فقد أصبح التعلم المستمر وتطوير المهارات والقدرة على التكيف عناصر أساسية في الحياة المهنية.

المشكلة إذن لا تكمن في السعي إلى التعليم الجامعي أو في الرغبة في الحصول على شهادة مرموقة، فهذا حق مشروع وطموح طبيعي، المشكلة تكمن في أن تصبح الوجاهة الاجتماعية هي المحرك الأساسي لهذا الطموح، عندما يدرس الإنسان كي يقال عنه إنه خريج جامعة مرموقة، أو يختار تخصصًا معينًا كي يحصل على إعجاب الآخرين، فإنه قد يخسر سنوات من عمره في مسار لا يتوافق مع قدراته أو احتياجاته.

وفي المقابل، من الخطأ أيضا اختزال التعليم في الحصول على وظيفة فقط، فالجامعة ليست مصنعا لإنتاج الموظفين، والتعليم له أبعاد ثقافية وإنسانية وفكرية واسعة، فدراسة التاريخ والفلسفة والآداب والعلوم الاجتماعية وغيرها من المجالات تسهم في تشكيل وعي الإنسان وفهمه للمجتمع والعالم. 

المطلوب هو تحقيق التوازن بين الطموح الشخصي والحاجة المجتمعية، الطالب يحتاج إلى معرفة قدراته واهتماماته، ومعرفة واقع التخصص الذي يرغب في دراسته، وفرص العمل المرتبطة به، والمهارات التي يتطلبها، والأسرة تحتاج إلى أن تمنح أبناءها مساحة لاتخاذ قراراتهم بدل فرض مسارات جاهزة عليهم، أما المؤسسات التعليمية، فعليها أن تقدم معلومات واقعية عن التخصصات ومخرجاتها، وأن تعزز التعليم التطبيقي والمهني والتقني، وأن تربط المناهج بصورة أكبر بمتطلبات الحياة العملية.

اضف تعليق