منوعات - معلوماتية

التأليف الحواري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

من أداة للكتابة إلى شريك في عملية التفكير

تجربتي في العمل المتواصل مع الذكاء الاصطناعي تقودني إلى الاعتقاد بأن سؤالًا آخر أكثر عمقًا بدأ يفرض نفسه: هل يمكن أن ينشأ من التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي نمط جديد من التأليف لا يكتب فيه الذكاء الاصطناعي بدلًا من الإنسان، ولا يظل فيه مجرد أداة صامتة بين يديه، وإنما تتكون الفكرة نفسها من خلال الحوار بينهما؟...

دخل الذكاء الاصطناعي إلى عالم الكتابة بسرعة أسبق من قدرة الثقافة المعاصرة على استيعاب المعنى الكامل لهذا الدخول. وقد انصب جانب كبير من النقاش حتى الآن على أسئلة تبدو مهمة ومشروعة: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب مقالًا أو بحثًا أو كتابًا؟ هل يهدد مهنة الكاتب؟ من صاحب النص الذي ينتجه؟ وهل يؤدي الاعتماد عليه إلى إضعاف قدرات الإنسان الفكرية واللغوية؟ 

غير أن تجربتي في العمل المتواصل معه تقودني إلى الاعتقاد بأن سؤالًا آخر أكثر عمقًا بدأ يفرض نفسه: هل يمكن أن ينشأ من التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي نمط جديد من التأليف لا يكتب فيه الذكاء الاصطناعي بدلًا من الإنسان، ولا يظل فيه مجرد أداة صامتة بين يديه، وإنما تتكون الفكرة نفسها من خلال الحوار بينهما؟

أقترح تسمية هذا النمط بـ «التأليف الحواري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي». ولا أقصد بالتأليف الحواري أن يعطي المؤلف فكرة مكتملة إلى الآلة فتقوم بصياغتها، فهذه صورة متقدمة من الاستعانة بأداة للكتابة، لكنها لا تغير جوهر عملية التأليف. كما لا أقصد أن يطلب الإنسان من الذكاء الاصطناعي تأليف مقال أو كتاب ثم ينسب النص الناتج إلى نفسه، فهذه تثير أسئلة أخرى تتعلق بالأمانة والمسؤولية الفكرية. 

المقصود شيء مختلف: أن تدخل الفكرة نفسها في عملية حوار متتابعة، يقترح فيها الإنسان ويقترح الذكاء الاصطناعي، ويعترض الإنسان على ما تنتجه الآلة، ويكشف الحوار عن مشكلات لم تكن ظاهرة في البداية، ثم تعاد صياغة الفكرة واختبارها ونقدها حتى تتكون بصورة أكثر نضجًا.

وقد عشت خلال تأليف كتاب أعمل عليه حاليًا تجربة صغيرة أراها كاشفة لطبيعة هذا التحول. كنا نبحث عن تعريف للعلم داخل نظرية حضارية في العلم، وانطلق الحوار من صيغة تبدو للوهلة الأولى معقولة: «العلم قدرة على إنتاج المعرفة». وكانت هذه الصيغة منسجمة ظاهريًا مع فكرة أساسية في المشروع، هي الانتقال من النظر إلى العلم بوصفه رصيدًا من المعلومات إلى النظر في قدرة المجتمع على إنتاج العلم ومراكمته.

لكن شيئًا في العبارة لم يكن مقنعًا. ظهرت المشكلة عندما أصبح السؤال أكثر دقة: هل العلم نفسه هو القدرة على إنتاج المعرفة؟ أم أن هناك خلطًا بين العلم وبين النشاط الذي ينتجه؟ ومن هنا ظهر اعتراض بسيط في عبارته، لكنه غيّر اتجاه البحث: العلم، والمنهج العلمي، والممارسة العلمية ثلاثة مفاهيم مختلفة.

كان يمكن، لو كانت العلاقة بالذكاء الاصطناعي علاقة استخدام آلي، أن أمرر التعريف لأنه مكتوب بلغة جيدة ويبدو متماسكًا. لكن الحوار أدى وظيفة أخرى. أصبح النص المقترح موضوعًا للنقد بدل أن يكون منتجًا جاهزًا للاستهلاك. ومع استمرار المناقشة بدأ كل مفهوم يستعيد موقعه: العلم هو المعرفة المتحققة، والمنهج العلمي هو الطريق المنظم للتحقق، والممارسة العلمية هي النشاط الذي يمارسه الباحثون لإنتاج المعرفة وفحصها، والمؤسسة العلمية هي الإطار الاجتماعي الذي يحتضن هذه الممارسة ويحفظ استمرارها، والمراكمة هي العملية التاريخية التي تحفظ المعرفة وتنقدها وتصححها وتضيف إليها.

وعندئذ تغير السؤال الأصلي نفسه. فلم تعد القضية أن نبحث عن تعريف يجعل «القدرة» جزءًا من ماهية العلم، وإنما أن نسأل: كيف تتحول المعرفة العلمية، من خلال المنهج والممارسة والمؤسسة والمراكمة، إلى قدرة حضارية على إنتاج العلم وإعادة إنتاجه؟

لكن الحوار لم يتوقف عند هذه النقطة. فقد ظهر أن هذا السؤال، على أهميته، لا يزال أضيق من السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الفلسفة الحضارية. فالغاية ليست أن يصبح المجتمع قادرًا على إنتاج المزيد من العلم لمجرد إنتاجه. السؤال الأوسع هو: كيف يستطيع العلم، بعد تحديد ماهيته، أن يسهم في إنتاج حضارة تحقق الحياة الطيبة للإنسان؟ وكيف تتحول المعرفة المتحققة بالواقع إلى أساس لتعامل إنساني أكثر قدرة وإنتاجًا مع هذا الواقع، ثم كيف توجه هذه القدرة بالقيم والغايات التي تجعل مردودها الحضاري في خدمة الإنسان؟

لم تكن هذه النتيجة موجودة بهذه الصورة المتكاملة في بداية الحوار. ولم ينتجها الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة، كما لم تكن صياغتها النهائية موجودة سلفًا في ذهن المؤلف ثم طلب من الآلة كتابتها. لقد تكونت من سلسلة من الاقتراح والاعتراض والتصحيح وإعادة البناء. وهذا، في تقديري، هو جوهر التأليف الحواري.

المؤلف لم يعد مضطرًا إلى التفكير وحيدًا

عرف تاريخ الكتابة صورًا كثيرة من الحوار الفكري. كان الكاتب يناقش أفكاره مع أصدقائه وتلاميذه وزملائه، ويراسل مفكرين آخرين، ويعرض مخطوطته على ناقد أو محرر، ويعيد النظر في أفكاره بعد قراءة اعتراض أو مراجعة. ولم يكن التأليف العظيم يومًا عملية معزولة تمامًا عن الآخرين، حتى حين كان اسم مؤلف واحد يظهر على غلاف الكتاب.

لكن الذكاء الاصطناعي أحدث تغييرًا نوعيًا في إمكان الحوار أثناء التأليف. فالمؤلف يستطيع الآن أن يدخل في حوار طويل وفوري حول فكرة لم تنضج بعد، وأن يطلب اختبارها من زوايا مختلفة، وأن يقارنها بنظريات أخرى، وأن يعترض على الصياغة، وأن يطلب كشف لوازمها، ثم يعيد بناءها مرات متتالية من دون أن يغادر مختبر التفكير نفسه.

وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يختصر زمن الكتابة فقط، وإنما يمكن أن يغير بيئة التفكير التي تسبق الكتابة وتصاحبها.

والفرق كبير بين الأمرين. فالآلة الكاتبة والحاسوب وبرامج معالجة النصوص غيرت وسائل تسجيل النص وتحريره وحفظه، ومحركات البحث غيرت سرعة الوصول إلى المعلومات، أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيدخل إلى منطقة كانت الأدوات السابقة تقف عند حدودها: إنه يستطيع المشاركة في الحوار حول الفكرة نفسها.

ولا يعني ذلك أنه «يفكر» بالطريقة الإنسانية نفسها، ولا نحتاج أصلًا إلى حسم هذا السؤال الفلسفي لكي ندرك التحول الذي وقع في ممارسة التأليف. المهم بالنسبة إلى المؤلف أن أمامه نظامًا يستطيع أن يتلقى الفكرة، ويعيد تركيبها، ويقترح عليها، ويكشف علاقاتها، ويستحضر اعتراضات ممكنة، ثم يستجيب لاعتراض المؤلف ويعيد بناء المقترح. وبذلك أصبح من الممكن أن تنشأ دورة معرفية حوارية داخل عملية التأليف.

قيمة الذكاء الاصطناعي تظهر حين نعترض عليه

غير أن هذه الإمكانية تحمل معها مفارقة مهمة. فالطريقة الأسوأ للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التأليف قد تكون الثقة الزائدة به.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج نصًا شديد السلاسة حول فكرة غير دقيقة. وقد تكون قوة الصياغة نفسها سببًا في إخفاء ضعف المفهوم. فالعبارة الجميلة تمنح أحيانًا انطباعًا زائفًا بأن المشكلة قد حلت، بينما تكون المشكلة قد غطيت باللغة فقط.

ولهذا اكتشفت في تجربتي أن قيمة الذكاء الاصطناعي ترتفع كلما احتفظ الإنسان بحقه في عدم الاقتناع.

قد لا يستطيع المؤلف في اللحظة الأولى أن يشرح بدقة لماذا لا تعجبه عبارة ما، لكنه يشعر بأن المفهوم لم يستقر. وهنا لا ينبغي أن يستسلم لبلاغة النص المقترح. عليه أن يعترض، وأن يسأل، وأن يجبر الحوار على العودة إلى المشكلة. فكثيرًا ما يكون الاعتراض القصير بداية تحول فكري كبير.

وهذا ما حدث في مثال تعريف العلم. لم تكن المشكلة خطأ معلوماتيًا يمكن تصحيحه بإضافة معلومة، وإنما كانت خلطًا بين مستويات مفهومية. ولم يظهر الحل إلا عندما رفض الإنسان الصياغة التي اقترحتها الآلة وأعاد فتح السؤال.

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة تبدو لي مركزية في التأليف الحواري: الذكاء الاصطناعي يكون أكثر فائدة للمفكر حين لا يطيعه المفكر، بل يحاوره وينقده ويختبر ما يقترحه عليه.

الإنسان صاحب المشروع والقرار

قد يبدو الحديث عن «الشراكة» بين الإنسان والذكاء الاصطناعي كأنه يساوي بين الطرفين، لكن التأليف الحواري، كما أفهمه، لا يقوم على مساواة من هذا النوع. فهناك فرق جوهري في الوظيفة والمسؤولية.

الإنسان هو صاحب المشروع الفكري. هو الذي يحمل الأسئلة التي يريد الإجابة عنها، والتجربة التاريخية والثقافية التي ينطلق منها، والقيم التي توجه مشروعه، والغاية التي يريد الوصول إليها. وهو الذي يستطيع أن يقول في لحظة معينة: هذه العبارة، على سلامتها اللغوية، لا تعبر عن فكرتي. وهو الذي يقرر في النهاية ما يدخل الكتاب وما يحذف منه، وما يتبناه وما يرفضه، وهو الذي يتحمل المسؤولية الفكرية عن النص المنشور باسمه.

أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع أن يؤدي وظائف معرفية مساعدة بالغة القوة: توسيع فضاء الاحتمالات، واقتراح الصياغات، والمقارنة، والكشف عن التناقضات، وربط المفاهيم، واستحضار الأسئلة والاعتراضات، وإعادة تنظيم المادة، وتسريع الوصول إلى المصادر حين تستخدم أدوات البحث المناسبة. لكنه يستطيع كذلك أن يخطئ ويخلط بين المفاهيم ويستنتج أكثر مما تسمح به الأدلة، بل وأن يقترح نصًا مقنعًا ظاهريًا وهو بحاجة إلى مراجعة جذرية.

لهذا لا تلغي قوة الذكاء الاصطناعي مسؤولية المؤلف؛ إنها تزيدها. فكلما ازدادت قدرة الأداة على إنتاج نص مقنع، ازدادت ضرورة امتلاك الإنسان معيارًا يستطيع به الحكم على هذا النص.

مختبر التأليف ليس الكتاب

وتكشف التجربة عن مشكلة أخرى لا تقل أهمية. فالحوار المنتج للفكرة يحتوي بطبيعته على محاولات فاشلة، وتعريفات مؤقتة، واعتراضات، وتراجعات، وتصحيحات، وملاحظات شخصية بين المؤلف والذكاء الاصطناعي. وهذه كلها ضرورية داخل مختبر التأليف، لكنها ليست بالضرورة جزءًا من الكتاب. ينبغي لذلك الفصل بصرامة بين عملية إنتاج النص والنص المنتج.

القارئ لا يحتاج، في معظم الحالات، إلى معرفة أن المؤلف والذكاء الاصطناعي اختلفا حول تعريف ما، أو أن صيغة أولى حذفت واستبدلت بأخرى، أو أن خطأ وقع أثناء بناء الفصل ثم جرى إصلاحه. ما يحتاجه القارئ هو الحصيلة الفكرية التي استقرت بعد هذه العملية، إلا إذا كان تاريخ تشكل الفكرة نفسه موضوعًا للبحث.

وهذه مسألة مهمة بصورة خاصة عند استخدام الذكاء الاصطناعي؛ لأنه يميل أحيانًا إلى حمل آثار الحوار إلى النص النهائي، فيكتب مثلًا: «بعد أن تبين لنا خطأ التعريف السابق» في كتاب لن يرى قارئه ذلك التعريف السابق أصلًا. هنا يصبح دور المؤلف التحريري حاسمًا في تنظيف النص من آثار ورشة العمل وإبقاء البناء الفكري وحده. إن الحوار ملك عملية التفكير، أما الكتاب فهو حصيلة تلك العملية.

من التأليف الفردي إلى التأليف الحواري

ربما نكون أمام تحول أعمق من مجرد ظهور أداة جديدة للكتابة. فقد ظل مفهوم المؤلف، رغم كل النقاشات الفلسفية التي أحاطت به، مرتبطًا بصورة الإنسان الذي ينتج نصه عبر نشاط فكري ينتهي إلى الكتابة. أما الذكاء الاصطناعي فيتيح ظهور بنية مختلفة يمكن أن تتكون فيها بعض الأفكار أثناء الحوار نفسه.

وهنا أقترح النظر إلى الدورة الحوارية بوصفها وحدة جديدة محتملة من وحدات التأليف. فقد تبدأ العملية بفكرة غير مكتملة، ثم يأتي اقتراح، ثم اعتراض، ثم سؤال جديد، ثم مقارنة أو بحث، ثم إعادة بناء، فتظهر في نهاية الدورة فكرة أكثر تحديدًا مما كانت عليه في بدايتها. وبعد ذلك تبدأ دورة أخرى.

لا يعني هذا أن المؤلف الفردي قد انتهى، وإنما يعني أن فردية المسؤولية عن الكتاب يمكن أن تتعايش مع حوارية إنتاج بعض أفكاره. فالكتاب يبقى مشروع صاحبه، لكنه لم يعد مضطرًا إلى أن ينتج كل مراحل التفكير في عزلة. وهذا قد يفتح مجالًا هائلًا أمام الباحثين والكتاب، وخصوصًا أولئك الذين يمتلكون أفكارًا وتجارب وأسئلة واسعة، لكنهم يحتاجون إلى محاور دائم يساعدهم على اختبارها وتنظيمها ومقارنتها وتطويرها.

خطر الكاتب الذي يتوقف عن التفكير

لكن الإمكانية نفسها تحمل خطرًا معاكسًا. فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي هو الذي يقترح السؤال والفكرة والحجة والاعتراض والجواب والصياغة، بينما يقتصر دور الإنسان على الضغط على زر القبول، فلن نكون أمام تأليف حواري، بل أمام تنازل تدريجي عن وظيفة المؤلف.

والفارق بين الحالتين لا يقاس بعدد الكلمات التي كتبها الإنسان بيده. فقد يكتب الذكاء الاصطناعي معظم الصياغة اللغوية، ومع ذلك يظل الإنسان حاضرًا بقوة إذا كان هو الذي يدير المشكلة ويختبر المفاهيم ويعترض ويصحح ويقرر. وقد يغير الإنسان كلمات كثيرة في النص، لكنه يكون غائبًا فكريًا إذا لم يمارس الحكم النقدي على الفكرة نفسها. لذلك قد يصبح السؤال الأهم في مستقبل التأليف ليس: من كتب الكلمات؟ وإنما: من مارس المسؤولية الفكرية عن إنتاج الفكرة واختبارها واعتمادها؟ ولا يلغي هذا بالطبع الأسئلة القانونية والأخلاقية المتعلقة بنسبة النصوص واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنه يضيف إليها مستوى أعمق يتعلق بطبيعة الفعل التأليفي نفسه.

الذكاء الاصطناعي بوصفه محاورًا معرفيًا

ربما تكون عبارة «شريك في التفكير» ثقيلة فلسفيًا إذا فهمت بمعنى المساواة بين وعي الإنسان والآلة، ولذلك يمكن استخدام تعبير أكثر تحديدًا: المحاور المعرفي الاصطناعي. فالقيمة الجديدة لا تكمن فقط في قدرة النظام على تقديم الأجوبة، وإنما في قدرته على الدخول في سلسلة من التفاعلات تساعد الإنسان على إعادة صياغة أسئلته وأفكاره.

وهنا يصبح أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي مختلفًا جذريًا عن صورة «اسأل تحصل على جواب». قد تكون الإجابة الأولى أقل أهمية من الحوار الذي يبدأ بعدها. فالجواب يستطيع أن يتحول إلى مادة للاعتراض، والاعتراض إلى إعادة صياغة، وإعادة الصياغة إلى اكتشاف مشكلة جديدة، والمشكلة الجديدة إلى فكرة لم تكن مطروحة أصلًا.

بهذا المعنى لا يكون الذكاء الاصطناعي مخزنًا للأجوبة فقط، وإنما يمكن أن يصبح جزءًا من بيئة تساعد الإنسان على إنتاج أسئلة أفضل. وفي النشاط الفكري، كثيرًا ما يكون اكتشاف السؤال الصحيح أكثر أهمية من الحصول السريع على جواب.

هل تغير معنى التأليف؟

أعتقد أننا لا نزال في بداية الإجابة عن هذا السؤال. لكن ما يحدث يستحق ألا ينظر إليه باعتباره مجرد تحسين تقني لأدوات الكتابة. لقد فصلت الطباعة في مرحلة تاريخية بين الكتاب والنسخة المخطوطة، ووسعت الحاسبات قدرة الإنسان على المعالجة، وغير الإنترنت الوصول إلى المعلومات، وغيّرت محركات البحث طريقة العثور عليها. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيقترب من منطقة أخرى: الفضاء الذي تتكون فيه الصياغة والفكرة والحجة أثناء الحوار.

ولذلك فإن مستقبل التأليف لن يتحدد فقط بمقدار ما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتبه، بل بمقدار ما يستطيع الإنسان أن يطور ثقافة جديدة في محاورته. فالمؤلف الذي لا يمتلك سؤالًا أو مشروعًا أو معيارًا نقديًا قد يغرق في وفرة نصوص تستطيع الآلة إنتاجها بلا نهاية. أما المؤلف الذي يمتلك مشروعًا فكريًا ويحتفظ بسيادته النقدية فقد يجد أمامه أداة غير مسبوقة لتوسيع قدرته على التفكير والتأليف.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أقدر على الكتابة، أصبح الإنسان أحوج إلى أن يكون أقدر على التفكير.

إن التأليف الحواري، إذا أحسن استخدامه، لا ينبغي أن يكون طريقًا إلى الاستغناء عن عقل المؤلف، بل إلى تشغيله بصورة أكثر كثافة. فالآلة تقترح، والإنسان يعترض؛ والآلة تعيد البناء، والإنسان يختبر؛ والحوار يكشف مشكلة جديدة، فيعيد الإنسان تحديد السؤال؛ ثم تبدأ دورة أخرى. وما يخرج في النهاية ليس مجرد جمع ميكانيكي بين جهدين، وإنما حصيلة عملية معرفية متحركة.

ولهذا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لا يعلن نهاية المؤلف، لكنه قد يعلن بداية شكل جديد من ممارسة التأليف. شكل لا يعود فيه الإنسان مضطرًا إلى التفكير وحيدًا، من دون أن يتخلى عن موقعه بوصفه صاحب المشروع والحكم والمسؤولية.

وهذا هو ما أسميه التأليف الحواري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي: عملية يتولد فيها النص والفكرة من حوار نقدي متكرر بين عقل بشري يحمل السؤال والغاية والمعيار، ونظام اصطناعي يوسع إمكانات البحث والاقتراح والتركيب، مع بقاء القرار الفكري والمسؤولية النهائية للإنسان. وقد تكون القاعدة الأهم لهذا الشكل الجديد من التأليف بسيطة: لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لكي يعفيك من التفكير؛ استخدمه لكي يمنحك أسبابًا أكثر للتفكير.

اضف تعليق