منوعات - معلوماتية

الحق في النسيان الرقمي

بين حماية الكرامة الإنسانية ومتطلبات السوق الرقمية

الحق في النسيان الرقمي يحمي كرامة الإنسان من بقاء بياناته متاحة بلا حدود، ويمنحه قدرة على التحكم بذاكرته الرقمية. النموذج الأوروبي جعله حقًا صريحًا متوازنًا مع حرية التعبير والمصلحة العامة، بينما اكتفى النظام العراقي بتنظيم التزامات التاجر الإلكتروني. المطلوب تطوير تشريع وطني شامل يحول حماية البيانات إلى حق...

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو التبادل التجاري، بل أصبح امتدادًا فعليًا للوجود الإنساني، تُخزَّن فيه الذكريات، والسلوكيات، والأخطاء، والقرارات، وتتحول فيه الحياة الخاصة إلى بيانات قابلة للتجميع والمعالجة وإعادة التداول. وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بالحق في النسيان الرقمي بوصفه أحد الحقوق الحديثة التي أفرزها التطور التكنولوجي، استجابةً لمخاطر الاحتفاظ غير المحدود بالمعلومات الشخصية، وما يترتب عليه من مساس بالخصوصية والكرامة الإنسانية.

يقوم هذا الحق على فكرة مفادها أن بقاء البيانات الشخصية متاحة على نحو دائم قد يتحول من أداة معرفة إلى وسيلة إيذاء قانوني واجتماعي، خصوصًا عندما تنتفي المصلحة المشروعة من الاحتفاظ بها أو يصبح تداولها غير متناسب مع الزمن والسياق. غير أن تجسيد هذا الحق قانونيًا يختلف من نظام قانوني إلى آخر، بين من جعله حقًا صريحًا قابلًا للمطالبة القضائية، ومن اكتفى بوضع التزامات عامة على الجهات التي تجمع البيانات وتعالجها.

الحق في النسيان الرقمي في قانون الاتحاد الأوروبي (GDPR)

يُعد الاتحاد الأوروبي الرائد عالميًا في تقنين الحق في النسيان الرقمي. فقد نصّت اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) صراحة في المادة (17) على حق محو البيانات (Right to Erasure)، مانحةً صاحب البيانات حق مطالبة الجهة المتحكمة بمحو بياناته الشخصية دون تأخير غير مبرر، متى تحقق سبب قانوني لذلك، كزوال الغرض من المعالجة، أو سحب الموافقة، أو عدم مشروعية جمع البيانات أو معالجتها.[1]

ويتميّز النموذج الأوروبي بأن هذا الحق يُبنى بوصفه حقًا شخصيًا لصيقًا بالإنسان، مرتبطًا مباشرة بمفهوم الكرامة الإنسانية والتحكم بالهوية الرقمية. ومع ذلك، لم يجعله المشرّع حقًا مطلقًا، بل قيّده باستثناءات ضرورية، أبرزها حماية حرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة، والالتزامات القانونية، والمصلحة العامة، كالأرشفة لأغراض علمية أو تاريخية، أو إقامة الدعاوى القضائية أو الدفاع عنها.

وقد دعّمت محكمة العدل للاتحاد الأوروبي هذا التوجه في حكمها التأسيسي الصادر في قضية Google Spain SL and Google Inc v. AEPD and Mario Costeja González عام 2014، حيث قررت أن محركات البحث تُعدّ متحكمًا بالبيانات، وأن للأفراد الحق في طلب إزالة الروابط التي تقود إلى معلومات عنهم متى كانت غير ملائمة أو لم تعد ذات صلة أو مفرطة، بالنظر إلى مرور الزمن، حتى وإن كان نشرها الأصلي مشروعًا.[2] وقد شكّل هذا الحكم الأساس القضائي الذي انتقل بالحق في النسيان من فكرة نظرية إلى ممارسة قانونية فعّالة داخل الفضاء الرقمي الأوروبي.

آثار الحق في النسيان الرقمي ومخاطره القانونية

يمثل الحق في النسيان الرقمي تطورًا نوعيًا في فلسفة حماية الخصوصية، إذ لا يقتصر على منع النشر غير المشروع، بل يمتد إلى إعادة تقييم مشروعية الاستمرار في الإتاحة. ومن آثاره الإيجابية أنه يعزز حماية الكرامة الإنسانية، ويمنح الأفراد فرصة واقعية للتحرر من الوصم الرقمي الناتج عن معلومات قديمة تؤثر على فرصهم المهنية والاجتماعية، كما يكرّس مبدأ التناسب بين البيانات والغرض والزمن.

غير أن هذا الحق يثير، في المقابل، مخاطر قانونية حقيقية، أبرزها احتمالية تعارضه مع حرية التعبير وحرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة أو وقائع ذات أهمية اجتماعية أو سياسية. كما يُخشى من إساءة استخدامه بوصفه أداة رقابية لإخفاء معلومات صحيحة أو لإعادة كتابة التاريخ الرقمي بدوافع شخصية أو سياسية.

لهذا السبب، شددت محكمة العدل الأوروبية لاحقًا على أن تطبيق الحق في النسيان يجب أن يتم من خلال موازنة دقيقة بين الخصوصية والمصلحة العامة، حيث قررت في قضية Google v. CNIL بأن حق النسيان/الحق في إزالة الروابط لا يفرض على محركات البحث، مثل Google، تنفيذ أمر الإزالة على مستوى عالمي، أي في كافة نسخ محرك البحث في العالم،[3] بل يكفي تطبيقه داخل نطاق الاتحاد الأوروبي، مع اتخاذ تدابير تقنية مثل geo-blocking لمنع ظهور الروابط المعنية لمستخدمي محركات البحث داخل دول الاتحاد الأوروبي، بما يعكس الطابع الإقليمي لتطبيقه القانوني.[4]

موقف المشرّع العراقي في نظام تنظيم التجارة الإلكترونية لسنة 2025

في العراق، لم يُنظَّم الحق في النسيان الرقمي صراحة تحت هذا المسمّى، غير أن نظام تنظيم التجارة الإلكترونية رقم (4) لسنة 2025 وضع إطارًا تنظيميًا مهمًا لحماية بيانات الزبائن في سياق المعاملات الإلكترونية. فقد عرّف النظام "البيانات" تعريفًا واسعًا يشمل كل بيان يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في التعامل التجاري الإلكتروني.

وتبرز حماية البيانات في المادة (15) من النظام، التي ألزمت التاجر الإلكتروني بجمع البيانات الضرورية فقط لتحقيق أغراض مشروعة ومحددة، ومعالجتها بشفافية، واستخدامها ضمن حدود الغرض الذي جُمعت من أجله، والاحتفاظ بها للمدة اللازمة فقط.

كما نصّت المادة (7/أولًا/و) على إلزام التاجر الإلكتروني بتوفير خيار حذف بيانات حساب الزبون وإلغاء الحساب عند الطلب، وهو النص الأقرب في مضمونه إلى فكرة الحق في النسيان الرقمي.

غير أن هذه الحماية تبقى ذات طابع تنظيمي مهني، تُفرض كالتزام على التاجر الإلكتروني، دون أن تُصاغ بوصفها حقًا رقميًا مستقلًا قابلًا للمطالبة القضائية المباشرة كما هو الحال في قانون الاتحاد الأوروبي.

مقارنة تحليلية

يتّضح من المقارنة أن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع الحق في النسيان الرقمي باعتباره حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان الرقمية، يُمارس مباشرة من قبل الفرد، وتدعمه آليات إنفاذ ورقابة وقضاء متخصص. أما المشرّع العراقي، فقد اتجه إلى منطق تنظيمي مهني يفرض التزامات واضحة على التاجر الإلكتروني، دون أن يُنشئ حقًا مستقلًا وصريحًا باسم الحق في محو البيانات.

وبعبارة أخرى، فإن حماية البيانات في النظام العراقي لسنة 2025 تتحقق من خلال تقييد الجمع، وربط الاستخدام بالغرض، وتحديد مدة الاحتفاظ، ومنح الزبون إمكانية حذف بيانات حسابه، لكنها لا ترتقي بعدُ إلى بناء منظومة حقوق رقمية متكاملة مشابهة للتشريع الأوروبي. ومع ذلك، يُعدّ هذا النظام خطوة تأسيسية مهمة، يمكن البناء عليها مستقبلًا لتقنين الحق في النسيان الرقمي بشكل صريح، ضمن قانون وطني شامل لحماية البيانات الشخصية.

نخلص من ذلك إلى أن الحق في النسيان الرقمي يعكس تحوّلًا جوهريًا في فهم العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، من كونه مجرد موضوع للمعالجة إلى كونه فاعلًا يملك حق التحكم بذاكرته الرقمية. وبينما نجح الاتحاد الأوروبي في إرساء نموذج حقوقي متقدم يوازن بين الخصوصية وحرية التعبير، فإن التشريع العراقي بدأ بخطوات تنظيمية واقعية في مجال التجارة الإلكترونية، تفتح الباب أمام تطوير تشريعي أوسع. 

ويبقى التحدي الحقيقي أمام المشرّع العراقي هو الانتقال من حماية البيانات كالتزام مهني على التاجر، إلى الاعتراف بها كحق إنساني رقمي متكامل، ينسجم مع التحولات العالمية، ويحمي الفرد في زمن أصبحت فيه الذاكرة الرقمية أطول عمرًا من الإنسان نفسه.

................................

المصادر:

[1] European Union. General Data Protection Regulation (EU) 2016/679, Article 17.

https://gdpr-info.eu/art-17-gdp

[2] Court of Justice of the European Union. Google Spain SL and Google Inc v. Agencia Española de Protección de Datos (AEPD) and Mario Costeja González, Case C-131/12 (2014).

https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX:62012CJ0131 

[3] Google LLC v. CNIL, Case C-507/17 (2019). https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX:62017CJ0507 

[4] EU right to be forgotten | Epthinktank | European Parliament

اضف تعليق