يناقش المقال تحوّل بعض حفلات الزواج من مناسبة عائلية خاصة إلى مساحة للاستعراض الجسدي تحت تأثير التقليد ومواقع التواصل، ويرى أن تكرار الظاهرة يسهم في تطبيعها وتغيير معايير الحياء والخصوصية. ويؤكد أن الفرح لا يتعارض مع الاحتشام، وأن الحفاظ على الكرامة والحدود الأخلاقية لا ينتقص من الجمال، بل يحمي معنى الزواج وخصوصيته واحترامه داخل المجتمع ويصون قيمه من التآكل التدريجي.
هناك أشياء إذا انتشرت بين الناس صرنا نخجل من الاعتراض عليها، لا لأنها أصبحت صحيحة، بل لأن كثرة تكرارها جعلت القبيح مألوفًا. ومن أكثر المشاهد التي تثير الاستغراب اليوم في أغلب أعراسنا ذلك التحول الغريب في معنى الفرح؛ من مناسبة عائلية لها حرمتها وخصوصيتها، إلى منصة لعرض الجسد والحركات والإيحاءات أمام عشرات أو مئات العيون، ثم أمام آلاف أخرى بعد أن تتكفل الهواتف بنقل المشهد إلى مواقع التواصل.
والأغرب من ذلك كله أن يُقدَّم هذا المشهد بوصفه «فرحًا» و«تحضرًا» و«انفتاحًا». أي فرح هذا الذي لا يكتمل إلا إذا تحولت العروس إلى فقرة استعراضية أمام جمهور؟ وأي انفتاح هذا الذي يُقاس بمقدار ما انكشف من الجسد، وبمقدار ما كانت الحركات أكثر لفتًا للنظر؟ وهل صار الزواج، الذي يُفترض أن يكون بداية للخصوصية، مناسبة لنسف الخصوصية من أساسها؟
الأشد إثارة للعجب هو موقف بعض الأزواج أنفسهم. الرجل الذي قد يغضب لو نظر شخص إلى زوجته في الشارع نظرة زائدة، يقف في ليلة عرسه مبتسمًا ومصفقًا وهي ترقص أمام الحاضرين بحركات تتركز فيها الأنظار على الجسد، ثم يبدو فخورًا بالمشهد كأنه يعلن للناس: انظروا ماذا أملك! أي تناقض هذا؟ هل الحياء مطلوب طوال العام ثم يأخذ إجازة في ليلة الزفاف؟ وهل ما يُرفض في أي مكان آخر يصبح فجأة «فنًا» و«فرحًا» بمجرد أن تُضاء القاعة وتشتغل الموسيقى؟
المشكلة ليست في الرقص نفسه، ولا في الفرح، ولا في أن تظهر العروس جميلة في ليلة زفافها. لم يقل عاقل إن العرس يجب أن يتحول إلى مجلس عزاء. المشكلة في ذلك الخلط الفج بين الفرح وبين الاستعراض الجسدي، وبين الأناقة وبين التعري، وبين البهجة وبين الإثارة المتعمدة. هناك فرق شاسع بين أن تفرح المرأة بزفافها وبين أن تتحول، بإرادتها أو تحت ضغط الموضة، إلى مشهد تتعلق به الأبصار من الرأس إلى القدم.
والأشد مرارة أن المجتمع نفسه الذي يتحدث صباحًا عن القيم والحياء والدين، يصفق مساءً لمشهد يناقض كل ما كان يقوله قبل ساعات. هذا هو النفاق الاجتماعي بعينه: قيم تُرفع في الخطب والمنشورات، ثم تسقط عند أول أغنية. كلام كثير عن «الغيرة» و«الستر» و«الأخلاق»، لكن عند العرس تتعطل القواعد، وكأن قاعة الأفراح منطقة حرة لا تدخلها القيم.
ثم نسأل: من أين جاءت هذه الثقافة؟ الحقيقة أنها لم تأتِ من كتاب ولا من تراث اجتماعي رصين، بل جاءت، في جانب كبير منها، من ثقافة الصورة والاستعراض ومواقع التواصل. أصبح الناس يقلد بعضهم بعضًا بلا سؤال. ترى العروس مقطعًا فتريد مثله، وترى أخرى فتريد أن تتفوق عليها، ثم تصبح المنافسة: من كان فستانها أجرأ؟ من كان رقصها أكثر إثارة؟ من حصل مقطعها على مشاهدات أكثر؟ وهكذا يتحول الزواج من علاقة إنسانية إلى «عرض»، ويتحول الجسد إلى وسيلة لجذب الأنظار.
والكارثة أن هذه الظواهر لا تنتصر لأنها مقنعة، بل لأنها تتكرر. أول مرة يصدمك المشهد، الثانية تستغربه، الثالثة تتقبله، الرابعة تقول: صار أمرًا عاديًا. وبعد سنوات، يصبح من يعترض هو الغريب. بهذه الطريقة لا تنهار المعايير دفعة واحدة؛ تنهار بالتعوّد. الأخطر ليس أن يظهر مشهد فاضح، بل أن يفقد الناس القدرة على رؤيته فاضحًا.
إن أخطر ما يحدث اليوم هو أن بعض الناس صار يخجل من الحياء أكثر مما يخجل من التعري. صارت المحتشمة توصف بأنها «معقدة»، ومن يعترض على الاستعراض يوصف بأنه «متخلف»، أما من يحول جسده إلى عرض عام فيُقال عنه «متحضر». يا لها من مفارقة! انقلبت المعايير إلى درجة صار معها المطلوب من الإنسان أن يثبت حداثته بالتخلي عن الحدود التي كان يعدها جزءًا من كرامته.
ولست أفهم بأي منطق يمكن لعريس أن يفرح بأن تتحول زوجته أمام الحاضرين إلى مركز لنظرات الرجال وتصوير الهواتف وتعليقات الناس. هل هذا فخر؟ أم أننا فقدنا حتى معنى الفخر؟ وهل الرجولة أن تبتسم أمام مشهد لا ترضاه لزوجتك في أي سياق آخر، ثم تقبله فقط لأنك أطلقت عليه اسم «عرس»؟
أما من الناحية الدينية، فالمسألة أوضح من أن تحتاج إلى خطب طويلة. القرآن لم يجعل غض البصر شأنًا نسائيًا وحده، بل قال أولًا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾. فكيف يتحول العرس عند بعض الناس إلى مناسبة يصعب فيها أصلًا تطبيق أبسط معنى لغض البصر؟
والذي يثير الأسى أكثر أننا لا نتحدث عن مجتمع بلا تاريخ ولا قيم. نحن نتحدث عن مجتمعات ظلت قرونًا تربط الكرامة بالاحتشام والخصوصية والوقار، ثم جاءتنا خلال سنوات قليلة ثقافة تقول: كلما عرضت أكثر كنت أجمل، وكلما أثرت انتباه الناس كنت أنجح، وكلما تحدث الناس عن فستانك ورقصك كان عرسك أسطوريًا.
أسطوري؟ نعم، لكنه أسطوري في مقدار ما أنفقنا على الصورة ونسينا المعنى.
الزواج ليس حفلة أزياء، ولا مسابقة أجساد، ولا منصة لجمع المشاهدات. الزواج بداية حياة يُفترض أنها تقوم على الاحترام والخصوصية والمودة. فإذا كانت البداية نفسها قائمة على استعراض الجسد أمام الآخرين، فمن حقنا أن نسأل: ما الذي بقي من معنى الخصوصية أصلًا؟
وليس المقصود هنا جلد الناس أو ادعاء الطهر، ولا تفتيش أعراسهم، ولا فرض وصاية على أحد. لكن من حق المجتمع أن ينتقد ما يراه هبوطًا في الذوق وانقلابًا في المعايير. الحرية شيء، وتحويل كل قيمة إلى مادة للسخرية شيء آخر. الانفتاح شيء، وفقدان الحدود شيء آخر. الفرح شيء، والاستعراض الجنسي شيء آخر.
أما أن نقبل كل ما يصل إلينا من شاشة الهاتف، ثم نضع فوقه لافتة «هذا تطور»، فهذه ليست حداثة. هذه مجرد قابلية مذهلة للتقليد.
والذي أخشاه أن يأتي يوم لا نسأل فيه: لماذا حدث هذا؟ بل نسأل باستغراب: كيف كان الناس يومًا يرون في هذه المشاهد شيئًا معيبًا؟
عندها نكون قد خسرنا أكثر من قطعة قماش؛ نكون قد خسرنا الإحساس بالحدود.
وأكررها بلا مجاملة: ليست المشكلة في جمال العروس، ولا في فرحها، بل في تحويل جسدها إلى مادة للعرض العام ثم تسمية ذلك «فرحًا». فما كان الحياء يومًا عدوًا للفرح، وما كان الاحتشام نقيضًا للجمال، وما كانت الكرامة حاجزًا أمام السعادة.
لكن يبدو أننا نعيش زمنًا صار فيه بعض الناس مستعدًا لأن يضحي بكل شيء من أجل صورة جميلة، ومقطع متداول، وتعليق يقول: «ما شاء الله، شنو هذا العرس!».
وربما هنا تكمن الفضيحة الحقيقية: أن يتحول ما كان يُستحيا منه بالأمس إلى شيء نتباهى به اليوم.



اضف تعليق