يناقش المقال العلاقة بين الرأي العام والقرار الحكومي في الديمقراطية، موضحًا أن كون الشعب مصدر السلطة لا يعني مشاركته المباشرة في كل قرار تنفيذي. ويؤكد أهمية التخصص والمؤسسات والمساءلة والشفافية، ويحذر من تحول المجتمع إلى حالة تعبئة سياسية دائمة، داعيًا إلى مشاركة مؤسسية حقيقية عبر الانتخابات والرقابة المدنية...
من الظواهر اللافتة في حياتنا العامة أن القرار الحكومي لم يعد، في كثير من الأحيان، قرارًا تتخذه مؤسسة مختصة ثم يخضع للنقد والمساءلة والتقييم، بل يكاد يتحول لحظة صدوره إلى استفتاء شعبي مفتوح: فريق يؤيد، وفريق يرفض، وثالث يتهم، ورابع يدافع، وخلال ساعات يصبح المجتمع كله خبراء في الاقتصاد والقانون والتعليم والصحة والسياسة الخارجية والإدارة العامة.
ولا تكمن المشكلة في أن المواطن يتكلم. على العكس تمامًا؛ فحرية الرأي والرقابة الشعبية من أهم ضمانات الديمقراطية. والمجتمع الذي يصمت أمام السلطة مجتمع يفقد إحدى أهم وسائل حمايته من الانحراف والاستبداد. لكن ثمة فارقًا كبيرًا بين مواطن يراقب الحكومة ومواطن يتصور أنه يجب أن يشارك بنفسه في اتخاذ كل قرار حكومي.
هذه المسافة هي التي يبدو أننا نخلط بينها أحيانًا.
فالديمقراطية الحديثة لم تُبنَ على أن يجتمع جميع المواطنين كل صباح ليقرروا سعر الفائدة، أو السياسة الضريبية، أو المناهج الدراسية، أو التعيينات الإدارية، أو العقود الحكومية، أو السياسة الخارجية. تلك الصورة أقرب إلى الديمقراطية المباشرة التي عُرفت في بعض المدن القديمة، ولا سيما أثينا، حيث كان آلاف المواطنين يجتمعون في الجمعية ويصوتون مباشرة في المسائل العامة.
أما الدولة الحديثة، بما فيها من ملايين السكان ومؤسسات شديدة التعقيد، فقد تطورت نحو الديمقراطية التمثيلية، حيث يختار الشعب ممثليه، وتعمل السلطات والمؤسسات ضمن اختصاصاتها، بينما يبقى الشعب مصدر الشرعية وصاحب الحق في الرقابة والمحاسبة.
والدستور العراقي نفسه واضح في هذه المسألة. فهو لم يؤسس ديمقراطية مباشرة يدير فيها المواطنون القرارات التنفيذية اليومية، وإنما ديمقراطية تمثيلية يكون فيها الشعب مصدر السلطة، والمؤسسات هي أدوات ممارستها.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق النقاش: كون الشعب مصدر السلطة لا يعني أن الشعب هو كل سلطة في كل لحظة.
الديمقراطية لا تلغي التخصص، فالطبيب لا يجري استفتاء بين المرضى قبل تحديد الجرعة، والقاضي لا يفتح تصويتًا عامًا قبل إصدار الحكم، والمهندس لا يسأل جمهور مواقع التواصل عن مقدار الحديد اللازم للجسر. وبالمثل، هناك قرارات عامة تحتاج إلى معرفة فنية ومعلومات وبيانات لا تكون متاحة دائمًا للجمهور، وتتطلب موازنة بين مصالح وبدائل ومخاطر لا يمكن اختزالها في سؤال سريع: «هل أنت مع القرار أم ضده؟».
هذا لا يعني إطلاق يد الحكومة، بل العكس. الحكومة مطالبة بأن تفسر وتبرر وتكشف المعلومات وتتحمل المسؤولية. ويعدّ الفكر الديمقراطي المعاصر «المساءلة» و«الشفافية» و«الاستجابة» و«المشاركة»، إلى جانب التمثيل، عناصر متكاملة للديمقراطية. فالمواطن له أن يسأل: لماذا صدر القرار؟ ما سنده القانوني؟ من المستفيد منه؟ كم سيكلف؟ هل حقق الغرض منه؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا فشل؟ لكن هذه الأسئلة تختلف عن القول إن القرار لا يصبح مشروعًا إلا إذا وافقت عليه أكثرية التعليقات في مواقع التواصل.
بل إن إحدى مشكلات تحويل كل قرار إلى قضية رأي عام فورية أن السياسة العامة تبدأ عندئذ بالخضوع إلى مزاج اللحظة.
هناك قرارات شعبية لكنها خاطئة، وقرارات غير شعبية في بدايتها لكنها قد تكون ضرورية، والعكس صحيح. ولهذا قامت المؤسسات الديمقراطية لكي تفصل نسبيًا بين تقلب المزاج اليومي وبين استمرارية الدولة.
فإذا أصبحت الحكومة تقيس صحة كل قرار بعدد المؤيدين والمعارضين خلال أربع وعشرين ساعة، فلن تعود أمامنا إدارة عامة، وإنما نوع من الحكم بالاستطلاع الدائم.
وهنا يظهر خطر آخر: أن يتحول المواطن تدريجيًا من مواطن إلى سياسي متفرغ دون أن يشعر.
يتابع التعيينات، ويقيّم الوزراء، ويحدد السياسة الخارجية، ويناقش الموازنة، ويقرر في أسعار العملة، ثم ينتقل إلى المناهج والطب والقضاء والدفاع، وكل ذلك خلال يوم واحد. وليس في الاهتمام بالشأن العام عيب، لكن المجتمع لا يستطيع أن يعيش إذا أصبح كل أفراده في حالة تعبئة سياسية دائمة.
فالمجتمع يحتاج إلى العالم والطبيب والأستاذ والمهندس والفنان والعامل والتاجر، ويحتاج هؤلاء إلى مساحة ذهنية واجتماعية يعيشون فيها حياتهم وينتجون ويبدعون، لا أن تصبح السياسة هي اللغة التي تبتلع جميع اللغات الأخرى.
ومن خلال متابعة وسائل الإعلام والحياة العامة في كثير من المجتمعات المستقرة، يُلاحظ أن السياسة لا تحتل المساحة نفسها من الحياة اليومية التي تحتلها في مجتمعات أخرى. فالمواطن هناك قد لا يعرف أسماء عشرات المسؤولين، ولا يتابع كل تعيين أو تصريح أو خلاف حكومي، وليس لأنه عديم الوعي أو غير معني بالشأن العام، بل لأن السياسة لم تتحول إلى مهنة يومية للجميع. يعرف المواطن ما يمس حقوقه ومصالحه، ويحاسب في الانتخابات، ويحتج عند الضرورة، ثم يعود إلى عمله وتخصصه وحياته. أما المجتمع الذي تصبح فيه السياسة موضوع الحديث في البيت والعمل والجامعة والمقهى ووسائل التواصل طوال الوقت، فقد لا يكون أكثر نضجًا سياسيًا؛ بل قد يكون مجتمعًا استهلكت السياسة جزءًا كبيرًا من طاقته واهتمامه.
فالمجتمع الذي يتحدث في السياسة ليس بالضرورة مجتمعًا سياسيًا ناضجًا؛ فقد يكون فقط مجتمعًا استهلكته السياسة. وهذا يفسر مفارقة مهمة: قد يكثر الكلام السياسي بينما تضعف المشاركة السياسية الحقيقية.
فكتابة تعليق غاضب ليست هي الرقابة الشعبية، وإعادة نشر خبر ليست مساءلة، والانتصار لهذا الطرف أو ذاك في نقاش إلكتروني ليس مشاركة مؤسسية. المشاركة الديمقراطية الحقيقية أوسع وأكثر جدية: انتخاب، وتنظيم مدني، وصحافة مستقلة، ومطالبة بالمعلومات، ومراقبة للموازنة، وطعن قانوني، وعريضة، ونقابة، ومؤسسة مجتمع مدني، واحتجاج سلمي، ومساءلة للنواب والمسؤولين.
ولهذا تميز الأدبيات الديمقراطية الحديثة بين المشاركة والتمثيل والمساءلة بدل أن تذيب الثلاثة في مفهوم واحد. فالمواطن يشارك، والممثل المنتخب يمثل، والحكومة تدير، والقضاء يراقب المشروعية، والمؤسسات الرقابية تدقق، ثم يحاسب الناخب السياسي عند الانتخابات. هذا ليس إبعادًا للشعب عن السلطة؛ بل هو الطريقة التي تستطيع بها المجتمعات الكبيرة ممارسة السيادة الشعبية دون تحويل الدولة إلى اجتماع جماهيري دائم.
ولذلك فإن المشكلة ليست في الرأي العام، بل في تحويل الرأي العام إلى بديل عن المؤسسة.
نحتاج إلى رأي عام قوي، نعم.
نحتاج إلى صحافة تنتقد الحكومة، نعم.
نحتاج إلى مواطن لا يخاف المسؤول، بالتأكيد.
ونحتاج إلى حكومة تعرف أنها ليست فوق المساءلة.
لكننا لا نحتاج إلى أن يتحول كل قرار إداري إلى معركة وطنية، وكل تعيين إلى قضية وجودية، وكل تصريح إلى أزمة سياسية، وكل مواطن إلى وزير ظل.



اضف تعليق