يناقش المقال الفرق بين الثقافة والحضارة، وبين المثقف والمتحضر، موضحًا أن المعرفة وحدها لا تكفي لصناعة السلوك المدني. مؤكدًا أن احترام القانون والاختلاف والحقوق والمال العام هو المعيار الحقيقي للتحضر، وأن الحضارة المادية قد تُستورد، بينما يُبنى التحضر داخل الإنسان عبر التربية والقيم والممارسة اليومية الواعية والمسؤولية الاجتماعية...

كثيرًا ما نستعمل كلمتي «مثقف» و«متحضر» كما لو كانتا مترادفتين، فنفترض أن حامل الشهادة مثقف، وأن كثير القراءة متحضر، وأن المجتمع الذي يملك الجامعات والطرق الحديثة والتكنولوجيا مجتمع متحضر بالضرورة. لكن التجربة اليومية تكشف أن الأمر أكثر تعقيدًا. فقد يكون الإنسان واسع المعرفة، يحفظ أسماء الفلاسفة ويقرأ التاريخ والأدب، لكنه لا يحتمل رأيًا يخالفه، ولا يحترم دور الآخرين في الطابور، ويستعمل الواسطة إذا تعارض القانون مع مصلحته. وقد نجد إنسانًا محدود التعليم، لكنه يحترم المختلف عنه، ويحافظ على المال العام، ويقبل بحرية الرأي والعقيدة، ولا يعتدي على حقوق الآخرين. هنا يظهر الفرق بين الثقافة والتحضر، وبين المثقف والمتحضر.

الثقافة، في معناها العلمي، أوسع من القراءة والتعليم. فقد عرّفها إدوارد تايلور في كتابه «الثقافة البدائية» (Primitive Culture) سنة 1871 بأنها ذلك «الكل المركب» الذي يشمل المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والعرف والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع. ثم وسعت اليونسكو هذا التصور في إعلان مكسيكو للسياسات الثقافية سنة 1982، فعدّت الثقافة مجموعة السمات الروحية والمادية والفكرية والوجدانية التي تميز مجتمعًا، وتشمل طرائق الحياة ومنظومات القيم والتقاليد والمعتقدات. لذلك فالعادات والتقاليد جزء أساسي من الثقافة، لكنها ليست الثقافة كلها.

ومن هنا تأتي نقطة مهمة: ليست كل ثقافة تحضرًا، وليس كل ما توارثه المجتمع جديرًا بالبقاء. فالثقافة وصف لما يحمله المجتمع، وفيها الجميل والقبيح، والعادل والجائر، والمتسامح والمتعصب. فقد يكون الثأر عادة ثقافية، وقد تكون المحسوبية ممارسة اجتماعية متوارثة، وقد يكون رفض المختلف جزءًا من ثقافة سائدة؛ والتكفير ثقافة عند المجاميع المتعصبة، لكن قدم هذه الممارسات لا يحولها إلى قيم متحضرة.

أما الحضارة فهي أوسع من السلوك الفردي؛ لأنها تشمل المؤسسات والعمران والقانون والتنظيم والمعرفة والتقنية. لكن إذا انتقلنا من «الحضارة» إلى «التحضر»، فإننا نصل إلى البعد الذي يهمنا هنا: الحضارة هي أن تُهذَّب الثقافة بمقتضيات المدنية، فيصبح احترام الإنسان والاختلاف والقانون والحق العام جزءًا من السلوك اليومي. ومن هذه الزاوية يمكن القول: إن الثقافة هي ما يحمله المجتمع من قيم وعادات ومعتقدات، أما التحضر فهو الكيفية التي ترتقي بها هذه الثقافة عندما تعترف بكرامة الإنسان وحريته وحقوقه.

وهنا تصبح حرية الرأي والدين والعقيدة، واحترام الآخر، وقبول الاختلاف، والمساواة أمام القانون، واحترام الخصوصية والمال العام، علامات أساسية على التحضر. فالمجتمع الذي يسمح لك بأن تكون مثله فقط لا يمارس التسامح؛ التسامح يبدأ عندما تكون مختلفًا عنه. واحترام حرية العقيدة لا يعني أن أؤمن بعقيدتك، وإنما أن أعترف بحقك في أن تؤمن بها. واحترام حرية الرأي لا يعني أن يعجبني رأيك، وإنما أن أعترف بحقك في التعبير عنه في الحدود التي لا تنتهك حقوق غيرك.

وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الدكتور علي الوردي، الذي جعل «صراع البداوة والحضارة» أحد مفاتيحه الأساسية لفهم المجتمع العراقي، إلى جانب ازدواج الشخصية والتناشز الاجتماعي. وأهمية فكرته ليست في مقابلة ساكن الصحراء بساكن المدينة بصورة سطحية، بل في التنبيه إلى أن القيم قد تستمر بعد تغير المكان؛ فقد يسكن الإنسان مدينة حديثة بينما تظل علاقته بالدولة والقانون والآخر محكومة بالعصبية والقوة والقرابة.

وهذا ما نراه بوضوح في المجتمع: فالمدينة لا تصنع الإنسان المدني؛ إذ يمكن أن نبني جامعة حديثة ويبقى الغش مقبولًا، ونقيم محكمة حديثة ويبقى بعض الناس يفضلون العشيرة على القضاء، ونشق طريقًا واسعًا ويبقى السائق محتقرًا لقواعد المرور. النتيجة: المبنى حديث، لكن السلوك لم يتغير بالسرعة نفسها.

وهنا يلتقي الوردي، من زاوية مختلفة، مع مالك بن نبي. ففي «شروط النهضة» رفض بن نبي عمليًا اختزال الحضارة في تراكم الأشياء، وربط بناءها بالإنسان والتراب والوقت وبكيفية توجيه هذه العناصر. فالمجتمع يستطيع شراء منتجات الحضارة، لكنه لا يستطيع شراء الإنسان المتحضر معها. يمكن استيراد أحدث سيارة، لكن لا يمكن استيراد احترام الطريق داخل صندوقها. ويمكن بناء جامعة خلال سنوات، لكن بناء النزاهة العلمية واحترام العقل يحتاج إلى تربية اجتماعية أطول.

ولهذا يمكن التمييز بين التحضر المادي والتحضر القيمي. الأول يظهر في التكنولوجيا والعمران والمؤسسات، والثاني يظهر في الإنسان من خلال: علاقته بالقانون، والوقت، والمرأة، والمختلف دينيًا وفكريًا، وبالمال العام. وقد يتقدم الأول بسرعة بينما يتأخر الثاني عقودًا.

ومن هنا نصل إلى الفرق بين المثقف والمتحضر. المثقف، في المعنى الذي نقصده، هو من تجاوز جمع المعلومات إلى الفهم والنقد وتوسيع أفق العقل. أما المتحضر فهو من تحولت القيم المدنية عنده إلى ممارسة: يحترم الإنسان لا لمنصبه أو طائفته أو عشيرته، بل لأنه إنسان، ويحترم القانون حتى عندما يستطيع الإفلات منه، ويدافع عن حق مخالفه كما يدافع عن حق من يوافقه. وعليه يمكن اختصار الفكرة في عبارة أن:

«المثقف هو من وسّعت المعرفة عقله، والمتحضر هو من هذّبت القيم سلوكه».

وقد يكون المرء مثقفًا غير متحضر؛ يقرأ في الحرية لكنه لا يحتمل حرية غيره، ويتحدث عن المواطنة ثم يلجأ إلى الواسطة. وقد يكون إنسان قليل التعليم متحضرًا في سلوكه، يحترم النظام والحقوق والاختلاف. أما الصورة الأكمل فهي المثقف المتحضر: عقل واسع وسلوك مدني.

والاختبار الحقيقي للتحضر لا يكون عندما يراقبنا القانون، بل عندما نكون قادرين على مخالفته ولا نفعل؛ ولا عندما نتعامل مع من يشبهنا، بل عندما نتعامل مع المختلف عنا. لذلك لا تقاس الحضارة بعدد الأبراج والجامعات وحدها، بل بنوع الإنسان الذي تصنعه هذه الأبراج والجامعات.

فالحضارة المادية يمكن استيرادها، أما التحضر فلا يُستورد؛ لأنه يُبنى في الإنسان. والثقافة قد تخبرنا بما ورثناه، لكن التحضر يخبرنا بما استطعنا تهذيبه من هذا الموروث. وبين الاثنين تقف المسافة الفاصلة بين مجتمع يملك أدوات الحضارة ومجتمع تسكن الحضارة في سلوك أفراده.

اضف تعليق