أصبح انتشار الأخبار المزيفة على الإنترنت، التي يوضع بعضها لتحقيق أرباح والبعض لأغراض سياسية، موضوعا رئيسيا للنقاش في كثير من البلدان المتقدمة، حيث تعج الشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي بأخبار ملفقة يقف خلفها أفراد ومؤسسات وأجهزة أمنية، وتهدف تلك الجهات بذلك في بعض الأحيان إلى التشويش وإحداث بلبلة لأغراض مختلفة، وقد شهدت السنوات الأخيرة استخدامات متعددة للتكنولوجيا الحديثة، لاسيما في إطار تزايد عمليات التنصت والقرصنة.

ففي الآونة الأخيرة تصاعدت الانتقادات التي طالت مواقع مثل فيسبوك وتويتر وغوغل حول انتشار أخبار وصفت بالكاذبة أسهمت بوصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في أمريكا كما يقول المعترضون.

وتعتمد حروب الجيل الرابع بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي وذلك من خلال نشر أخبار غير دقيقة وإشاعات من شأنها إشعال الفتنة وزيادة العنف والانقسام في المجتمعات، تواجه فيسبوك ضغوطا متزايدة من حكومات أوروبية تهدد بفرض قوانين جديدة إذا لم تتحرك الشبكة الاجتماعية سريعا لحذف دعايا متطرفة ومحتويات أخرى غير قانونية، لذا أقرت شركة فيسبوك بأنها أصبحت ساحة معارك لحكومات تسعى لاستغلال الرأي العام في دول أخرى مشيرة إلى أنها ستتخذ إجراءات جديدة لمحاربة ما أطلقت عليها "عمليات إعلام موجهة" تتجاوز ظاهرة الأخبار الزائفة.

يذكر ان اختراع الأخبار بهدف التضليل أو التسلية ليس جديدا، لكن مع وسائل التواصل الاجتماعي أصبح تروج بشكل يجعل تمييزها عن الأخبار الحقيقية صعبا، فهناك مئات المواقع التي تنشر الأخبار الزائفة، بينمها مواقع تقلد الصحافة الحقيقية وأخرى تديرها حكومات بهدف الدعاية، وبعضها تهدف للدعابة لكن خيطا رفيعا يفصلها عن الأخبار الحقيقية الزائفة ويصدقها الكثيرون.

لهذه الأسباب تنتشر الأخبار الكاذبة بسرعة

أكد باحثون أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار الحقيقية، موضحين أنه خلافاً للرأي السائد فإن الناس هم الذين ينشرون هذه الأخبار إلى حد كبير، وليس الروبوتات، والتقرير الذي نشرته مجلة "ساينس" العلمية هو الأشمل ويتناول نحو 126 ألف موضوع على تويتر من 2006 إلى 2017، وقام ثلاثة ملايين شخص بإعادة تغريد هذه القصص الإخبارية غير الصحيحة أكثر من 4.5 ملايين مرة. ولتحديد كذب أو صحة الخبر، اعتمد الباحثون على ست منظمات مستقلة للتحقق من المعلومات.

وذكر التقرير الذي أعده باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الأخبار الكاذبة تحظى بفرصة الانتشار 70% أكثر من الأخبار الحقيقية، وتستغرق الأخبار الصحيحة مدة أطول بست مرات للوصول إلى 1500 شخص مقارنة مع القصص الكاذبة للوصول إلى العدد نفسه. واقتصرت الدراسات السابقة حول الموضوع على حالات دراسية أو عينات أصغر، وشرح الباحثون أن القصص الكاذبة تنتشر أسرع على أساس "فرضية الطرافة" التي تفترض أن الناس يشاركون هذه الأخبار لأنها تثير الاستغراب أكثر من الأخبار الحقيقية.

وقال التقرير إن الأخبار الكاذبة تحفز على الرد على تويتر والتعبير عن الدهشة والخوف أو الاشمئزاز. أما الحقيقية فإنها تثير مشاعر الحزن والترقب والفرح والثقة.

وخلصت الدراسة كذلك إلى أن كمية الأخبار الكاذبة على تويتر في ازدياد، وتميل إلى الزيادة خلال الأحداث الرئيسية مثل الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2012 و2016، ومع ذلك، فإن مروجي هذه الأخبار لا يبدو أن لديهم أعدادا كبيرة من المتتبعين. إذ تبين في الواقع أن من يروجون الأخبار الكاذبة "كان لديهم عدد أقل من المتتبعين ويتابعون عددا أقل من الناس، وكانوا أقل نشاطاً على تويتر، وكان يتم التحقق منهم بوتيرة أقل بصورة ملحوظة وكانوا موجودين على تويتر منذ وقت أقصر".

هل يحمي الاتحاد الأوروبي انتخاباته من الأخبار الكاذبة؟

يتوجّه قرابة 400 مليون مواطن أوروبي من 28 بلداً يتحدثون 24 لغة مختلفة إلى مراكز الاقتراع، الأحد المقبل، لانتخاب 751 نائباً يمثلونهم في البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ. إلا أنّ الأخبار الكاذبة وتضليل الناخبين يبقيان من أكثر المخاوف التي تعتري الأحزاب والجمهور معاً.

وتتكرّر المزاعم عن أن منصات التواصل الاجتماعي لا تحارب الدعاية الكاذبة بالسرعة الكافية، ما حتم في بعض الحملات الانتخابية على مستوى العالم (مثلاً في أميركا أو البرازيل أو استفتاء بريطانيا) التشكيك بمدى تأثيرها السلبي على توجهات الناخبين، ما قد يقلب المعادلة في صناديق الاقتراع. وقد ينسحب ذلك على الانتخابات الأوروبية التي تعد مفصليّة لخيارات أوروبا المستقبلية مع تمدد الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية المناهضة للاتحاد، والتي عمدت إلى توحيد صفوفها للمنازلة الكبرى يوم 26 مايو/أيار الحالي. هذا الأمر حاول تبديده المدير في "فيسبوك"، مارتن أوت، خلال نقاشات في البوندستاغ، لافتاً إلى أنّ للانتخابات الأوروبية اعتبارات خاصة ولها أولوية مطلقة.

رغم ذلك، ازدادت في أوروبا الأصوات المطالبة بضرورة التنبّه لهذا الأمر، قبل أن يتجرّأ أحد على القول في ما بعد إنه فوجئ بمحاولات التأثير على الرأي العام. لغاية اللحظة، يقول المعنيون والمسؤولون إنّ منصات التواصل، وبينها فيسبوك التي تملك "واتساب" و"إنستغرام"، اتخذت التدابير والاحتياطات اللازمة، ومن بينها ترصّد أصحاب الحسابات المزيفة لكي توقع بأولئك الذين يريدون التأثير في الانتخابات الأوروبية من خلال مزاعم معينة، والتدقيق بها، والمعلومات المضللة، وهي على تنسيق تام مع مكاتب بروكسل. علماً أنّ وكالة الأنباء الألمانية ذكرت أخيراً أنّ أجهزة استخبارات أوروبية رصدت جهوداً من قبل بعض شبكات التواصل ووسائل الإعلام المناهضة لفكرة الاتحاد الأوروبي، والمقربة من روسيا، تسعى لمحاولة التأثير على جيل الشباب بوجه خاصّ، والتشكيك بأهمية التكتل والتصويت في الانتخابات البرلمانية الأوروبية، ما يُبرهن الصعوبات التي تعانيها تلك الأجهزة لكبح دور تلك المنتديات على فيسبوك وتويتر. ووفقاً لتقارير صحافية سابقة، فإنّ من بين المؤسسات التي لها تأثيرها في هذا المضمار، جهاز الأمن الفدرالي الروسي والاستخبارات الداخلية والعسكرية إلى وكالة أبحاث الإنترنت في سان بطرسبرغ.

في المقابل، يعتبر خبراء في علم التكنولوجيا الرقمية أنّ مخاطر التأثير الروسي على الانتخابات الأوروبية باتت أقل، لاعتبارات عدة، بينها اليقظة التي استجدّت في العالم الرقمي عمّا كان عليه الوضع قبل عامين. وذلك بعد أن انكبت الشركات على مكافحة هذا النوع من الجريمة ورصد وتتبع مطلقيها وكشفهم، إلى الخوف من إجراءات انتقامية، وخصوصاً من الجانب الروسي، مذكّرين بما حصل عند محاولة تسميم عميل روسي مزدوج في روسيا نتج عنه طرد لدبلوماسيين من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية. ناهيك عن القناعة الراسخة أنّ السيطرة على هذا النوع من "البوتات" (حسابات آلية) بات أكثر سهولة عما قبل بفعل التقنيات المتبعة، والنتيجة ستكون فقط خسارة الكثير من الأموال، مبرزين الرد الروسي على ذلك، بأنّ موسكو لا تعتزم التدخل في الانتخابات الأوروبية أو أي انتخابات أخرى.

من جهة أخرى، بيّنت شركة "فيسبوك" أخيراً، وفق "فرانكفورتر الغماينه تسايتونغ"، إنها تسعى جاهدةً لتضييق نطاق المشكلة والتعلم من الأخطاء التي وقعت بها سابقاً. واعتبرت المديرة في فيسبوك، تيسا ليونز، التي ترعى الأخبار، أنّ الشركة حققت خلال العامين الماضيين خطوات كبيرة في هذا المجال. إذ تم حذف 750 مليون حساب مزيف، كما تمت زيادة عدد الموظفين المشاركين في تأمين الأمان والسلامة على الشبكة، ومن المتوقع بحلول نهاية هذا العام أن يصل عددهم إلى 30 ألفاً. وكإجراء إضافي حدّثت الشركة، أخيرًا، قاعدة بياناتها للإعلان السياسي في أوروبا، وهو ما سيُمكّن المستخدمين من معرفة من يقف وراء الإعلانات السياسية، ومقدار الأموال التي ينفقها المعلنون، وأي فئة من السكان يتم توجيه الإعلان إليها. وبخصوص "واتساب"، فلم يعد يتمكن المستخدم من إعادة توزيع الرسائل سوى خمس مرات، فيما يتم الإشارة إليها بأنها رسائل معاد توجيهها. كما أنّ "فيسبوك" تتحقق حالياً من صحة المنشورات من قبل شركة كوركتيف ووكالة الأنباء الألمانية، وهما الشركتان الناشطتان من ضمن 40 شركة يتم التعاون معهم في أوروبا للتحقق من دقة المحتوى المعروض على الشبكة.

بريطانيا تؤسس وحدة للتعامل مع "الأخبار الكاذبة"

قال متحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إن الحكومة ستؤسس وحدة جديدة للتعامل مع ”الأخبار الكاذبة“ ومحاولة ردع من يسعون لاستغلال هذه الأخبار للتأثير على الأحداث في البلاد، وسبق أن اتهمت ماي روسيا بالتدخل في الانتخابات واتهمت الإعلام الرسمي الروسي بنشر قصص ملفقة لتقويض المؤسسات الغربية.

وتنفي روسيا تدخلها في انتخابات الدول بما في ذلك استفتاء يونيو حزيران 2016 في بريطانيا بشأن الانسحاب بن الاتحاد الأوروبي وانتخابات الرئاسة الأمريكية في 2016، وقال المتحدث للصحفيين ”نحن نعيش في عصر الأخبار المزيفة والروايات المنافسة (للأحداث). سترد الحكومة باستخدام أكثر وأفضل لاتصالات الأمن القومي للتعامل مع هذه التحديات المعقدة المتشابكة“، وأضاف ”سنقوم بالبناء على القدرات الموجودة بإنشاء وحدة اتصالات أمن قومي. ستكون مهمتها مكافحة المعلومات غير الصحيحة... ستردع بشكل أكثر منهجية خصومنا وستساعدنا في تحقيق أولوياتنا للأمن القومي“.

استطلاع لبي بي سي: تزايد المخاوف من الأخبار الكاذبة على الانترنت

أفاد استطلاع رأي أجرته الخدمة العالمية في بي بي سي تزايد القلق بين مستخدمي الانترنت عالميا بشأن الأخبار الكاذبة، وأشار الاستطلاع أيضا إلى وجود معارضة متزايدة إزاء تدخل الحكومة لفرض رقابة على الانترنت للحد من تداول مثل هذه الأخبار.

وفي الاستطلاع الذي شمل 15 دولة، قال 79 في المئة إنهم قلقون بشأن الأخبار الكاذبة على الانترنت، لكن مستخدمي الانترنت في دولتين فقط هما الصين وبريطانيا أكدوا رغبتهم في فرض حكومتهم رقابة على الانترنت، وكانت بي بي سي أجرت استطلاعا مماثلا في عام 2010، وقال 58 في المئة من المستطلع آرؤاهم إنه يجب تنظيم الانترنت مقابل 51 في المئة في الاستطلاع السابق الذي أجري قبل سبع سنوات.

وفيما يتعلق برقابة الانترنت، أعرب 67 في المئة من المستطلع آراؤهم في الصين عن ترحيبهم بهذه الفكرة، بينما كان موقف البريطانيين أكثر توازنا إذ أيد 53% فرض الرقابة على الشبكة العنكبوتية، وضمت قائمة الدول التي سجلت معارضة شديدة لفكرة مراقبة الانترنت كلا من اليونان 84 في المئة، ونيجيريا 82 في المئة.

وأجرت "غلوب سكان" هذا الاستطلاع لصالح بي بي سي خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى أبريل/نيسان وشمل أكثر من 16 ألف بالغ، وتزايدت المخاوف بشأن ما هو حقيقي وما هو كاذب بعد عام شهد انتشارا لمصطلح الأخبار الكاذبة وأصبحت مصدرا للتربح إذ أن الأخبار الكاذبة على فيسبوك حققت لأصحابها مبالغ طائلة من خلال الإعلانات.

وكان البرازيليون الأكثر قلقا إزاء الفارق بين ما هو حقيقي وما هو كاذب، وأوضح 92 في المئة منهم أنه يساورهم بعض القلق إزاء هذا الأمر. وفي عدد من الدول النامية الأخرى كان هناك مستوى مرتفع من القلق إزاء الأمر نفسه من بينها إندونيسيا التي سجلت 90 في المئة، ونيجيريا 88 في المئة وكينيا 85 في المئة.

وكانت ألمانيا هي البلد الوحيد من بين الدول التي شملها الاستطلاع وأعرب مواطنوها بأغلبية ضئيلة بلغت 51 في المئة عن عدم قلقهم إزاء هذه القضية. وخلال الفترة التي سبقت الانتخابات في ألمانيا، كانت هناك جهود حثيثة للقضاء على الأخبار الكاذبة.

وقال دوغ ميلر، رئيس مؤسسة "غلوب سكان": "نتائج هذا الاستطلاع تشير إلى أن عهد الأخبار الكاذبة قد يكون مهما في تقليل مصداقية المعلومات عبر الانترنت مثلما كانت معلومات المراقبة الخاصة بوكالة الأمن الوطني (الأمريكية) التي كشف عنها (عميل الاستخبارات السابق) إدوارد سنودن عام 2013 مهمة في التقليل من ثقة الناس في الكشف عن آرائهم عبر الانترنت".

وهناك قلق متزايد إزاء تعبير الناس عن آرائهم عبر الانترنت. وفي الدول الـ15 التي شملها الاستطلاع، قال 53 في المئة إنهم لا يشعرون بالارتياح إزاء هذا الأمر مقارنة بـ49 في المئة في الاستطلاع السابق عام 2010.

أعربت غالبية كبرى في نيجيريا وبيرو والصين عن ثقتهم بشأن التعبير عن آرائهم، لكن في أوروبا وأمريكا الشمالية كان الأشخاص أكثر قلقا بكثير، وكان الفرنسيون واليونانيون الأقل رغبة على الأرجح للتحدث بحرية على الانترنت عن آرائهم.

ومع تزايد الاستخدام العالمي للانترنت، فإنه يبدو أن هناك حماسا متزايدا للرغبة في منح حق استخدام الانترنت للجميع. ووافق 53 في المئة من المستطلع آرائهم على أن استخدام الانترنت يجب أن يكون حقا أساسيا، وسجلت البرازيل واليونان والهند الأغلبية الأكبر من المستطلع آراؤهم في هذا الشأن.

وسلط الاستطلاع الضوء على بعض الاختلافات بين الرجال والنساء في الاتجاهات إزاء الانترنت، إذ أن الرجال كانوا الأكثر استخداما على الأرجح للانترنت، إذ قال 78 في المئة من الرجال إنهم دخلوا إلى الانترنت خلال الشهور الستة الماضية مقارنة بـ71 في المئة من النساء.

وأوضح الاستطلاع أن النساء كن بدرجة ما على الأقل أقل شعورا بالارتياح للتعبير عن آرائهن عبر الانترنت، وكان هذا القلق أكثر وضوحا في الدول المتقدمة. وأعرب 14 في المئة من النساء في فرنسا عن شعورهن بالاطمئنان للكشف عن آرائهن، بينما سجلت بريطانيا 36 في المئة والولايات المتحدة 35 في المئة، وكانت البريطانيات أيضا أكثر قلقا إزاء المحتوى الكاذب مقارنة بالرجال، وكن أكثر حرصا على وجود خطط لفرض بعض الرقابة على الانترنت.

فيسبوك يكشف عن أدوات جديدة لكبح تداول الأخبار الزائفة

دافع مارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك عن الموقع، ضد اتهامه بنشر أخبار زائفة خلال الأشهر الماضية، أعلن موقع فيسبوك عن خصائص جديدة، للمساعدة في كبح تداول الأخبار الزائفة على أكبر موقع للتواصل الاجتماعي في العالم.

وستطرح خصائص للإبلاغ عن الأخبار الزائفة، جنبا إلى جنب مع تعديلات أخرى صممت لمكافحة انتشار المعلومات المضللة، وواجه موقع فيسبوك انتقادات واسعة الشهر الماضي، بعد شكاوى بعض المستخدمين من أن الأخبار الزائفة قد أثرت على حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتتضمن الأدوات الجديدة القدرة على الإبلاغ عن الأخبار الزائفة، وكذلك تغيرات مستقبلية محتملة على الأنظمة الحسابية لفيسبوك.

وقالت شركة فيسبوك في إعلانها: "نحن نؤمن بإعطاء الناس فرصة للتعبير عن آرائهم، ولا يمكن أن نكون حكاما على الحقائق بأنفسنا، ولذلك نحن نتعامل مع تلك المشكلة بحرص"، وأضاف موقع التواصل الإجتماعي خيارا جديدا بعنوان "إنه خبر زائف" إلى خاصية الإبلاغ، والتي تستخدم حاليا لمكافحة المحتويات غير المرغوب فيها، أو أي محتويات أخرى "مزعجة"، كما يقدم الموقع أيضا وسما للأخبار "المتضاربة"، والتي يقول إنه سيحيلها إلى طرف ثالث من المنظمات المعنية بتدقيق الحقائق.

نشر الموقع صورا التقطت من الشاشة للخصائص الجديدة في خاصية الإبلاغ عن الأخبار الزائفة، ويجب أن يوقع مدققو الحقائق على مدونة مبادئ من أجل المشاركة في هذا البرنامج، وحتى الآن وقعت 43 جهة على هذه المدونة، من بينهم منظمات إخبارية في عدة دول، وقال فيسبوك إن الأخبار التي سيكتشف أنها زائفة بعد تدقيق مدى حقيقتها سيتم وسمها برابط إلكتروني يشرح لماذا، وقد تظهر في أسفل قائمة الأخبار الاجتماعية للأشخاص، وستنبه الأخبار المتضاربة المستخدمين، قبل مشاركتهم أن الخبر قد يكون زائفا.

وأضافت شركة فيسبوك أنها تدرس وسائل أخرى مستقبلية محتملة، وستفحص إحدى هذه الأدوات ما إذا كان الأشخاص "أقل ميلا بدرجة كبيرة" إلى مشاركة منشور بعد قراءته. ويقول فيسبوك إنه سيحاول اكتشاف ما إذا كان الأشخاص، الذين قرأوا الخبر ثم لم يشاركوه مع أصدقائهم، قد ضُللوا بطريقة ما، كما قال فيسبوك إنه يبحث في إمكانية معاقبة المواقع الإلكترونية، التي تقلد الناشرين الرئيسيين، أو التي تضلل القراء بجعلهم يعتقدون أن تلك المواقع من المصادر الإخبارية الشهيرة.

هكذا نحصن أنفسنا من الأخبار الكاذبة

تعمل أغلب المؤسسات على مكافحة انتشار الأخبار الكاذبة، لكن هل من سبيل لوأد الدعاية المضللة في مهدها؟، لعقود، أتاح لنا الطب سبيلا سهلا للوقاية من الأمراض عبر التطعيمات، وأغلبنا على دراية بالكيفية التي تعمل بها هذه التطعيمات، وذلك عبر تعريض أجسادنا لفيروس ضعيف لمساعدتها على توليد أجسام مضادة له.

وقد انتشر بين الأطباء في العالم استخدام الأمصال، والتي كادت أن تنهي تماما بعض أشد الأمراض فتكا في القرن الماضي، ومنها الحصبة وشلل الأطفال، لكن هل من "تطعيمات" أخرى يمكن استخدامها خارج دائرة الطب؟، يعكف باحثون مثل ساندر فان ديرليندن على تطوير "لقاح" لمكافحة داء استشرى على الأخص في القرن الحادي والعشرين، وبات يعرف بـ"الأخبار الكاذبة".

وقد يثبت هذا الحل نجاعة لأن الدعاية المضللة تتصرف كالفيروسات، فالقصص والأخبار الزائفة تنتشر كالنار في الهشيم، وتفوق الأخبار الحقيقة في سرعة انتشارها وعمق تأثيرها ومداها، منتقلة من "عائل" لـ"آخر" عبر تويتر وواتساب وفيسبوك، الذي أصبح منتشرا حتى بين كبار السن، وما يزيد الطين بلة هو أن الخبر الكاذب يستمر قائما رغم المحاولات العديدة لدحضه.

ويقول فان ديرليندن الذي يرأس "مختبر صناعة القرار الاجتماعي" بجامعة كمبريدج: "الدعاية المضللة تعلق بالشخص رغم محاولات تفنيدها، وما إن تترسخ في ذاكرته الطويلة حتى يتعذر تصحيحها".

فما الحل؟ أفضل وسيلة هي المبادرة بالقضاء على الأخبار الكاذبة في مهدها، فبدلا من الانتظار حتى شيوع الخبر الكاذب ثم السعي لتصحيحه وتفنيده، يلجأ الباحثون لـ"ضربة استباقية" من شأنها وقاية ذهن المتلقي من الخبر الكاذب، وهو التوجه الذي أشارت عقود من البحث لفاعليته.

أولا، اقترح خبراء النفس هذا النوع من التحصين في الستينيات خوفا من الدعاية وغسيل الدماغ إبان الحرب الباردة، ولكن التحصين الحديث في القرن الحادي والعشرين يستهدف أفقا سياسيا وثقافيا مختلفا ومستقطبا.

قضية ساخنة، خذ مثلا التغير المناخي، فقد أجمع أكثر من 97 في المئة من علماء المناخ على أن الإنسان مسؤول عن ارتفاع حرارة الكوكب، ولكن شرائح واسعة لا تزال تجد صعوبة في تصديق هذا.

وحين سئل الأمريكيون عن نسبة علماء المناخ الذين يؤكدون حدوث احترار كوكب الأرض جراء النشاط البشري، قال 49 في المئة فقط ممن شملهم الاستطلاع إن نسبة هؤلاء العلماء تفوق النصف. ولم يجب الإجابة الصحيحة سوى 15 في المئة من الأمريكين المشاركين في الاستطلاع، وقالوا إن النسبة تفوق 91 في المئة من العلماء، وهذا التخبط يُعزى لوجود حملات معقدة تهدف لبث الشكوك بين الناس.

وما إن يترسخ الشك إلا ويصعب التخلص منه، ويتسأل فان ديرليندن وزملاؤه عما كان سيحدث لو سبقوا مروجي الأكاذيب إلى عقول العامة، وبحث الفريق عن حملة دعاية فعلية مضللة، وكانت هناك حملة بالفعل سميت بـ"عريضة أوريغون" أدعت عام 2007 أن أكثر من 31 ألف عالم أمريكي أعربوا عن رفضهم لمسؤولية البشر عن إحداث التغير المناخي.

أعد الفريق ثلاث وثائق، اشتملت أولها على "نشرة للحقيقة" بأن 97 في المئة من علماء المناخ يتفقون على مسؤولية البشر عن التغير المناخي، كما أعدوا "نشرة مناهضة" لعريضة أوريغون كشفت عيوب تلك العريضة - ومنها مثلا أن الأسماء الـ 31 ألفا التي اشتملتها العريضة تضم تشارلز داروين الذي مات منذ أمد طويل، وفرقة سبايس غيرلز، وأن أقل من واحد في المئة من الموقعين على العريضة من علماء المناخ.

وأخيرا استطلع الباحثون آراء ألفي شخص، وسألوهم أولا عن مدى الإجماع العلمي بشأن التغير المناخي - دون إطلاعهم على أي من الوثيقتين، ثم قسموهم إلى مجموعة اطلعت على "نشرة الحقيقة"، ومجموعة اطلعت على "عريضة أوريغون"، ومجموعة ثالثة اطلعت على "نشرة الحقيقة" قبل الاطلاع على العريضة.

وجاءت النتائج مثيرة للاهتمام، فحين سئل المشاركون أولا عن الإجماع العلمي حول التغير المناخي، قدروه في المتوسط بنحو 72 في المئة، ولكن لاحقا عدّل المشاركون من تقديرهم بناء على ما قرأوه، وحين اَطْلع الباحثون مجموعة من المشاركين على "نشرة الحقيقة" ارتفع التقدير إلى 90 في المئة، أما من لم يطلعوا إلا على "عريضة أوريغون" وحدها فقد تدنى تقديرهم إلى 63 في المئة.

وحين قرأت مجموعة ثالثة الوثيقتين - أولا "نشرة الحقيقة" ثم العريضة - فقد ظل تقديرهم دون تغير عند نسبة 72 في المئة، يقول فان ديرليندن: "لم أتوقع أن تكون الدعاية المضللة بهذه القوة"، فقد حيدت تماما البيانات الصحيحة.

فكيف إذا يمكن الاستعانة بفكرة تحصين الدماغ؟، حين اطلعت مجموعة من المشاركين على "نشرة الحقيقة" وأخبر أفرادها بأن مجموعات مسيسة قد تعمد لتضليل العامة بشأن قضايا مثل التغير المناخي - وكان إخبارهم هذا بمثابة "لقاح" لهم - ارتفع متوسط التقدير إلى 80 في المئة، حتى بعد الاطلاع على عريضة أوريغون.

وفي بحث منفصل، وجه فريق آخر بقيادة جون كوك سؤالا مماثلا وتوصل إلى نفس النتيجة وهي أن التحصين من شأنه تمكيننا من التغلب على التضليل، وقد اعتبرت إيرين نيومان، عالمة الإدراك والمحاضِرة بجامعة أستراليا الوطنية، والتي لم تنخرط في هذه الدراسات، أن نتائجها مثيرة، قائلة: "إنها تحمل توجها مختلفا بشكل جذري باعتماد ضربة استباقية يتقدم بها الناس".

أي أن الشخص الذي اعتاد نشر أخبار عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو عن ترامب أو عن أن الأرض ربما تكون غير كروية، سيفكر مرتين قبل أن ينشر أخباره.

عادة ما يعتمد البشر على طرق مختصرة للتفكير، فالعالم مليء بالمعلومات وليس لدى ذهننا ما يكفي من الوقت والسعة لاستيعاب كافة المعلومات، فإذا ما رأيت مثلا رجلا علت التجاعيد وجهه وأبيض شعره وأخبرك أحدهم أنه من كبار السن فسوف يقبل عقلك ذلك دون التوقف عند الأمر.

والمنخرطون في بث الدعايات المضللة يعون ذلك، ويستخدمون تلك السمة في الإنسان لصالحهم، فمثلا كذب من صاغوا عريضة أوريغون بزعم أن 31 ألف عالم يدعمون زعمهم، إذ يعون أننا نميل للثقة فيمن يوصف بالخبرة.

وتقول نيومان، وقد شاركت في كتابة وثيقة عن كيفية التعامل مع المعلومات الكاذبة، "حين تبدو المعلومات سهلة ومباشرة يميل الناس لقبولها كما هي"، ولكن قبل القبول بمعلومة ما فإن أغلبنا يخضعها لعدد من التساؤلات من بينها: هل يصدق الآخرون هذا؟ هل من أدلة تدعم هذا الزعم؟ هل تتفق مع معرفتنا السابقة بنفس الشأن؟ وما مدى مصداقية المصدر؟.

لكن كثيرا ما نعتمد على اختصار الطرق أكثر من اللازم عند الإجابة على تلك الأسئلة دون أن نقيم الأمور تقييما متأنيا، كأن نسأل أنفسنا مثلا: "كم من هؤلاء علماء بمجال المناخ؟" بل نتعجل بقبول رقم "31 ألف عالم" لأنه يبدو رقما مطمئنا.

ويصف الخبراء النفسيون هذا السبيل التلقائي للتفكير بـ"المنظومة أ" وهي ذات نفع هائل للحياة اليومية وإن كانت عرضة بشدة للتضليل؛ ففي ظل بيئة معلومات متسارعة يقفز ذهننا من منشور لآخر على فيسبوك معتمدا على قواعد تلقائية لتقييم العناوين والتعليقات دون التروي لفحصها، وهنا مرتع الأخبار الكاذبة، لكن الباحثين العاكفين على تطوير "لقاح" ضد الأخبار المضللة يعتقدون أنهم بهذا يتيحون الفرصة للتفكير المتأني.

ويقول فان ديرليندن إن "التحصين يجبر ذهننا على التروي بما يحمله من عنصر التحذير"، وهنا يبدو مفيدا فهم الكيفية التي يعمل بها اللقاح الطبي، حين نتلقى تطعيما فإننا نعرض أجسامنا لعينة من مرض وكأننا نقول له هذا هو شكل "المشتبه به" ولكن العينة تكون ضعيفة جدا لدرجة لا تجعلنا نمرض فعلا، ولكنها أيضا من القوة بحيث تثير مناعتنا حتى تفرز أجسامنا ما لديها من دفاعات؛ أو أجسام مضادة.

وحين نصادف المرض الحقيقي تتعرف أجسامنا عليه من العينة السابقة التي دخلت أجسادنا من خلال اللقاح، وتكون على أهبة المواجهة.

وتعتمد دراسة فان ديرليندن على أمر مشابه، فحين أخبر فريقه المشاركين أن آخرين قد يسعون لتضليلهم جعلوهم لا يقبلون عريضة أوريغون بغض النظر عن مضمونها، إذ قاموا بتعطيل "المنظومة أ" لديهم ليلجأوا إلى منظومة أخرى أبطأ وأعمق من التفكير يطلق عليها الخبراء النفسيون "المنظومة ب"، فالذين قرأوا "نشرة الحقيقة" وعريضة أوريغون وقدروا إجماع العلماء بنحو 72 في المئة ربما اعتمدوا أكثر على "المنظومة أ" الأسرع والأكثر سطحية، ولكن حين حُفزت أذهانهم بـ"اللقاح"، لجأوا إلى "المنظومة ب".

مكمن الضعف

لكن ثمة مكمن ضعف كبير في هذا التوجه وهو أنه يستهلك الكثير من الوقت والجهد لتحصين الناس حالة بعد حالة، دعونا نستخدم تشبيه اللقاح لأبعد من هذا: إن التطعيم ضد الحصبة الألمانية لن يقينا من الإصابة بالحصبة أو قل الكبد الوبائي، إذ سيخلق أجساما مضادة ضد فيروس الحصبة الألمانية وحده. وكذلك دحض أفكار منكري التغير المناخي لن يقيك بالضرورة من الأخبار الكاذبة في موضوعات أخرى.

ويقول رون روزنبيك المنضم إلى فريق فان ديرليندن عام 2016: "هناك ملايين القضايا التي يمكن تضليل الناس بشأنها، وليس بالإمكان تفنيد كل خبر تفنيدا مسبقا، إذ لا سبيل لمعرفة من أين تأتي الكذبة المقبلة".

والمشكلة الأخرى هي أن الناس لا يحبون أن يخبرهم أحد بما هو صحيح وما هو خطأ، فنحن نظن عادة أننا نعرف أفضل من غيرنا. ولهذا ينصح خبراء التربية المعلمين بإشراك الطلاب بشكل نشط في العملية التعليمية.

ولذا، عاد خبراء كمبريدج إلى مختبرهم للخروج بفكرة جديدة. ويقول فان ديرليندن: "فكرنا في تعليم الناس الأساليب التي تستخدمها صناعة الأخبار الكاذبة، فليس من سبيل أفضل لإعدادهم، أليس كذلك؟"

وكانت النتيجة لعبة مثل خلالها المشاركون دورا من أربعة أدوار، منها دور "المكدر للصفو" بنشر أخبار مفزعة ومبالغ فيها، ودور "محترف الإثارة" الذي يلجأ لوسائل تجعل القارئ يهرول للضغط وقراءة الخبر، وكان التركيز في اللعبة على استراتيجيات الأخبار الكاذبة وليس الموضوعات.

وجربت اللعبة بنجاح في صف بالدراسة الثانوية في هولندا، ومن ثم نقلها الخبراء إلى الإنترنت، وتستغرق اللعبة على الإنترنت أقل من 15 دقيقة - ولكنها خبرة لا تصدق، تعتمد على إطلاق موقع أخبار تكون أنت محرره لخبر كاذب، وشراء جيش من الحسابات الوهمية على تويتر وتوجيه متابعيك بعيدا عن أي جهة قد تساعدهم في التثبت من الحقائق.

وقد جربتها وتجاوز متابعي سبعة آلاف، حتى شعرت بالخوف من إدمان اللعبة، وخلال اللعبة تتعرف على ستة أساليب مختلفة يستخدمها أقطاب الأخبار الكاذبة، وهي التقمص، والاستغلال العاطفي والاستقطاب والمؤامرة والتكذيب والإثارة. والهدف هو كشف تلك الوسائل في الحقيقة، أو هكذا يأمل المرء!

وقد يبدو غريبا أن تعلِّم الأشخاص رفض الأخبار الكاذبة بأن تجعلهم يحتلون هم أنفسهم موقع مروجي تلك الأخبار، لكن الباحث روزنبيك يثق بتجربته ويجدها ممتعة، ومقلقة بعض الشيء!، وفي النهاية، الوقت وحده كفيل بإثبات نجاح الفكرة من عدمه، ولا يعرف الخبراء حتى متى يعطي التحصين مناعة، فالتضليل مثله مثل الفيروس يتحور باستمرار ويتكيف مع المتغيرات، وتقول نيومان: "لو تغير الفيروس، هل سيستمر الناس في الوقاية منه؟"، متسائلة عما إذا كانت اللعبة ستنجح مع الطبيعة المتغيرة باستمرار للإثارة والأكاذيب على الانترنت.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0