انعكاس التعقّل على مجريات الحياة

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

يقدم المقال قراءة فكرية مستلهمة من أطروحات الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) في كتابه التصرفات العقلائية، مبرزاً كيف يشكل العقل البوصلة الرئيسة لصيانة الحياة والأخذ بالأسباب. ويفند الفهم الخاطئ لمفهوم القضاء والقدر الذي يلغي الرادع العقلاني، مؤكداً أن السير وفق سيرة العقلاء هو الدرع الوقائي للفرد والمجتمع ضد الأزمات الذاتية...

(الإنسان الذي لا يسير بسيرة العقلاء نراه يبتلي مع مرور الزمن بأمور هو في غنى عنها)

الإمام الشيرازي

إن الحياة هبة إلهية غالية تجب حمايتها وصيانتها، وأن العقل هو الأداة الرئيسة التي منحها الله للإنسان لتكون بوصلة توجهه نحو التصرفات السديدة والآمنة، فالقول بأن الأجل محتوم والموت بيد الله تعالى لا يعني مطلقاً التفريط في أسباب السلامة أو إلقاء النفس إلى التهلكة تحت مسمى الاتكال، بل إن نظام الكون القائم على مبدأ العلّية والسببية، والذي أسسه الخالق عز وجل، يتطلب من المرء أن يدرك أن لكل نتيجة سبباً يؤدي إليها.

عندما يتصرف الإنسان بعقلانية ووعي، فإنه يحسب لخطواته حساباً دقيقاً، ويتجنب المخاطر الجسيمة والتهور في مختلف نواحي الحياة، سواء كانت صحية، أو اجتماعية، أو عملية، فالتفريط في أسباب الوقاية أو اتخاذ قرارات طائشة يعد خللاً في إعمال العقل، ويدل على ابتعاد تام عن التعقّل، وقد يؤدي إلى نتائج كارثية تذهب بحياة الإنسان أو تسلبه سلامته بسهولة، دون أن يكون ذلك تعارضاً مع فكرة القضاء الإلهي، إذ إن الله الذي قدر الأجل هو نفسه الذي أمر بالحذر والأخذ بالأسباب.

إنها دعوة صريحة للوعي والتحلي بالمسؤولية الذاتية، والتأكيد على أن الانضباط العقلاني والتعقل هو صورة من صور الشكر للنعم الإلهية، فالحفاظ على الروح واجب شرعي وعقلي، والعقلانية في التصرف ليست مجرد حكمة دنيوية، بل هي استجابة عملية لسنن الله في الأرض وتجسيد حقيقي للإيمان الواعي الذي يربط بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب المادية والوقائية لضمان حياة آمنة ومستقرة.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (التصرفات العقلائية):

(لو أن الإنسان يتصرف تصرفاً عقلانياً، فلا يصل إلى الحالة التي تفقدته حياته بسهولة، صحيح أن الموت والآجال بيد الله، ولكنه سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سبباً).

يتطلب التدبير السليم لحياة الإنسان التزاماً تاماً بالأساليب الصحيحة التي تضمن استقامته وسلامته على كافة المستويات، وتبدأ هذه المسؤولية برعاية الصحة الجسدية والنفسية عبر تبني العادات الصحية المتوازنة، كالتغذية السليمة، وممارسة النشاط البدني، وأخذ القسط الكافي من الراحة، بالتوازي مع الاجتناب التام للعادات السيئة والأنماط المباشرة التي تنهك الجسد وتشتت الذهن. 

السنن الإلهية سياق واقعي

ولا يكتمل هذا التدبير العقلاني إلا بالامتثال الواعي لأوامر الله تعالى والالتزام بنواهيه، إذ تشكل الشريعة الإلهية سياقاً وقائياً يحمي الإنسان من الوقوع في المهالك والمفاسد، لأن اتباع النهج القويم في إدارة الشؤون اليومية مع اقترانه بالطاعة والتقوى يمثل رؤية شاملة للوقاية، فالالتزام بالتوجيهات الربانية ينعكس استقراراً في النفس وسلامة في البدن، ويجنب المرء التبعات الوخيمة التي تنتج عن الإهمال أو اتباع الهوى. 

وفي نهاية المطاف، تجتمع العقلانية الإنسانية مع الاستجابة للسنن الإلهية لتبني حياة متوازنة تحافظ على أغلى ما يملك الإنسان متمثلا بـ دينه وصحته وعقله.

حيث يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:

(على الإنسان أن يتبع الأساليب الصحيحة لتدبير أموره والحفاظ على صحته من خلال الالتزام بالعادات الصحية، واجتناب العادات السيئة، والامتثال لأوامر الله تعالى والالتزام بنواهيه).

وغالبا ما يتعرض الإنسان الذي يحيد عن سيرة العقلاء ويتجاهل التصرفات العقلائية لسلسلة متواصلة من الأزمات والمشكلات التي تثقل كاهله وتعيق مسار حياته، فالابتعاد عن منطق الحكمة والتبصر يدفع المرء إلى اتخاذ قرارات متسرعة والوقوع في شرك التهور أو السفاهة، مما يجعله عرضة لابتلاءات ومآزق هو في غنى تام عنها. 

بينما كان بمقدوره تجنب هذه التبعات الوخيمة لو أنه اعتمد منهج الحكماء في التفكير والتدبير، وحسب لخطواته نتائجها بعناية ورشد، إن سيرة العقلاء تشكل درعاً وقائياً يحمي صاحبها من العثرات المجانية، بينما تؤدي مسالك الطيش وعدم الرزانة إلى هدر الطاقات والأوقات في مواجهة أزمات ذاتية الصنع، ولذلك يظل التمسك بالسلوك العقلاني هو السبيل الأمثل لضمان الاستقرار والنجاة من المهالك التي يجلبها التهور على صاحبه بمرور الزمن.

الإمام الشيرازي ينبّه عن هذه النقطة فيقول:

(إن الإنسان الذي لا يسير بسيرة العقلاء ولا يتصرف بالتصرفات العقلائية نراه يبتلي دائماً ومع مرور الزمن بأمور هو في غنى عنها وكان يمكن له أن يتجنبها بالسير على سيرة العقلاء، وليس سيرة السفهاء أو المتهورين).

صلاح الفرد ورفعة المجتمع

إن إهمال الإنسان لعقله وتعطيل دوره في التفكير والتدبير يقوده حتماً إلى سلوكيات غير عقلائية تعصف باستقراره وتودي به إلى المجهول، فالعقل هو الأمانة الكبرى والنور الذي يُستضاء به لتمييز النافع من الضار، والتغاضي عن أحكامه يفتح الباب أمام الهوى والتهور، مما ينتهي بالمرء إلى السقوط في هاوية الخسران المبين في الدنيا والآخرة. 

فالشخص الذي لا يحكّم عقله يتجرد عملياً من أدوات النجاح والوقاية، فيصبح عبئاً على من حوله، وفاقداً للقدرة على نفع نفسه أو تقديم قيمة مضافة لمجتمعه، لأن غياب العقلانية في التصرفات يزيل دروع السلامة ويفكك الروابط الاجتماعية والأخلاقية، ليجد الإنسان نفسه في النهاية مجرداً من الثمار الطيبة، وضحية لقراراته غير المحسوبة التي تسلبه كرامة العيش في الدنيا وسعادة المآب في الآخرة.

حيث يقول الإمام الشيرازي

(وهكذا يكون الإنسان الذي لا يعتني بعقله، ويتصرف تصرفات غير عقلائية، فإن مصيره سوف يكون السقوط في الهاوية والعياذ بالله، فيخسر الدنيا والآخرة، ولا يكون إنساناً نافعاً لا لنفسه ولا لمجتمعه).

إن اتباع العقل والسلوك وفق منطق الحكمة والرزانة يرسم الطريق القويم لرفعة الإنسان وصلاح أحواله، فعندما يعتني المرء بتنمية عقله من خلال الإقبال على أعمال الخير، واجتناب المعاصي، والابتعاد عن القرارات الاعتباطية والعشوائية، فإنه يرسخ قواعد حياته على أرضية صلبة من الوعي والمسؤولية. 

لذا فإن الانضباط العقلاني والشرعي يفتح أبواب التوفيق الإلهي، فيبارك الله تعالى للإنسان في جهده وسعيه، ويمنحه الأجر والثواب المستحق في الدنيا والآخرة، ذلك أن الجمع بين التفكير السديد والعمل الصالح يعكس الامتنان لنعمة العقل، ويجعل المرء سبباً للخير والنفعة، ومستحقاً للرعاية الربانية التي تكلل خطواته بالنجاح وتدفع عنه غوائل التهور وشرور الانحراف.

لذا يقول الإمام الشيرازي:

(أما الإنسان الذي يتبع العقل ويتصرف بالتصرفات العقلائية، وينمي عقله بعمل الخير والابتعاد عن المعاصي وعن التصرفات غير الاعتباطية، فان الله يبارك في عمله ويعطيه أجره الذي يستحقه).

بالنتيجة سينعكس التعقّل إيجاباً على مجريات حياة الإنسان والمجتمع، حيث يمنح الفرد الحكمة في تدبير أموره، والوقاية من التهور والأزمات، ويضمن له التوازن والنجاح، وعلى مستوى المجتمع، يرسّخ الاستقرار والتوازن، ويشيع روح المسؤولية والتعاون، ويمهد الطريق لبناء بيئة آمنة ومزدهرة، فالتمسك بالمنطق السديد والأخذ بالأسباب يظلان الركيزة الأساسية لصلاح الفرد ورفعة المجتمع وسعادتهما في الدنيا والآخرة.

اضف تعليق