إنّ تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله نقيّ من القتل باسم الخيانة العظمى ومن الإعدام وعما تحت هذا الغطاء. وتاريخ أمير المؤمنين صلوات الله عليه نقي من الإعدام والقتل باسم الخيانة العظمى. الإسلام جميل وفي غاية الجمال، والإسلام إنساني وفي غاية الإنسانية، والإسلام كلّه فضيلة...
(على الحكومات في العالم، أن لا تسنّ قوانين الإعدام اعتباطاً
فلا يستهان بإعدام البشر والإنسان)
سماحة المرجع الشيرازي
يوجه الإسلام دعوة صريحة وواضحة نحو العفو والصفح كخيار أفضل وأعلى مرتبة عند الله، فقد حث القرآن الكريم أولياء الدم على اختيار الدية أو العفو التام، معتبراً الإبقاء على الحياة فرصة للتوبة والإصلاح، هذا التوجه يسلط الضوء على قيمة الروح الإنسانية في الفقه الإسلامي، حيث يتغلب جانب الرحمة والمغفرة على الانتقام والعقاب كلما أمكن ذلك شرعاً.
وقد شهدت فترة خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه تحديات سياسية وعسكرية جسيمة، تمثلت في اندلاع حروب فرضت عليه فرضاً كحرب الجمل وصفين والنهروان، ورغم أن هذه المواجهات المسلحة والتمردات العسكرية ضد الحكومة الشرعية تُصنف في القوانين الوضعية الحديثة كأفعال خيانة عظمى تستوجب أشد العقوبات، إلا أن السيرة العملية للإمام علي كشفت عن منهج حكم فريد وقائم على أعلى درجات التسامح والرحمة.
ولو كان الإمام يطبق عقوبة الإعدام الثأرية أو يستغل القضاء السياسي لتصفية خصومه بتهمة الخيانة العظمى، لكان قد أعدم قادة تلك الحروب والمحرضين عليها بعد انتهاء المعارك وضبط الأمور لصالح جبهته، لكن التاريخ يثبت عكس ذلك تماماً، فبعد معركة الجمل، أمن الإمام علي الجميع، وعفا عن كبار القادة والمشاركين فيها حيث كان يفتح باب الحوار والتوبة حتى أخر لحظة قبل اندلاع الحرب، ولا يلاحق فاراً ولا يجهز على جريح بعد انتهائها.
إن هذا السلوك السياسي والإنساني يبرهن على أن الإمام علي بن أبي طالب لم يكن يرى السلطة وسيلة للبطش والتنكيل بالمعارضين، بل كانت حكومته قائمة على إقامة الحق وإحياء السنة وتطبيق روح الشريعة الإسلامية التي تضع الدماء في أعلى درجات الحرمة. لقد أرسى صلوات الله عليه أصولاً فقهية وإنسانية في كيفية التعامل مع البغاة والمتمردين، أثبتت أن منهجه القيادي يتجاوز منطق الانتقام السياسي إلى آفاق الرحمة والاحتواء.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة (لا إعدام في الإسلام):
(لقد فرض العديد من الأفراد الحروب على أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أيّام حكومته، كحرب الجمل وصفّين والنهروان. ولو كان الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يزاول قانون الإعدام للخيانة العظمى لقتل من فرض عليه تلك الحروب).
قانون الخيانة العظمى لتصفية الحسابات
ونلاحظ أنه في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه تجسدت أسمى صور الإنسانية وعدالة الحكم، فبعد أن وضعت الحروب التي فرضت عليه أوزارها، كالجمل وصفين والنهروان، لم يلجأ قط إلى تصفية خصومه أو إعدامهم تحت مظلة ما يُعرف اليوم بـ "الخيانة العظمى" هذا المفهوم القانوني الذي يُستغل في أبشع الصور عبر التاريخ وفي قوانين العقوبات المعاصرة لتصفية الحسابات مع الخصوم والمعارضين.
بما في ذلك تشريعات الدول الغربية التي ترفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان وتتبجح بحماية الحريات حيث تُستخدم هذه التهمة حجة شرعية لإعدام المعارضين وقمع الخصوم السياسيين للتخلص منهم، لقد تعامل الإمام مع المحاربين بمنطق الرحمة والحق، فأمنهم وعفا عنهم وحرم ملاحقتهم، متجاوزاً أساليب الانتقام السياس ولم يدخل ضمن رؤيته لإدارة الحكم.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(ولكن بعد أن تضع تلك الحروب أوزارها لم يقتل الإمام أحداً منهم باسم ما يسمّى بالخيانة العظمى الموجود في قانون العقوبات اليوم، حتى في البلاد الغربية التي تتشدّق بالحرية ونحوها).
ولذلك نجد في السيرة النبوية المطهرة وسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه منهجا إنسانيا فريدا يخلو تماماً من سفك الدماء تحت غطاء ما يُسمى اليوم بـ (الخيانة العظمى) لقد كان تاريخ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ناصعاً ونقياً من ممارسة الإعدام أو التصفية السياسية لمعارضيه، بل كان يغلب العفو والصفح حتى مع ألد أعدائه.
وعلى هذا النهج نفسه سار أمير المؤمنين في حكمه، فلم يقتل أحداً أو يصدر حكماً بالإعدام باسم الخيانة العظمى، حتى بعد انتهاء المعارك التي فُرضت عليه، ليعكس هذا الترفع عن الانتقام القيمة السامية للروح الإنسانية في الإسلام، ويثبت أن عدالة القيادة المعصومة ترتكز على الرحمة والهداية، بعيداً عن الذرائع القانونية والسياسية التي تبرر البطش.
حيث يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا:
(إنّ تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله نقيّ من القتل باسم الخيانة العظمى ومن الإعدام وعما تحت هذا الغطاء. وتاريخ أمير المؤمنين صلوات الله عليه نقي من الإعدام والقتل باسم الخيانة العظمى).
حرمة دم الإنسان فوق كل اعتبار
إن تقديم هذه الفضيلة الإنسانية الناصعة إلى عالم اليوم، بشقيه الإسلامي وغير الإسلامي، يمثل دعوة حضارية لإعادة قراءة منهج الحكم الرشيد في الإسلام، كما أن تاريخ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وتاريخ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه خاليان تماماً من تشريع أو ممارسة عقوبة الإعدام تحت ذريعة ما يُسمى بالخيانة العظمى.
مع أننا نعيش في عالم تسوغ فيه الأنظمة السياسية وقوانين العقوبات المعاصرة سلب الأرواح لقمع المعارضين وتصفية الخصوم، وهنا يبرز المنهج النبوي والعلوي كنموذج فريد يقدم العفو والرحمة وحرمة دم الإنسان على كل الاعتبارات السياسية، داعياً الإنسانية لاستلهام هذه التجربة السامية لإلغاء البطش باسم القانون، وهذه الفضيلة يجب أن يعرضها المسلمون على العالم كله.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إذن، لنعرض هذه الفضيلة على عالم اليوم، الإسلامي وغير الإسلامي، وندعوه إلى أنّه لا يوجِد شيئا باسم الإعدام في تاريخ رسول الله وتاريخ أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، حتى بالنسبة لما يسمّى بالخيانة العظمى).
وهكذا فإن الإسلام الحقيقي يتجلى في أبهى صور الجمال والإنسانية من خلال التطبيق العملي والسيرة العطرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، لأن الإسلام ليس مجرد شعارات، بل هو منظومة كاملة من الفضيلة والقيم السامية التي تتجسد في العفو والرحمة وحفظ كرامة الإنسان وحرمة دمه.
كما أن تجسيد النبي وأمير المؤمنين لهذه المبادئ في أقسى الظروف وأثناء الأزمات السياسية والحروب، يثبت أن الإسلام الناصع يفيض بالحب والإصلاح، ويتسامى عن الانتقام والبطش وأساليب الغدر والمكر، لأنه النموذج الذي يعكس جوهر الدين الحقيقي، حاملاً مشعل الإنسانية والفضيلة التي تحتاجها البشرية في كل زمان ومكان.
لهذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(بلى، إّن الإسلام جميل وفي غاية الجمال، والإسلام إنساني وفي غاية الإنسانية، والإسلام كلّه فضيلة، وهو الإسلام الحقيقي الذي مثّله رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما).
وأخيرا فإن القراءة الناقدة والعميقة لسيرة الرسول الأعظم وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما تُظهر بوضوح أن روح التشريع والتطبيق الإسلامي الأصيل تنبذ الإعدام وتتسامى فوقه، حيث قدم المنهج النبوي والعلوي أنموذجاً إنسانياً يرتكز على العفو والرحمة وحفظ حياة الإنسان حتى في أصعب الظروف السياسية والحروب، مؤكداً بأن جوهر الإسلام الحقيقي يقوم على هداية النفوس وإصلاحها لا على إنهاء حياتها.



اضف تعليق