إذا هبت الرياح طارت الأوراق وما شابهها من الأشياء الرقاق.. أما الثقال فلا تحركها الرياح ولا الأعاصير.. وكذلك النفس منها حليمة لا تتحرك بشتم شاتم أو نهب لص أو إيذاء أحمق.. ومنها خفيفة تزعجها أدق شوكة وأقل كلمة..

والإنسان كالغطاء على مواهبه وكوامنه وربما رأى الشخص غطاء براقاً وقالباً مزخرفاً فإذا بحث تحته أذهله ما انطوى عليه من شيء تافه وأمر لا ثمن له والعكس صحيح وكذلك الإنسان فقد يكون مزوداً بمنظر جميل ولباقة أخّاذة وإذا به عند الشدائد كحشيش في بحر مواج لا يقر له قرار ولا يسكن له هائج وقد يكون على الضد من ذلك فلا منظر له بهيج ولا منطق له خلال وهو في الشدائد والمشكلات كالجبل الراسي، لا يتحرك كأنما فطر من صلد، وكأن فؤاده من زبر الحديد.

والإسلام يريد من الإنسان، تنقية ملكاته، وتقويم ما أعوجّ منها، حتى يكون إنساناً... ولذا يحرص على كل فضيلة وينفر عن كل رذيلة..

وبما أن الحلم من أفضل الفضائل نرى الأحاديث كالقطر تنهال على مسامع البشر من النبي وآله الطاهرين تحريضاً على هذه الفضيلة وتحذيراً عن الغضب، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعاءه: (اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم) فإنه زينة ونعم الزينة هي إن الإنسان بالحلم يرتقي مستوى اجتماعياً ولهذا زود الله أنبياءه بالحلم فيما زودهم بها من فضائل ومحاسن ولذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (خمس من سنن المرسلين... وعدّ منها الحلم)(1) إن الناس ليفرون من الغضوب فرارهم من الأسد فإنه ينكد عيشهم ويكدر صفوهم ويخرق هدوءهم بأخلاقه الشرسة فكيف يكون مثله نبيّـاً؟ أم كيف يرتفع مثله عند الله منزلة وعند الناس مكانة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ابتغوا الرفعة عند الله! قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمّن جهل عليك)(2).

إنها جواهر الأخلاق أن يقطعك إنسان وأنت تصله؟! إننا لا نصل من يصلنا فكيف بمن يقطع عنا؟! وإننا لنحرم من يعطينا فكيف بمن يحرمنا؟! وإننا نجهل على من يحلم عنا فكيف بمن يجهل علينا؟! ولكن الإسلام يريدنا على غير ما نكون عليه من صفات ذميمة وانه يريد أن نكون من عباد الله الصالحين والبشر الخيرين.

فهذا هو الذي يحبه الإسلام ويريد أن يكون المسلم هكذا ويحبه الله تعالى قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله يحب الحيي الحليم ويبغض الفاحش البذيء)(3) وهذا ليس لله فقط. بل عامة الناس يحبون الحيي الحليم، ويبغضون الفاحش البذيء، ولو لم يقابلوه سوى مرّة في عمرهم، أرأيت لو قيل لك: فلان حليم، فأنت تحبه لهذه الصفة الحسنة، ولو قيل: فلان فاحش أبغضته ولو لم تعرفه!

والحلم يؤدي بالإنسان إلى درجة العبادة، وأية عبادة أفضل من الحلم؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم)(4) بل العبادة منوطة بالحلم فمن لا حلم له لا يعد عابداً لله تعالى وإن صلّى وصام، قال الإمام الرضا (عليه السلام): (لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً)(4) وبهذا المعنى ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاث من لم تكن فيه واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله: تقوى تحجزه عن معاصي الله، وحلم يكفّ به السفيه، وخلق يعيش به في الناس)(5) إن من لا تقوى له يعصى والعاصي لا يقبل منه قال تعالى: (... إنما يتقبل الله من المتقين)(6) وان من لا يحلم، لا بد وأن يقع في سباب وافتراء وباطل، ومن لا خلق له يعيش مع الناس في جو مكفهر من سوء الأخلاق وكل هذه نقص في الإسلام وثلم لتعاليمه.

والناس غالباً يرون أن الخير في كثرة المال والولد، كلا! إن كثير المال والولد ربما يعيش نكداً في الدنيا بسوء خلقه وفي الآخرة بسوء عمله ولذا يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك)(7).

ومن الظريف أن الدنيا حليف الحليم وان تُزوّد ضدّه بكل نشب وسبب وهذا مودع في فطرة الإنسان، فإذا رأيت أحداً يسب صاحبه ويغلظ في الكلام معه، ورأيت صاحبه يحلم، لا بــد وأن تميل إلى جانب الحليم، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (كفى بالحلم ناصراً)(8) وفي الحقيقة انه افضل الناصرين، إنّ من يرد، وإن تشفّى صدره، لكنه في خاتمة المطاف لم يربح، أما من يحلم فإنه لم يتشفّ، لكن له عاقبة الأمر!

وقد ذم الإسلام الغضب وزجر الغاضب ونصحه بترك هذه الصفة الخبيثة.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم. وان أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه، وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فإنّ رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك)(9).

ولزوم الأرض لئلا يصطدم الطرفان فيحدث من ذلك جرح أو قتل أو ما إليها.

وربما جرّ الغضب أشياء لم يكن بالحسبان حتى انه لو خير الغاضب بين كظم غضبه وبين هذه العواقب السيئة لرأى الأول أهون بكثير، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (كان أبي (عليه السلام) يقول: أي شيء أشدّ من الغضب؟ إن الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرّم الله، ويقذف المحصنة)(10).

والغالب إن القتل لا يقع إلا من جرّاء غضب، وهكذا كل مفسدة ومكروه، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الغضب مفتاح كل شر)(11) بمعنى: إنّ الغضب ينتهي إلى كل شر، لا أنّ كل شرّ ينتهي إلى الغضب.

والغضب إذا فسح له المجال سيطر على جميع القوى فشلّها حتى انه لا يبقي معه سلطان للعقل إذ إي عاقل يقدم على ما يقدم عليه الغضبان من سب وقذف وجرح وضرب وقتل وما يظهر في ملامحه من آثار منكرة؟ ولذا يقول الإمام (عليه السلام): (من لم يملك غضبه لم يملك عقله)(12) ويقول في كلام آخر: (الغضب ممحقة لقلب الحكيم) إن قلب الحكيم وعاء للحكمة فإذا طاف به الغضب لم يبق للحكمة مجال.

إنّه يظهر في الدنيا بأبشع منظر ويكون في الآخرة من أصحاب النار، قال (عليه السلام): (إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار)(13) انه لو رضي ورجع وتخلص ممّا اقترفه من آثام لكنه يمتد به الغضب فيرتكب إجرامات أُخر وهكذا.. حتى يرد الجحيم.

هذا حال الغضب للأمور الدنيوية ـ كما هو الغالب ـ أما الغضب لله تعالى ـ حسب حدوده ـ فهو من الفضائل: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ في وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يغضب للدنيا، وإذا أغضبه الحق لم يصرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له)(14) والانتصار يكون ـ طبعاً ـ بإعلاء كلمة الله.

* مقتبس من كتاب الفضيلة الإسلامية للمرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي

................................
1 ـ جامع السعادات: 1/331.
2 ـ جامع السعادات: 1/331.
3 ـ جامع السعادات: 1/331.
4 ـ جامع السعادات: 1/331.
5 ـ أصول الكافي: 2/111 ـ جامع السعادات: 1/332.
6 ـ جامع السعادات: 1/331.
7 ـ سورة المائدة: آية 27.
8 ـ جامع السعادات: 1/331.
9 ـ جامع السعادات: 1/331.
10 ـ أصول الكافي: 2/304 ـ جامع السعادات: 1/323.
11 ـ أصول الكافي: 2/302 ـ جامع السعادات: 1/323.
12 ـ أصول الكافي: 2/303 ـ جامع السعادات: 1/323.
13 ـ أصول الكافي: 2/303 ـ جامع السعادات: 1/323.
14 ـ أصول الكافي: 2/302 ـ جامع السعادات: 1/323.

اضف تعليق