الصوم في اللغة مطلق الإمساك، كما عن المصباح، فكل ممسك عن الطعام أو كلام أو مسير أو غيرها فهو صائم، ولذا قال تعالى: ﴿إني نذرت للرحمان صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً﴾(1).

وعن ابن دريد: إن كل شيء سكنت حركته فقد صام، واستعمل في الشرع في إمساك مخصوص بالإنسان بكيفية خاصة، إما من باب المجاز، أو من باب الحقيقة الشرعية، والظاهر أنه أولاً استعمل بمعونة القرينة، ثم صار حقيقة، كغالب الألفاظ التي تصرف فيها الشارع بالزيادة والنقيصة.

وقد شرع الله الصيام على هذه الأمة كما شرّعه على سائر الأمم، كما قال تعالي: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾(2)

وفيه من الفوائد الجليلة ما لا يخفى.

ففيه كف النفس عن الشهوات الجسدية، كالأكل، والشرب، والجماع، والاستمناء، والرمس في الماء، وإيصال الغبار الغليظ الذي كثيراً ما يكون شهوة جسدية كالدخان في هذه الأزمنة، ونوم الجنب، والقيء، والحقنة ملحقة بالجماع، والأكل، والكف عن الكذب على الله والرسول تهذيباً للنفس، هذا بالنسبة إلى المحرمات، أما غيرها من الآداب ففوائدها أيضاً لا يخفي.

وعلى كل، فالصوم باعتبار أنه كف عن الملاذ وما أشبه، يوجب ترقي النفس وانطباعها بطابع الملكات الحسنة، وتقوية الإرادة، وتنظيف الجسم عن الأمراض ومعداتها الناشئة عن الأكل والشرب وما أشبه، وتذكير الغني بحالة الفقير، وتسوية الناس أمام الله سبحانه، مما يشعر الإنسان بأنه فرد في مجموعة البشر المتساوين أمام خالق واحد.

وإنما شرع أياماً، لأن تكرار الشيء على النفس هو الذي يوجب تحليها بالملكات، والثلاثون يوماً لأنه العدد الكافي في التكرار لكل عام، إذ الأسبوع والأسبوعان لا يكفي لغرس الملكة، ولذا نري أهل الأوراد والختوم وما أشبه يواظبون على الشهر أو الأربعين لإنجاح مطالبهم.

وحيث إن مبني الشرع على الأمور القريبة من إحساس غالب الناس جعل بدأه وختمه بالهلال، وشرع للكل في وقت واحد لما فيه من المظهر العام والمشاركة الوجدانية، مما ليس فيه لو خير كل شخص في الوقت الذي يريده من السنة.

والتشريع في النهار دون الليل، لأن الليل ليس فيه المنافع الموجودة في النهار، وإذ ينام الإنسان في الليل غالباً، فلا ينطبع النفس بطابع الكف المؤثر في إرادته قوةً، وفي نفسه ملكةً، وفي روحه سمواً.

وخصص شهر رمضان بذلك لأنه وقت نزول القرآن على بيت المعمور، أو قلب الرسول (صلى الله عليه وآله) جملة واحدة، كما قال سبحانه ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ (3)، وإنما كان بدء نزوله في يوم المبعث سابع والعشرين من شهر رجب.

وما أجدر بالإنسان أن يتخذ مثل هذا الشهر الذي منّ الله فيه على البشر بأعظم دستور لحياته وسعادته في النشأتين، شهر تطهير وتنظيف وتقوية إرادة، وتجديد صلة بالله سبحانه.

هذه رشحة يمكن أن تكون حكمة في تشريع الصيام، كما صرح ببعضها الأخبار وعلماؤنا الأخيار، فإن الأحكام الشرعية كما أثبته العدلية في علمي الكلام والأصول تابعة للمصالح والمفاسد، وكثير من تلك المصالح والمفاسد مذكورة في القرآن والسنة وكلام العلماء، وبعضها ما يستنبط أو يظن بمناسبة الحكم والموضوع، والمغروسات في أذهان المتشرعة، وليس المقصود بيان العلل حتى ينقض طرداً أو عكساً، وإنما بيان أن الأحكام ليست اعتباطية وإنما للمصالح، حتى أن الإنسان يتمكن أن يأتي لها بالعلل المعقولة المقبولة لدي جميع الأمم.

أما خصوصية بعض الأحكام، فلا مدار عليها بعد فهم الملاك العام، وكونها إحدى الخصوصيات التي يلزم الحكم عليها أو على غيرها حسب ذلك الملاك، مثلاً لو كان الملاك في الأغسال النظافة ظاهراً، والإطاعة والانقياد للنفس بقصد الإطاعة والأمر، لم يصح أن يقال: لم شرع الغسل في الأعياد دون الوفيات، أو لم شرع بعد قتل الوزغ دون العقرب، إذ الكلي ينطبق على المنتشر، وحيث يلزم التعين لغالب الناس عينّه الله سبحانه هنا دون هناك، من باب أنه أحد المصاديق، وإن كان بالإمكان بعض التقريبات أيضاً للخصوصيات.

وكيف كان، فما ذكرناه هنا إنما تبع للأخبار، وأقوال العلماء الأخيار، وبعض التقريبات التي يمكن أن تكون حكماً ووجهاً، وإلاّ فاللازم على الإنسان إطاعة كل حكم مهما علم أو لم يعلم وجه التشريع فيه، كما هو مقتضي العبودية المطلقة للخالق تعالى.

فضل الصيام في الحديث

أما الأخبار الواردة في فضل الصيام، وخصوصاً شهر رمضان فكثيرة، نذكر جملة منها للتيمن، ومن أراد الاطلاع عليها فعليه بالوسائل والمستدرك والبحار.

ففي صحيح زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية)(4).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الصوم جُنة من النار)(5).

وعن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: (إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه: ألا أخبركم بشيء إن فعلتموه تباعد الشيطان عنكم كما يتباعد المشرق من المغرب، قالوا: بلي. قال: الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والموازرة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه، ولكل شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصيام)(6).

وعن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (إن الله عزوجل وكل ملائكته بالدعاء للصائمين). وقال (صلى الله عليه وآله): أخبرني جبرئيل (عليه السلام) وعن ربه تعالي أنه قال: (ما أمرت ملائكتي بالدعاء لأحد من خلقي إلا استجبت لهم فيه)(7).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: (أوحي الله إلى موسي (عليه السلام) ما يمنعك من مناجاتي؟ فقال: يا رب أجلك عن المناجاة لخلوف فم الصائم، فأوحى الله عزوجل إليه: يا موسى لخلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك)(8).

وعن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه)(9).

وعن الصادق (عليه السلام): (إن الصائم منكم ليرتع في رياض الجنة وتدعو له الملائكة حتى يفطر)(10).

وعن الباقر (عليه السلام): (إن المؤمن إذا قام ليله ثم أصبح صائماً نهاره لم يكتب عليه ذنب ولم يخط خطوة إلا كتب الله له بها حسنة، ولم يتكلم بكلمة خير إلا كتب له بها حسنة، وإن مات في نهاره صعد بروحه إلى عليين، وإن عاش حتى يفطر كتبه الله من الأوابين)(11).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: (من صام الله عزوجل يوماً في شدة الحر فأصابه ظمأ وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه حتى إذا أفطر، قال الله عزوجل: ما أطيب ريحك وروحك، ملائكتي اشهدوا أني قد غفرت له)(12).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (ما من صائم يحضر قوما يطعمون، إلا سبّحت له أعضاؤه، وكانت صلاة الملائكة عليه، وكانت صلاتهم له استغفاراً)(13).

وعن الباقر (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عزوجل: الصوم لي وأنا أجزي به)(14).

وعن الصادق (عليه السلام): (إن الله تعالي يقول: الصوم لي وأنا أجزي عليه)(15).

وعن ابن عباس: عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (قال الله عزوجل: كل عمل ابن آدم هو له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به)(16).

وفي أحاديث كثيرة: أن نوم الصائم ونفسه وصمته تسبيح، وعمله متقبل، ودعاؤه مستجاب.

إلى غيرها من الأخبار الكثيرة التي هي فوق حد التواتر.

وفي بعضها ذكر ثوابات جزيلة للصوم، خصوصاً الرواية المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) التي ذكر فيها فضل كل يوم يوم من شهر رمضان المبارك، ولا يخفي أن الروايات التي ذكرت فيها فضائل كثيرة للصيام أو غيره من الطاعات، مثل ما دل على أن الفاعل لكذا له ثواب كذا نبيا، أو ما أشبه، لها محامل، لعل من أقربها الثواب الأصلي مثلاً للنبي حسب القاعدة ألف درجة من الثواب وبالتفضل له ملايين الدرجات، فالصائم مثلاً له ثواب ذلك النبي أصالة أي الألف درجة، كما أن ما دل على أن الصوم لي، يراد به نوع تقرب في غيره من الأعمال العادية الحسنة الأخر، وإن كان الصوم بنفسه ليس أفضل من الصلاة والزكاة والحج، بل هي أفضل منها، كما في صحيح زرارة، عن الباقر (عليه السلام)، وهذا هو المراد من كون أعمال ابن آدم له إلا الصيام، فإنه يراد به نوع تقرب في الصوم ليس في غيره على نحو الحصر الإضافي. وهذا التعبير شائع في كلام البلغاء، كما ورد في (الحمد) أن بعضه لله وبعضه للعبد وبعضه لهما.

وأما معني (أجزي به) و(أجزي عليه) على قراءة الفعل معلوماً فواضح، وأما على قراءة الفعل مجهولاً، فالمراد أن الله جزاؤه وهو كناية عن عظم ثوابه، وأن الله يطيع الصائم في ما يشاء ويريد من الأجر، كأنه سبحانه له، وهذا ليس بغريب، فمن أطاع الله استجاب الله دعاءه كأنه أيضاً مطيع له، فإشكال منتهي المقاصد وغيره مما لم يظهر وجهه.

* مقتطف من (كتاب الصوم) الجزء الأول، في موسوعة الفقه لمؤلفها المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

......................................
(1) سورة مريم: آية 26.
(2) سورة البقرة: آية 183.
(3) سورة البقرة: آية185.
(4) الوسائل: ج7 ص289 باب 1 من أبواب الصوم المندوب ح1.
(5) الوسائل: ج7 ص289 باب 1 من أبواب الصوم المندوب ح1.
(6) الوسائل: ج7 ص289 باب 1 من الصوم المندوب ح1.
(7) الوسائل: ج7 ص290 باب 1 من الصوم المندوب ح3.
(8) الوسائل: ج7 ص290 باب 1 من الصوم المندوب ح5.
(9) الوسائل: ج7 ص290 باب 1 من الصوم المندوب ح6.
(10) الوسائل: ج7 ص296 باب1 من الصوم المندوب ح38.
(11) الوسائل: ج7 ص297 باب 1 من الصوم المندوب ح39.
(12) الوسائل: ج7 ص299 باب 3 من الصوم المندوب ح1.
(13) البحار: ج93 ص247 ح4.
(14) الوسائل: ج7 ص292 باب1 من الصوم المندوب ح15.
(15) الوسائل: ج7 ص290 باب 1 من الصوم المندوب ح7.
(16) الوسائل: ج7 ص294 باب 1 من الصوم المندوب ح27.

اضف تعليق