علّمنا المرجع الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي طرق التفكير المتنوّر.. من خلال كتبه وكتيباته ومحاضراته، بل علّمنا ذلك بشكل أكبر من خلال سلوكه اليومي من أقوال وأفعال، وهذا ليس مُستغرباً من عالم ربّاني نذر نفسه خدمة الدين الإسلامي وإعلاء كلمة الله في كلّ المعمورة.

أما تفصيل هذا التعليم الذي استفدناه منه فيمكنني الإشارة في هذا المقال التأمّلي إلى بعض أساليبه في إثارة عقل القارئ وحثّه على التفكير السليم، ولكن ليس بالطرق المعقدة ولا بالطرق الشائكة، لأن المتلقي سواءً كان قارئاً أو مستمعاً لا يحتمل هذه التعقيدات على الإطلاق، ثم إن الوقت أسرع من ذلك، ومبدأ البساطة الذي يؤمن به الإمام الشيرازي ينطبق حتى في أساليب التفكير عند عامة الناس، والجمهور بشكل عام، أي لدى عقلية الجماهير كجماهير.

وليس المقصود بمناهج التفكير لدى النخبة من العلماء والحكماء والفلاسفة، حيث يكون لهؤلاء مناهجهم العلمية المتخصصة كالمنطق، ومناهج البحث العلمي، ومناهج العلوم المقارنة والمقارِبة، ومناهج التعليم بأنواعها، ومناهج الفكر الإنساني، وغيرها من المناهج التي تنمّي التفكير العلمي الممنهج لتطوّر التعليم وتطوّر الحياة والحضارة، فكل هذه المناهج لها مريدوها ولها رجالها ومتخصصوها، والإمام الشيرازي كتب لكل هؤلاء، فأطروحاته في الفقه والأصول والحكمة والفلسفة وضعها للنخبة من المثقفين وممن قطعوا أشواطاً لا بأس بها في الدراسة الحوزوية أو الأكاديمية، ولكنه اهتم أيضاً بالجماهير فوضع لهم كتباً تناسبهم، وتضعهم في الطريق الصحيح لتحمّل المسؤولية، فإذا كان النخبوي يقوم بدوره في مجاله العلمي والمعرفي على المستوى الذي يتناسب مع المرحلة العلمية التي وصل إليها، كذلك كلّ فرد من أفراد الجمهور ينبغي أن يتحمّل دوره بما يتناسب وفهمه للدين والثقافة الإسلامية العامة.

ثقافة المجالس:

إنني أتطرق من خلال هذا البحث لعامة الناس وللجمهور بشكل عام، ممن يأخذون ثقافتهم الإسلامية من الكتب البسيطة، والمحاضرات التوعوية، والمنبر الحسيني، وليالي شهر رمضان المبارك، والاحتفالات الدينية، ومجالس علماء الدين، وخطباء الجمعة والعيدين، وما إلى ذلك، وأكثر هؤلاء الجماهير من طبقات الموظفين في أي قطاعات عامة أو خاصة والعمّال بشكل عام، والمتقاعدين من أي قطاع من القطاعات، وكذلك أصحاب المهن والأعمال الحرّة، وأغلب مجتمعاتنا من هذه الطبقات وهذي التخصصات المختلفة والمتنوعة في مجالاتها.

(ثقافة المجالس) وأثرها في تجربته الشخصية:

قد سمّى الإمام الشيرازي هذا النوع من الثقافة الجماهيرية بثقافة المجالس، حيث يقول:

"كنت مولعاً بالحضور في المجالس الحسينية، والتي هي كثيرة جداً في كربلاء، ولعلّي لا أكون مبالغاً إذا قلت، أن معدل المجالس التي كنت أحضرها كل سنة، يقرب من ألف مجلس، وحيث أن المجالس كانت متنوعة مختلفة من حيث المادّة والمناسبة والصورة، فقد شحنتني بمادة غزيرة متنوعة، كما أطلعت يواسطتها على الحياة العامة، حيث أنها بسبب ما تلقى فيها من التواريخ والقصص والحكايات والنكت ترى فيها الكثير الكثير من مختلف الثقافات والأمم والأجيال والعادات والتقاليد".[1]

ما ذكره الإمام الشيرازي في هذا المقطع يتحدث فيه عن تجربته الذاتية، واستفادته هو من حضور هذه المجالس عندما كان في كربلاء، ولا ضير في ذلك، فالإمام الشيرازي عالمٌ كبير ومتواضع كبيرٌ أيضاً لطلب كلّ ما هو جديد، ولا يتكبّر على مجلس أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) مُطلقاً، وحضوره في هذه المجالس له فوائد اجتماعية كبيرة، حيث ينبغي على العالم أن يكون في وسط الجمهور، وأن يكون مشاركاً في المناسبات الدينية والاجتماعية مشاركة إيجابية وفعّاله، وهذا ما فعله الإمام الشيرازي طوال حياته، لذلك حصل على هذا الحبّ الكبير من الكثير من الناس.

آثار ثقافة المجالس في المجتمع:

يتطرق الإمام الشيرازي تحت نفس العنوان (ثقافة المجالس) إلى استفادة الإنسان – مطلق الإنسان – من الإكثار من حضور المجالس والمناسبات، فيقول:

"حضور الإنسان في كل بيت مجمع للاستماع إلى الخطيب، يؤدي إلى اتصاله بمختلف أفراد الناس، من الكبير إلى الصغير ومن الشريف إلى الوضيع، و من العالم إلى الجاهل وهكذا سائر أصناف الناس، وهذا الاتصال مما يزيد في ثقافة الإنسان ويعرفه كيف ينبغي أن يعيش".[2]

وهنا الإمام الشيرازي يشير إلى ما يمكن أن أطلق عليه المصطلح الرياضي (المضاعف المشترك) بين الجمهور في ثقافتهم الإسلامية العامة، هذا على مستوى الجمهور بمختلف طبقاته وأطيافه.

ويتابع الإمام الشيرازي في هذا الموضوع بقوله:

"وبهذه المناسبة فان ثقافة أهالي كر بلاء المقدسة رفيعة جداً، وأعني الثقافة العامة لا ثقافة الشهادات، فاكثر أهالي كر بلاء المقدسة حتى الصغار يعرفون الشيء الكثير عن الخلفاء الذين تسلموا مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلمّ) كما انهم يعرفون كيف يعيشون عيشة الكرامة والحرية والرفاه وكيف يعاملون أهل البلاد الأخرى، على أساس المصلحة والكرامة المتبادلتين وكذلك يعرفون المسائل الشرعية، وشيئاً من تفسير القرآن الحكيم، وخطب نهج البلاغة، وأدعية الإمام السجاد، وسائر الأدعية والأعمال المستحبة، والأخلاق والآداب".[3]

وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام الشيرازي دقيق جداً، وينطبق بنسب متفاوتة من مدينة إلى أخرى من المدن التي يقطنها شيعة آل البيت (عليهم السلام)، إلا أن الإمام الشيرازي أحب أن يذكر هذا المثال لأنه أحد سكان هذه المدينة العظيمة، (كربلاء المقدسة) مدينة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، ولأن المجتمعات الشيعية في كل مكان تعودوا أن يكون حضورهم للمناسبات الدينية في الحسينيات والمساجد شيء اعتيادي، بل هو من صميم تشيعهم لآل البيت (عليهم السلام) حيث تُقام مناسبات ولادات المعصومين، ووفياتهم في هذه المجالس التي تقام في المساجد والحُسينيات، والمجالس بشكل عام، لأنها قد تقام في المجالس الكبيرة والديوانيات أيضاً.

فالإمام الشيرازي يتحدث بطريقة مباشرة وغير مباشرة عن عمليات إيصال طريقة التفكير السليم للجمهور، بمختلف أطيافه، وطبقاته، ودرجاته، إنها الثقافة الإسلامية السائدة، والعقيدة المشتركة، و صبغة الإسلام المرتسمة على كل مناحي الحياة وجوانبها (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون).[4]

بساطة الطرح، وعمق المحتوى:

المقصود والمستهدف بهذا البحث هم عامة الناس والجمهور بشكل عام، لأن لهم الحق بتعلّم طريقة التفكير بأسلوب بسيط من جهة، وعميق في ذات الوقت من جهة أخرى، وهذا ما أشار إليه الإمام الشيرازي بطرح تجربته الشخصية من الإكثار من حضور المجالس، وآثار هذه المجالس على الجمهور كجمهور، وآثار هذه المجالس على ذات المدينة بشكل عام كصبغة عامة معروفة عنها للناظر البعيد الذي يتحدث عن هذه المدينة ويأخذ انطباعاً عاماً عنها.

وهذه الطريقة المقترحة، استفدتها من الإمام الشيرازي لذلك وضعت لها تقسيماً بسيطاً، ولكل قسم عنوان مُستقل، وإن كانت مضامين هذه الأقسام متداخلة في كثير من الأحيان.. إلا أنها حسب التفكير المنهجي مختلفة، فكل أسلوب له حدوده وطرقه الخاصة، بالتفكير من خلال الآية القرآنية، يختلف عن التفكير من خلال الحديث الشريف، ولا يعني الاختلاف في المبدأ والقيمة، لأنهما يتفقان في ذلك، وإنما الاختلاف يكون في كون الآيات القرآنية كلام الله، والحديث الشريف هو كلام المعصوم، وكلّ كلام المعصوم ما هو إلا تفسير للقرآن الكريم بجهة من الجهات.

يمكنني كمفكر إسلامي أن أقف خلف المنصة وأمام الجمهور وألقي خطاباً جماهيرياً يعتمد على منهجية فكرية معتبرة، ويضم مقدمة وتمهيداً وعرضاً للمشكلة وآثارها ثم البدء بطرح الحلول المقترحة ومقارنتها، ومن ثم طرح الحل الأجدى ودواعي جدوى هذا الحل، والتدليل عليه من الآيات والروايات، وبعد ذلك أستخلص النتائج وأنهي الخطاب بحسن التخلص المناسب للخاتمة، كل هذا شيء مُحبّذ، ومحبوب، ولكن هل راعيت الجمهور؟.. هل راعيت المستوى المجمل من عقلياتهم وفهمهم وإدراكهم؟.. إذا كان خطابي باسلوب الفلاسفة المتعمقين، ودخلت في دهاليز النظريات وناقشت آراء الماضين منهم والمعاصرين، وكأن الجمهور الجالس أمامي ليس موجوداً، فأنا بكل صراحة لم أقدم شيئاً لهم على الإطلاق، لأنني في واد والجمهور في وادٍ آخر.. ولكن إذا قدمت لهم خطاباً يتناسب والعقلية العامة ومجمل ما يحمل الجمهور من ثقافة ثم حاولت أن أأخذ بأيديهم شيئاً فشيئاً بعملية الاستدراج الفكري البسيط فإنني بذلك ساهمت في الرفع من مستوى عقولهم، وطريقة تفكيرهم، وهذا هو الأجدى، وخير مثال على ذلك ما فعله الإمام الشيرازي في أغلب خطاباته التي كان يلقيها على المستمعين في كربلاء المقدسة، ثم في الكويت، ثم في قم المقدسة،.. ومن هنا اشتهرت هذه المحاضرات وتم تحويل أغلبها إلى كتيبات انتشرت انتشاراً واسعاً، ونفذ أغلبها من سوق الكتب ودور النشر والتوزيع ولله الحمد.

التفكير من خلال القرآن:

تفسير بعض الآيات القرآنية والتدبر فيها.. وتطبيق فحواها على واقعنا الذي نعيش فيه..ويستثير عقول المستمعين والقراء معاً من خلال هذه الآيات الشريفة، لذلك وضع كتابه (تبيين القرآن)، وهو عبارة عن شرح للكثير من الكلمات بطريقة مبسطة، حيث يقدمه كلبنة أولى لمن يريد فهماً أوّلياً وبسيطاً عن آيات القرآن، ثم جاء تفسيره الثاني الأكثر توسعاً نوعاً ما وهو (تقريب القرآن إلى الأذهان)، وهو يأتي بالدرجة الثانية بعد (تبيين القرآن)، إضافة إلى وجود الكثير الكثير من استشهاداته بالآيات القرآنية في كل كتبه وكتيباته ومحاضراته، وتطبيقها على الواقع الذي عاشته الأمة في القرون الماضية بعد انحدار الحضارة الإسلامية ووصولها إلى هذا الحد من التخلف والتقهقر والانقسام في قبال تقدم المستعمرين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وعلمياً الذي تعيشه أمتنا في الوقت الراهن.

التفكير من خلال الذّكر:

قال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (191) [5].

يقول الإمام الشيرازي في (تبيين القرآن) في قبال عبارة (يتفكرون في خلق السماوات والأرض): "تفكّر اعتبار".[6]

والاعتبار في اللغة: " التَّأمّل والتَّدبّر والاستدلال بذلك على عِظَم القدرة وبديع الصَّنعة، والنَّظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ؛ ليعرف بالنَّظر فيها شيء آخر من جنسها".[7]

وقد قرن الإمام الشيرازي كلمة اعتبار بالتفكر، أي أن نوع هذا التفكّر هو التفكير الاعتباري، وليس مطلق التفكّر، أي أن فائدته ستكون الاعتبار بما يفكّر فيه الإنسان المؤمن عندما يكثر من ذكر الله في جميع الحالات، في حالة القيام، وحالة القعود، وحالة الاضطجاع للنوم، ويركّزون تفكيرهم في خلق ظواهر هذا الكون العجيب بكل ما فيه من عجائب خلق الله وصنعه، وقد قُرن التفكير بالذكر، لأنّ ذكر الله في كل زمان ومكان يتطلّب من المؤمن التفكير أيضاً، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الوجود كلّه، ولن نعرف الله سبحانه وتعالى إلا بالتفكير العميق في آثاره، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "أوّل الدين معرفته"، ولن نستطيع أن نعرف الله إلا بالتفكير في آياته في هذا الوجود، ومن خلال هذا التفكير سنعرف أن الله واحد لا شريك له وأنه وحده يستحق العبادة لا غيره، وكما قال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ-----وكل نعيمٍ لا محالة زائلُ[8]

التفكير من خلال الدعاء:

في شرحه للصحيفة السجّادية للإمام الهمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، يقول الإمام الشيرازي في مقدمته لهذا الشرح:

"كتبته رجاء تقريب بعض غرائب ألفاظه وشوارد معانيه إلى الأذهان".[9]

فالإمام الشيرازي إنما يريد من المتلقي من قارئ أو مستمع لهذا الشرح على أدعية زين العابدين (عليه السلام) ومناجاته أن يقرّب له المعاني والصّور البلاغية فيها إلى ذهنه فيستوعبها ويتفاعل معها فكرياً وروحياً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، معاني الدعاء ذاتها وكذلك المناجاة عندما يعوّد الإمام الشيرازي مريديه وقُرّاءه على قراءة شروحه لها وإبداء توضيحاته لغرائبها وشوارد معانيها فإنما يأخذهم لعوالم هذه الأدعية وهذه المناجاة، فيساهم مساهمة فعّالة في الأخذ بأيديهم للتفكير السليم من خلال هذه النصوص الإبداعية في اللجوء إلى خالق الوجود والطلب منه والتودّد إليه والاستغفار من الذنوب والتقصير، ورجاء التوفيق والتسديد، ونيل رضوانه سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

يقول الناشر عن شرح الصحيفة السجادية للإمام الشيرازي:

"هذا السفر الجليل (الصحيفة السجادية) هو المنهج بعد كتاب الله للعبّاد والعرفاء، فمنه يستلون معارفهم ويصلون إلى مآربهم، فالصحيفة السجادية كنز من كنوز العلم والمعرفة والآداب الإلهية، وقد كتب عنها الكثير من علمائنا شرحاً وتفصيلاً فكان منهم المجدد الثاني الإمام الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) في كتابه (شرح الصحيفة السجادية) لأن عبارات الصحيفة عالية المضامين وكلماتها بليغة المعاني، وذات معاني مكنونة فكان لابد من ايضاحها، وتفسير لغتها وإعطاء ما تحتمله جملها من وجوه في هذا الشرح الذي وصفه سماحته (قدس سره) بأنه شرح مختصر، رجاءً للتوضيح وتسهيلاً للأخذ من هذه الصحيفة المباركة".[10]

فالدعاء والمناجاة إذن أحد روافد التفكير عند المؤمنين، ومن خلاله تصفو نفوسهم وتتألّق أرواحهم وتنمو أذهانهم بأغلى المعارف والعلوم الإلهية، كالأخلاق والحِكمة، والعرفان بالله المرتبط بالقرآن الكريم وآثار المعصومين (عليهم السلام)،

التفكير من خلال القصص:

السرد في المعجم اللغوي: "اكْتَفَى بِسَرْدِ الأسْبَابِ: بِذِكْرِ سِيَاقِهَا وَتَتَابُعِهَا"، و"سَرَدَ الكِتَابَ: قَرَأهُ بِالتَّتَابُعِ"، و"سَرَدَ الحَدِيثَ وَالقِرَاءةَ: أجَادَ سِيَاقَهُمَا"، و"يَسْرُدُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ مسَاءٍ: يَقْرَؤُهَا قِرَاءةً سَرِيعَةً"، و"سَرَدَ وَقَائِعَ الحَادِثَةِ: ذَكَرَهَا كَمَا حَدَثَتْ حَسَبَ تَسَلْسُلِهَا"،[11] وكلها تصبّ في معنى واحد متعدد الموضوعات، ولكن المصطلح المقصود في عرف الأدباء ونقّاد القصة والرواية أن السرد هو "السَّرْدُ فِي القِصَّةِ أوِ الرِّوَايَةِ: أَيْ رِوايَةُ الوَقَائِعِ وَالأَحْدَاثِ"، لذلك أطلقنا هذا النوع الثاني من التفكير بالتفكير السردي، لأن العالم أو الكاتب أو المفكر أو الواعظ أو الخطيب عندما يسرد القصص على المتلقين إنما يرافقهم في طريقة من التفكير يكون قِوامُها كل أجزاء العملية السردية ذاتها، فيتعلم المتلقي هذا النوع المشوّق من التفكير، ويستخلص إلى نتائج مُقنعة فيزداد إيمانه ويقوى يقينه.

وعلماء التربية يركزون على أهمية سرد القصص للأطفال لأنها تعلّمهم أشياء كثيرة من حولهم، تعلمهم البُعد الزماني، والبُعد المكاني، من خلال البُعد الاجتماعي وما يحتويه من الحِراك بين الأفراد والأسر وفئات المجتمع، والمجتمعات، والأمة ككل.

فعندما يتعلم الطفل التفكير في القصة، سيتعلم حتماً طريقة التطبيق على الواقع الخارجي، لأنه سيجد تشابه الأحداث، وتشابه الشخوص، وتشابه المواقف، وتشابه الحوار، مع أمثال هذه القصص والمقاربة لها، وهكذا.

وسرد القصص بالنسبة للعالم والمفكر والخطيب والواعظ بشكل عام، من أهم الأساليب التي تجذب المتلقين، وتُلفِت إليه المستمعين بإنصات وانتباه، لأن القصص بطبيعتها تجذب فضول الإنسان وتطفّله لمعرفة تفاصيل هذه القصص ونهايتها ومصير أبطالها سواء كانوا أبطالاً إيجابيين أو سلبيين، لذلك فإن الإمام الشيرازي يستخدم أسلوب سرد القصص في الكثير من محاضراته، بل وحتى في العديد من كتبه وكتيّباته.

وبما أن الغاية الأساسية من هذه القصص هي الاعتبار، لذلك اكتسبت هذه الأهمية، فالتطرق لبعض القصص والحكايات الواقعية الهادفة مهم جداً لدعم الموضوع العام الذي يتحدث فيه العالم أو المفكر أو الخطيب أو الواعظ، لأنه يدعو من خلالها إلى أخذ العبرة من سرد هذه القصص والحكايات.

قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176))[12]

يقول الإمام الشيرازي في معاني المقطع الأخير من الآيتين: (فاقصص القصص) "أي انقل لهم أخبار الماضين" (لعلهم يتفكرون) "فيعتبرون".[13]

فالغرض الأساس من نقل هذه القصص وسردها على المتلقّين هو الاعتبار من الأمم السابقة وما جرى عليهم، فلا يقع المتلقي في ذات الأخطاء فيحصل له ذات النتائج الوخيمة التي حصل عليها أولئك الذين ارتكبوا تلك الأخطاء في الماضي.

التفكير من خلال الأحاديث:

شرح الأحاديث الصادرة من المعصومين عليهم السلام.. وتطبيق فوائدها على واقعنا الذي نعيش فيه، وقد استخدم الإمام الشيرازي هذا الأسلوب لقدح زناد التفكير عند المتلقين، من مستمعين لمحاضراته، ومن قُرّاء لمجلداته وكتبه وكتيّباته، فالأحاديث الواردة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقية المعصومين من فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) والتسعة المعصومين من ولد الحسين (عليهم السلام)، كلّ هذه الأحاديث فيها من العلم والمعرفة والثقافة والحكمة الشيء الكثير، وقد جاءت في إطار بلاغي بديع، وتحتاج إلى تطبيق المنهج اللغوي من جهة، والمنهج البلاغي من جهة ثانية، وذلك للوقوف على معاني هذه الأحاديث ومضامينها العامة، وموضوعاتها الخاصة التي جاءت في سياقها الواقعي والتاريخي أثناء صدورها من المعصوم.

يقول الإمام الشيرازي في مقدمته لكتابه (تذكرة الأخبار في تلخيص ربيع الأبرار): "هذا كتاب (تذكرة الأخبار) في تلخيص (ربيع الأبرار) جمعت فيه الأحاديث المروية عن الله سبحانه وعن الأنبياء وعن الأئمة (عليهم السلام)، والأكثر منه موجود في سائر الكتب وقليل منه لم أظفر به فيها… لعل الله ينفع به المؤمنين، ويكون ذخيرة ليوم الدين."[14]

حيث نلاحظ في كلمته أن الهدف من ذكر الأحاديث الشريفة ونشرها للمتلقين من مستمعين وقُرّاء هو ما يلي:

1- نفع المؤمنين.

2- ذخيرة ليوم الدّين.

والأحاديث الشريفة والحِكم والأقوال والأدعية والزيارات التي وردت عن المعصومين (عليهم السلام) هي بمثابة المنهج الذي يقود المؤمنين إلى الصراط المستقيم في هذه الحياة، حتى آخر نفس يتنفسه المؤمن عندما يودّع هذه الحياة ويستقبل حياة أخرى، وهي عالم البرزخ الذي هو بمثابة المنطقة الوسطى بين الحياة والبعث من القبور.

وفائدة هذه الأحاديث والحكم والأقوال والأدعية والزيارات المروية عن المعصومين (عليهم السلام) لها فوائدها الأخروية أيضاً، لأنها كانت الشموع التي قادت المؤمن إلى الطريق السوي الذي نجّاه من الضلالة وأرشده إلى الهدى، وبالتالي ينال رضا الربّ في دنياه وآخرته.

ومن التفكير في الأحاديث الشريفة أيضاً إثبات الحق على لسان المخالفين، وقد استخدم علماء الشيعة هذا الأسلوب، كما استخدمه الإمام الشيرازي "قده" في إثبات فضائل آل البيت (عليهم السلام) بعد أن قام بتلخيص كتاب (الصواعق المحرقة) لابن حجر الهيثمي، وكما يقول الإمام الشيرازي: "اختيار الفصول المختصة بعلي أمير المؤمنين وأولاده الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) فقط، ليكون أبلغ للحجّة، وأقطع للعذر، غير أن الحوادث حالت دون بلوغ هدفه ذاك".[15]

وهنا نستنتج من كلام المرجع الراحل أن التفكير السليم من الآخر غير الموالي لآل البيت (عليهم السلام) ينبغي أن يكون هو المرجع للعقيدة السليمة، أما مخالفة آل البيت (عليهم السلام) من قبل الآخر فهذا يعني الانحراف الحقيقي عن الجادة، وقوله (رضوان الله تعالى عليه): "أبلغ للحجة"، هو الغاية الأساس للتفكير السليم، وهو الوصول إلى الهدف السامي والغاية النبيلة، من خلال هذه الحجج والأدلة المروية عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

جاء في كلمة الناشر للكتاب: "هذا الكتاب رغم (مخالفة) مؤلفه لخط أهل البيت (عليهم السلام) في ظل ظروف تأليفه ضم الكثير من الروايات والأحاديث التي شهدت بفضل أهل البيت (عليهم السلام) والتي لم يجد المؤلف بداً من إيرادها لعدة أسباب أهمها إضفاء صفة المصداقية على كتابه لان هذه الأحاديث كانت أشهر من نار على علم في المنظومة الفكرية للمسلمين في عصره، رغم المنع الذي مارسته بعض السلطات للحد من إظهار فضائل أهل البيت (عليهم السلام) في محاولة يائسة لطمس معالم الدين الرئيسية والتي يمثلها منهج أهل البيت (عليهم السلام("[16]

من هنا تشتعل مصابيح التفكير عند القارئ، وتنطلق بكل رحابة للتعرف على فضائل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة آل البيت (عليهم السلام)، ولكن بطريقة (من فمك أدينك)، هذا من جهة، ومن جهة ثانية (من فمك أدينك، ويتعزز إيماني ويقيني).

التفكير من خلال التاريخ:

يقول الإمام الشيرازي في مقدمة كتابه (فلسفة التاريخ): " كما أنّ الأشجار بأجمعها لها واقع مشترك، وإن كانت مختلفة في الحجم، والشكل، واللون، والثمر، وباصطلاح المنطقيين لها جنس واحد وفصول مختلفة، كما ولها أعراض مختلفة خاصّة أو عامّة، وكذلك بالنسبة إلى الأنواع الأخرى، وهكذا الحيوان وسائر المخلوقات سواء النباتية منها أو الحيوانية وحتّى الإنسان والملائكة والجنّ والشياطين لها جامع واحد، كذلك الأمر بالنسبة إلى المجرات والكواكب وما أشبه ذلك. كذا الأمر بالنسبة إلى أحداث التاريخ فكلّ الحضارات والبداوات لها جامع مشترك من ناحية. وفي نطاق الحضارات هناك جامع مشترك لجميع الحضارات، وكذلك البداوات لها جامعٌ مشترك، وإنّما الأشكال، والصور، والخصوصيات، والمزايا، تختلف اختلافاً نوعياً أو فصلياً أو نحو ذلك، وحالها حال الأمواج التي تتقاذف في البحر، فلها واقع واحد وتكوينٌ مشترك هو الماء. ومفهومنا لفلسفة التاريخ، والذي يدور حوله البحث في هذا الكتاب هو القاسم المشترك الذي يجمع الأحداث التاريخية، ويضعها أمام بصيرة الإنسان".

أي أن المتصدّي لقراءة التاريخ سيطلق العنان لتفكيره ومن ثم يتعرف على تفاصيل هذه الأحداث الماضية، ويحكّم عقله في إثبات من هو على الحق، ومن هو على الباطل، كما سيقف على مقوّمات السائرين على طريق الحق، وكيف صمدوا للحفاظ على قيمهم ومبادئهم، والنتائج التي توصّلوا إليها، وسيتعرف أيضاً على أخطاء وجرائم وجرائر وتجاوزات السائرين على طريق الباطل، وكيف أصرّوا على منهجهم هذا وحافظوا على مكتسباتهم الدنيوية العائدة إلى حبّ السلطة وإطاعة الهوى والانغماس في لذائذ الدنيا وشهواتها على حساب الآخرين، حتى لو قتلوا وسفكوا الدماء، واغتصبوا بيت المال – بالنسبة للحكام المنحرفين عبر التاريخ-.

التفكير من خلال أحداث الواقع:

الإمام الراحل يركّز كثيراً على الواقع الذي تعيشه الأمة، فهو ليس بعيداً عن متابعاته الحثيثة لما يجري في عالمنا العربي والإسلامي، بل ليس بعيداً عمّا يجري في العالم بشكل مُجمل، وإن كان تركيزه على ما يجري في عالمنا الإسلامي، وقد تطرق في العديد من كتبه عن الواقع، وكيفية إصلاحه إلى الأفضل، كما حذّر من كل الأخطاء والاستمرار فيها سواء من قبل الحكّام أو من قبل الشعوب أو من قبلهما معاً، وتحدث عن الأخطار التي وقعت فيها الأمة وستقع فيها إذا استمرت في السير الخاطئ نحو المستقبل، ومن خلال تفكير الإمام الشيرازي بالواقع يعلمنا طريقته بالضبط، وهي بسيطة جداً لأنه ينظر إليها بمنظار صحيح لا لبس فيه، فإن كان هذا الواقع يتقيّد بالحق فهو مع الحق ويسير إليه، وإن كان منحرفاً عن الحق فهو مع الباطل ويسير إليه، والحق لا يؤدي إلا إلى الجنة، والباطل لا يؤدّي إلا إلى النار، وفي ذلك يقول:

"إن الواقع أضخم من هذا العنوان، لأن الحوادث والقضايا التي شهدناها ولمستها أغلب الشعوب كانت أكبر من أن نعطي رأياً فيها أو نجد لها مصطلحاً يتناسب مع ضخامتها في قاموس اللغة، إلا حكمة الخالق الذي يعلم السر وأخفى ويعطي الأمور حق قدرها ولذا قرر له: (انكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما)،[17] وما ذكر في القرآن الحكيم من صفات النار التي لا نعلم مداها اعتماداً على مداركنا، إنما هي لانطباقها على هذا الواقع الدنيوي، إذ (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)،[18] فكما أن في الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، من النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال، كذلك في النار على عكس ما سبق ومنتهى الفرق هو إن في الجنة رضاه والتمتع بفضله سبحانه، وفي النار سخطه وانتقامه حسب استحقاق أهلها".[19]

ومن خلال ما قاله الإمام الشيرازي هنا نتعرف على طريقة أخرى من التفكير، وهي التفكير في الواقع بتذكر الخاتمة، وهي إما الجنة أو النار، فلينظر الإنسان إلى هذا المصير الحتمي، وليصلح من واقعه إلى الأفضل دائماً بحيث يرضي الله عزّ وجل، وأن نوكل إلى الله حكمنا على هذه الدنيا وأحداثها وأن ما يجري فيها كله من حكمة الله سبحانه وتعالى، وإن الله أعلم بكل ما فيها من ظواهر كبيرة وصغيرة، ودقائق الأمور وخباياها، وما نعلم من هذا الواقع إلا الظاهر، أما ما ندركه من خباياها بعقولنا وإعمال تفكيرنا فهو من اجتهاداتنا حسب المعطيات، وهذا مدعاة للتفكير في الواقع من حولنا، أي التفكير في الأحداث الجارية على الساحة، من حروب وخلافات بين الدول، ومؤتمرات، وقضايا مصيرية، وصعود دول وتأخر دول أخرى، وهكذا.. كل ذلك نفكر فيه بما لدينا من متابعات للأخبار الجارية، وما نُدركه بعقولنا واستنتاجاتنا مما وراء الكواليس، وتصدق فيه توقعاتنا، فهو كله من نوع التفكير في الواقع، من خلال الواقع نفسه، ومن خلال ذلك أيضاً ندرك حكمة الله سبحانه وتعالى.

يقول الإمام الشيرازي عن الدين الإسلامي ومدى احترامه للإنسان: "إن الدين الإسلامي الحنيف بالغ في احترام كيان الإنسان وشخصيته لدرجة التحذير والمنع من إرهاب الإنسان أو تخويفه أو الإساءة إلى كرامته، ولذا أعطى الرسول (صلى الله عليه وآله) بواسطة الإمام علي (عليه السلام) مالاً لمن ارتعب وارتهب بسبب خالد بن وليد، حتى يرضوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)".[20]

وما يجري في واقعنا الذي نعيشه من إرهاب كبير تمارسه الدول العظمى بواسطة أذنابهم في المنطقة ما هو إلا من خطط الاستعمار الحديث، للقضاء على المسلمين وتفكيك دولهم، وزرع البلابل والقلاقل في مجتمعاتهم، وكأن الإمام الشيرازي قد قرأ أمثال هذه الأحداث بعينه الثاقبة حتى بعد أن رحل عن الدنيا (رضوان الله تعالى عليه) فقد تكررت أمثال هذه الأحداث ليس في العراق فقط، بل في سوريا، وجزء من لبنان، وبعض دول الخليج.

ويتابع الإمام الشيرازي بقوله:

"فأما تلك الأنهار من الدماء و الدموع، وهذه الكثرة من الإرهاب والرعب وتلكم الأموال التي تهدر جزافاً من أجل الشهوات والملذات وما أشبه، أليس لها تعويض أو ثمن، إن الغرب يضم كل تلك التناقضات؛ وللأسف انتقلت عدوى هذه الأمراض الخبيثة الفتاكة إلى جملة من الدول الإسلامية تحت شعارات طنانة مختلفة، كعراق صدام الذي تغنى بالديمقراطية في الوقت الذي لم نجد لها أثراً على أرض الواقع أو أي تطبيق يوازيها هناك ".[21]

هذا الواقع كان شيء طبيعي في عهد صدام، ولكنه للأسف الشديد استمر حتى بعد عهد صدام، وانتشر الإرهاب ليس من الدول فقط بل من جماعات تدعي الإسلام ولكنها خارجة في حقيقتها عن أبسط المبادئ والقيم الإسلامية السمحاء، ويتم دعمها من قبل الغرب من أمريكا وأوروبا، كما حدث في العراق بعد سقوط حزب البعث، وكذلك في سوريا وما جرى عليها من المصائب والويلات من قبل الإرهابيين.

فالتطرق للأحداث في الساحة في فكر الإمام الشيرازي رافدا آخر من روافد التفكير، ولكنه يدعو إلى التفكير في كيفية إصلاح هذا الواقع الفاسد، وليس فقط التفكير في أساب هذا الواقع وأن النتائج التي سيصل إليها هذا الواقع هي هذه النتائج وهذه التوقعات، فهذا جزء من التفكير، لأنه من باب تحليل الواقع فقط، ولكن التفكير في كيفية إصلاح هذا الواقع والخروج من هذه الأزمات هو ما كان يدعو إليه الإمام الشيرازي "قده" في هذه الطريقة من التفكير.

كما أن الإمام الشيرازي يدعو إلى قراءة الواقع للتعرف على كل ما يتعلق بشؤون الأمة، سواء في العراق أو غيرها من الدول وبالذات ما يتعلق بقضايانا المصيرية كالقضية الفلسطينية.. وما جرى في لبنان.. من المآسي في الحرب الأهلية.. وما جرى في مصر من أحداث بعد ثورة 23 يوليو.. وتآمر الرجعية العربية ضد قضية القدس.. وغيرها من أمثال هذه الموضوعات.. إنه يطرح هذه الإشكاليات ويحللها تحليلاً واقعياً.. ويترك للمستمع أو القارئ التفكير العميق فيها، ويطرح الحلول لكل هذه الإشكاليات وينظر لها تنظيراً علمياً يجمع بين واقعية التفكير وواقعية الأحداث في آن واحد.

طرق أخرى للتفكير:

وأنواع التفكير كثيرة جداً، فمنها (التفكير من خلال طرح الآراء) المختلفة التي يطرحها ثم يفندّها رأياً رأياً وبعد ذلك يقف على الرأي الصائب ويدلل عليه،.. ولا يجبر المستمع أو القارئ على الاقتناع برأيه.. ولكنه يغريه بالحل الأسلم تجاه هذه الآراء.. وهو أسلوب أخلاقي رفيع في طرح الرأي والرأي الآخر.

ومن الطرق أيضاً طريقة (التفكير بالتنظير)، حيث يقوم بتحرير تنظيرات معينة ويفكر من خلالها وهو يكتب، ويحلل، ويستنتج النتائج، ويحلل هذه النتائج، ويعود مرة أخرى ليثبت جدوى ما توصل إليه، وهو يعلمنا هذه الطريقة لأنها طريقة تنطلق من التفكير وتعود للتفكير ذاته، وهكذا..

وهناك طريقة (التفكير من خلال التجارب الشخصية)، وقد تطرقنا في مقال سابق إلى أن "في التجارب علم مستأنف"، والإمام الشيرازي "قده" استفاد من تجاربه السابقة أيّما استفادة، لأنه يؤمن بهذه الوسيلة في كسب المعرفة والإزدياد منها عن طريق هذا الأسلوب الجميل في التعرف على الوجود وما حوله من ظواهر سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية وسلوكية وغيرها.

ويُلاحظ في كتب الإمام الشيرازي الموجهة للجمهور، استخدامه كل هذه الأساليب التي تثير التفكير عند كل القراء، ولكنني هنا أستهددف بهذه المنهجية الجمهور البسيط الذي وجد في الكثير من كتبه بساطة في الطرح، وعمقاً في المعاني والأفكار، وهي معادلة صعبة أتقنها الإمام الشيرازي، وكسب بذلك جمهوراً غفيراً من القُرّاء.

......................................................
الهوامش:
[1]- عشت في كربلاء، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط 2، 1393هـ، 1972م، (قطع وسط، 45 صفحة)، تحت عنوان (ثقافة المجالس).
[2] - عشت في كربلاء، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط 2، 1393هـ، 1972م، (قطع وسط، 45 صفحة)، تحت عنوان (ثقافة المجالس).
[3]- عشت في كربلاء، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط 2، 1393هـ، 1972م، (قطع وسط، 45 صفحة)، تحت عنوان (ثقافة المجالس).
[4] - القرآن الكريم، سورة البقرة، آية: 138.
[5]- القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية: 191.
[6] - تبيين القرآن، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، دار العلوم، لبنان، بيروت، ط 3، 1423هـ، 2003، ص: 86.
[7] - معجم المعاني الجامع. (بتصرف).
[8] - ديوان لبيد بن ربيعة العامري، من قصيدته التي مطلعها: (ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحَاوِلُ...أنَحْبٌ فيُقضَى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ).
[9] - شرح الصحيفة السجادية، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، دار العلوم، لبنان، بيروت، ط 5، 2002م، (عدد الصفحات 448- قطع كبير)، من المقدمة.
[10] - شرح الصحيفة السجادية، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، دار العلوم، لبنان، بيروت، ط 5، 2002م، (عدد الصفحات 448- قطع كبير)، من كلمة الناشر.
[11] - معجم المعاني الجامع. (بتصرف).
[12] القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآيات 175-176.
[13] - تبيين القرآن، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، دار العلوم، لبنان، بيروت، ط 3، 1423هـ، 2003، ص: 185.
[14] - تذكرة الأخبار في تلخيص ربيع الأبرار، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط 1، 1419هـ، 1999م، (عدد الصفحات 256)، قطع كبير، من المقدمة.
[15] - فضائل آل الرسول من الصواعق المحرقة، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط 4، 1418هـ، 1998م، (عدد الصفحات 198)، قطع كبير، من المقدمة.
[16] - فضائل آل الرسول من الصواعق المحرقة، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط 4، 1418هـ، 1998م، (عدد الصفحات 198)، قطع كبير، - كلمة الناشر حسب الموقع الالكتروني http://www.alshirazi.com.
[17] - القرآن الكريم، سورة المزمل، آية: 12، 13.
[18] - القرآن الكريم، سورة الأنعام، من الآية: 160.
[19] - هل للشعوب قيمة؟، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط: 1، 1422هـ، 2001م، (40صفحة، قطع متوسط)، من المقدمة.
[20] - هل للشعوب قيمة؟، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط: 1، 1422هـ، 2001م، (40صفحة، قطع متوسط)، من المقدمة.
[21] - هل للشعوب قيمة؟، آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، ط: 1، 1422هـ، 2001م، (40صفحة، قطع متوسط)، من المقدمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0