التسامح، عنوان بسيط في نطقه، صعب في تنفيذه على مسرح الواقع، لأنه قبل أن يكون مصطلحاً هو خُلُق إنساني لصيق بالفطرة الصافية، وقد تعامل جميع الأنبياء والرسل بهذا الخُلق مع جميعِ مَنْ حولهم، وخير من تعامل بهذا الخُلق هو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقية المعصومين (عليهم السلام) وهو خُلق إسلامي ينتمي إلى مجموعة كبيرة من مفردات الأخلاق التي أقرّها الدين الإسلامي ودعا إليها وشجّع كلّ من يلتزم بها، وهي ذاتها الأخلاق التي أشار إليها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديثه: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"،[1] وفي تاريخ المعصومين الكثير من القصص عن تسامح المعصومين مع غيرهم أفراداً وجماعاتٍ بل وحتى مع الجماهير من حولهم، فهم يشكلون رحمة إلهية بل أجلى مصاديق الرحمة تجاه الآخرين.

أما من حيث الصعوبة في تطبيق التسامح، هو كثرة المشاكل الاجتماعية بين الأفراد، وبين الأسر وبين مختلف الفئات في المجتمع الواحد، وبالتالي الإشكاليات والخلافات بين هذا المجتمع وذاك المجتمع، وبالتالي هذه الدولة وتلك الدولة، وهكذا تتصاعد الإشكاليات بين كل هؤلاء بسبب واحد وهو عدم تطبيق التسامح في التعامل السلوكي بين كل هؤلاء، ولو كان التسامح هو السائد لما حدثت كل تلك الإشكاليات، نعم هناك قوانين تحكم القضايا التي تحدث بسبب التعديات على حقوق الآخرين.

وهنا التسامح يتجلّى في عدم مواجهة الظلم بالظلم، وإنما يتجلّى في مواجهة الخصم بالقانون والشرع في حدود المطالبة بالحق، أما التعاملات الأخرى فتحكمها مسائل شرعية أخرى وأخلاقيات وآداب إسلامية ينبغي من الجميع الالتزام بها بشكل طبيعي، على اعتبار أننا جميعاً ننتمي للإسلام، ونبينا واحد، وقرآننا واحد، ونصلي لقبلة واحدة، وإنما نختلف لاختلافات وضعية ليس إلا، كالاختلافات القبلية، أو الاختلافات المذهبية، والاختلافات السياسية، وغيرها من الاختلافات التي تحكمها قوانين الأرض لا قوانين السماء، لأن قوانين السماء، تختلف تماماً عن هذه القوانين الأرضية التي تقرّ الحدود بين الدول، وتقرّ النزعات القبلية، كصعود قبائل معينة على غيرها ليس لشيء إلا لأنها ساهمت تاريخياً في بعض المساندات السياسية لهذا أو لذاك، وغيرها من الاعتبارات الأرضية التي لا يقرّ الإسلام بها ولا تقر بها شرائع السماء.

مجتمعاتنا العربية كمجتمعات لا تفتقد خلق التسامح، لأنه لا يزال من ضمن أخلاق هذه المجتمعات المتوارثة من الحقب الزمنية السابقة الكثير من الخُلقيات العربية الأصيلة، وكذلك الخُلقيات الإسلامية التي طبعتها الشريعة في أنفس المسلمين بشكل عام، إلا أن ضغوطات الحياة، وتقلبات الأحداث السياسية، وظهور دول وأفول دول أخرى، وتدخلات الاستعمار، وانقسام الإمبراطورية الإسلامية إلى أكثر من خمسين دولة بعد أن كانت دولة واحدة، وتكالب الشرق والغرب على أمتنا العربية والإسلامية، واستئثار الحكّام بالعروش وثروات أقطار الرقعة الجغرافية الكبرى للأمتين العربية والإسلامية، كل تلك العوامل أثّرت على نفوس المجتمعات وأخلاقهم، فخفتت الكثير من الخُلقيات وضعُفت بشكل ملحوظ وملموس، وبالذات عندما تكون المصلحة المادية هي التي تفرض نوعية الأخلاق التي ينبغي أن نتعامل بها مع الآخر، وإذا انعدمت هذه المصلحة تنعدم هذه الخلقيات، وهكذا..

وأفضل ما يمكنني أن أستشهد به من الشعر حول موضوع عدم تسامح الدولة مع معارضيها، ما قاله الشاعر الحيص بيص، فهو يذمّ دولة الظلم ويعدد بعض مثالبها ومنها عدم التسامح، وإسالة دماء الأبرياء، وقتل الأسارى، بينما دولة العدل تعفو عن المعارضين، وتطلق الأسارى وتصفح عنهم:

مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً-----فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ

وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما-----غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح

فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا-----وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ

أما التسامح كصفة فردية، في التعامل مع الأفراد من حولنا فيقول أسامة بن منفذ:

إذا جرحت مساويهم فؤادي-----صبرت على الإساءة وانطويتُ

ورحت إليهم طلق المحيا-----كأني لا سمعت ولا رأيتُ

فطلاقة الوجه في مواجهة الآخرين ممن يوجّهون لي الإساءة تلو الإساءة خلقٌ رفيع، وهو قرين بالصبر على الإساءة وتحمّلها، لا سيما من الأقارب والأدنين وممن نختلط معهم في علاقاتنا الاجتماعية، في الحارة، في القرية، في البلدة، في المدينة وهكذا حتى المجتمع الكبير والأمة ككل.

مرتبة التسامح في علم الأخلاق:

كما إن لكل صفة خُلُقية مرتبة في قبال العنوان العام للأخلاق الإسلامية، كذلك لصفة التسامح مرتبة في مجمل مفردات الأخلاق، وفي ذلك يقول الشاعر أحمد شوقي:

تسامحُ النفس معنىً من مروءتها-----بل المروءةُ في أسمى معانيها

يريد أن يقول أن خصلة التسامح جزء لا يتجزأ من موضوع عام في شخصية المتسامح وهو المروءة، ثم يؤكد في الشطر الثاني من البيت الأول بالاستدراك بـ (بل) عندما قال أن التسامح أسمى معاني المروءة، والمروءة كما جاء معاجم اللغة: "آداب نفسانية تحملُ مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، وهي كمال الرّجولية"،[2]فهي إذن عدة صفات وليست صفة واحدة، ومن هذه الصفات التسامح.

أما صفي الدين الحلي فيقول عن التسامح:

أتطلبُ من أخٍ خُلقًا جليلًا-----وخَلْقُ الناسِ من ماءٍ مَهينِ

فسامحْ إِن تكَّدَرَ وُدُّ خِلٍ-----فإِنَّ المرءَ من ماءِ وطينِ

فما دام كل الناس خُلِقوا من ماء مهين، كما أقر القرآن بذلك، فإن طلبنا من الإخوان التسامح شيء بدهي، حتى لا نتكبر على حقيقة خلقنا وهي من الماء والطين، ومن الطبيعي أن نسامح الآخرين من حولنا إذا رأينا في ودّهم تجاهنا كدورةً ما لأن من طبع الطين والماء أن يُصاب بالكُدورة أيضاً، وهي صفة لنا وعلينا، فكلنا خلقنا من الماء الطين وكلنا نُصاب بأمثال هذه الكدورة، فإذا سامحنا الآخرين، فإننا سنتوقع منهم المسامحة أيضاً وهكذا.

أما الشافعي فيقول في إحدى مقطوعاته:

إذا شئتَ أن تحيا سليماً من الأذى-----وحظك موفورٌ وعرضك صيّنُ

لسانكَ لا تذكر به عورة امرئٍ-----فكلك عوراتٌ وللناس ألسنُ

وعينك إن أبدت إليك معايباً-----فصنها وقل يا عين للناس أعينُ

وعاشرْ بمعروفٍ وسامحْ من اعتدى-----ودافعْ ولكن بالتي هي أَحْسَنُ

حيث يتطرق في هذا البيت الرابع إلى ثلاث صفات:

1- حُسن العِشرة مع الآخرين من حولنا.

2- مسامحة من اعتدى علينا من الإخوان.

3- الدفاع عن النفس والذات في قبال من اعتدى علينا ولكن بطريقة حَسنة.

وهذا يعني أن المسامحة ليست في قبال تنازل الإنسان عن حقه، ولكن لكسب الآخرين ما دام الإنسان يستطيع أن يتحمّل الأذى فإن من حسن الأخلاق التنازل عن الحق للآخر، مع الاحتفاظ بحق الإنسان في المطالبة بحقه ولكن بالتي هي أحسن، أي بالاستمرار في التعامل الأخلاقي مع الآخرين.

وبما أن التسامح يتوجب أن يتقيّد أصحابه بالأفق الواسع في التعامل مع الآخرين، تماماً كما قال جورج إليوت: "مسؤولية التسامح تقع على من لديهم أفق أوسع"، وقبله وردت الكثير من الأحاديث المروية عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد تحدثت هذه الروايات إلى بعد النظر وقوة البصيرة، كما هو وارد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عندما قال: "كان عمنا العباس بن علي "عليه السلام" نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله، وأبلى بلاء حسناً، ومضى شهيداً".[3]

وزارة "التسامح والعفو":

المقترح لحل إشكالية تناقضات هذا القرن الواحد والعشرين، من آثار المشاكل الكبرى التي مرّت بها الأمة في القرن العشرين وما قبله هو إيراد وزارة خاصة في كل دولة وفي كل قطر من أقطار عالمنا العربي والإسلامي، وتكون متخصصة في تقنين قوانين وأنظمة الصفح والعفو، استفادة من القوانين التشريعية في الدولة، وكذلك المسائل الشرعية التي تتطرق إلى هذه الموضوعات في الفقه الإسلامي، وتسير هذه الوزارة جنباً إلى جنب مع لجان حقوق الإنسان في هذه الدول وهذه الأقطار، وتكون مرتبة ارتباطاً وثيقاً مع مجلس الوزراء، ورأس القمة، أي مجلس الرئاسة أو الديوان الرئاسي، وأن تكون هناك شروط موضوعية واقعية لإقرار قانون التسامح والعفو فإذا توفرت هذه الشروط يتم إقرار التسامح والعفو فعلياً في الحالات المدروسة، ولكن بشرطها وشروطها، ومنها إقرار السلام، والأمن المجتمعي بشكل عام، بشرط عدم وجود جرائم مع سبق الإصرار والترصّد، لأنها تأخذ مجالها في المحاكم الشرعية والقانونية من حيث إقامة الحدود والشروط التابعة لذلك.

ويكون تطبيق برامج المسامحة والعفو في التعامل بين مختلف الأديان، والمذاهب الإسلامية، والتيارات الفكرية، والمذاهب الفلسفية، والأحزاب المختلفة في استراتيجياتها وفكرها وفلسفتها في الحياة، وغيرها، بحيث تُفرض طريقة آمنة للتعايش السلمي بين كل هؤلاء في ظل التنافس الشريف، وليس الحرب والاقتتال بأي شكل من أشكاله، ومن هنا تكون الشجاعة في تطبيق مبدأ المسامحة والعفو مع جميع الناس، من أي دين كانوا وأي مذهب وأي تيار وأي قبيلة وأي جماعة، وكما قالت أنديرا غاندي " التسامح من شيم الشجعان".

إشكالية كبرى في طريق التسامح:

الإشكالية الكبرى التي تواجهها بعض مجتمعاتنا في العديد من الأقطار هي أن يكون التسامح مُقرّراً بشكل طبيعي، لأنه يصب في مصلحة هذه الأنظمة ليس إلا، وطالما كان التسامح ملفاً مفتوحاً من قبل هذه الحكومات ويدعون إليه بشكل منظم في إعلامهم الرسمي وزيارات المسؤولين وربما إقامة الندوات والمؤتمرات في عدة مناطق من القُطر وإشاعة هذه الثقافة، ولكن القصد الأساس من إشاعتها هو خدمة سياسة الدولة التسلطية ليس إلا، أو يُعتبر هذا السلوك الأخلاقي من السياسات الخاصة للحزب لكسب الآخرين وجمع اكبر عدد من الأصوات للفوز ببعض المناصب والكراسي وما إلى ذلك، وليس المقصود بها إشاعة ثقافة التسامح وقبول الآخر بكل أخلاقية وبكل مصداقية، وإذا ما طالبت فئة من المجتمع بحقوقها يتم تسليط القوة ضد هذه الفئة من المجتمع ووصمهم بكل الصفات السلبية كالخروج على الدولة وإثارة النعرات الطائفية وما إلى ذلك، وهنا لا يكون لمعنى التسامح الذي دعوا إليه قبل ذلك أي معنى يُذكر، لأنه من الأساس جاء لخدمة سياسة الدولة التسلطية ليس إلا.

ولا يتعزز خيار التسامح في دولنا العربية، إلا بتنازل القوي في قبال الضعيف، ليس بقصد التسلط على الضعيف وإنما بقصد نشر الرفاه الاجتماعي الحقيقي، وهو عبارة عن خطوات مُنظمة لإحقاق مصداقية حقيقية للتلاقي بين مختلف أطياف المجتمعات في الأمة الواحدة، حتى لو اختلفت أديانها ومذاهبها وقبائلها وأحزابها ولغاتها، ففي الدين سعة كبيرة، وشرائع السماء تحتمل الأمم جمعاء وليس أمة واحدة، والقرآن الكريم وضع كافة الحلول لإيجاد صيغة أخلاقية وعقد اجتماعي كبير بين كل هذه الفئات المختلفة لتعيش على أرض الله وتحت سقف قبة برلمانية حقيقية على مسرح الواقع.

* مداخلة حول الورقة العنونة "التسامح في المجتمع العربي من إمكانية التنظير إلى إشكالية التفعيل"، التي ناقشها مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، في ملتقى النبأ الأٍسبوعي

.........................................
هوامش:
[1] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٨ - الصفحة ٣٨٢.
[2] - معجم الوسيط.
[3] - عمدة الطالب لابن عنبة: ص 356، مقتل الحسين لابن مخنف ص 176، الأنوار العلوية للنقدي: ص 442.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0