قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «قيمة كل امرئ ما يحسنه»(1). وقال (عليه السلام): «ما علم من لم يعمل بعلمه»(2).

إن هذه الكلمة على وجازتها وقصرها، ذات معنى عميق، حيث أراد الإمام (عليه السلام) أن يبين من خلالها: إن قيمة الإنسان هي بقدر ما يحسنه من العلم والعمل، وكما أن الإنسان في الآخرة سوف ينال إما الجنة أو النار، بقدر ما لديه من أعمال صالحة أو طالحة، كذلك الحال في الدنيا، فإن المرء يُقيّم بعمله وعلمه حتى عند الناس لا بنسبه وهيكله، والتقييم مرتبط بجهة المتعلّق ـ أي الفعل ـ فتارة يكون الفعل خيراً وصالحاً، فتكون آثاره خيّرة وسليمة، فيأتي الناس ليعطوا ذلك الإنسان ما يقابل عمله هذا، سواء كان عطاءً مادياً أو معنوياً، فعاقبة عمله الصالح هي قيمة رائعة لشخصه وعمله، وحينئذ يقولون: إن فلاناً رجل صالح، وهذه الصفة الأخيرة هي قيمة نتجت عن عمله.

وبالعكس تماماً عندما يكون عمل الإنسان غير ملائم للطبع الإنساني السليم، بل لعله يخالف الذوق والحس البشري الذي غرسه الله عزوجل في وجود الإنسان، فتكون النتيجة أيضاً تقييماً من نوع آخر؛ إذ يقال عند تقييم صاحب العمل السيئ بأنه غير خلوق، أو أنه إنسان سيئ وطالح.

وهكذا فإن قيمة المرء تكون من سنخية عمله وأدائه، ولا تأتي اعتباطاً أو صدفة.

مراقبة المرء لنفسه

فعلى هذا يجب أن يراقب المرء عمله وسلوكه، وأن يحسن عمله ويتقنه بشكل جيد؛ لأن عمله سوف يكون مرآة له تنعكس فيها صورته الحقيقية، فأما أن تكون صورة ناصعة، أو تكون صورة مشوشة ومشوهة، ونستطيع أن نمثل لذلك بمثال متواضع: فالذي يحمل شهادة المرحلة الابتدائية تكون قيمته غير الذي يحمل الشهادة الجامعية، وهكذا اطراداً.

دروس وعبر

وإن هذه الكلمات القصار للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقيت وستظل حية على طول التأريخ الإنساني، وتشكل دروساً تربوية قيّمة لا يستغني عنها الإنسان.

فالإمام (عليه السلام) بين أن قيمة الإنسان هي بقدر علمه، وبقدر ما يحسنه من عمل، فالتاجر الذي يحسن فن الشراء والبيع هو ذو علم بالتجارة، ويقاس بين التجار وفقاً لهذه الموازين.

والإنسان دائماً يعيش حالة الطموح والأمل، ولكل فرد أهداف يرسمها لنفسه، ويسعى دوماً نحو تحقيقها. فالإنسان المتعلم والعالم الذين يحسنان استخدام الوسائل من خلال ما يحملانه من علم وخبرة سيصلان إلى أهدافهما وطموحاتهما، وغالباً ما يكون الناجحون في حياتهم من أهل الخبرة والعلم؛ لأنهم يستخدمون المقدمات والوسائل الصحيحة للوصول إلى تحقيق آمالهم، بينما الذين لا يحسنون في عملهم ولا يعرفون وسائل النجاح وهم كثيرون تراهم يتخبّطون يميناً وشمالاً، فهم وإن كانوا أحياناً يعلمون شيئاً، إلا أنهم يمتازون بعدم المعرفة في كيفية استخدام هذا العلم عادة، فيفقدون نتيجة لذلك مكانتهم الاجتماعية، فانه «علم لاينفع كدواء لا ينجع»(3).

فإن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكد على من يحمل علماً أو خبرة أن يعرف كيف يتصرّف به، وأن يتحمل الشدائد والعراقيل التي تلاقيه في سبيل الوصول إلى هدفه. فقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «بالتعب الشديد تدرك الدرجات الرفيعة والراحة الدائمة»(4).

الفكر وأثره على السلوك

مصادر الثقافة في هذا العالم كثيرة ومتنوعة، سواء في السياسة أو في الاقتصاد أو في العلوم الأخرى، وكل هذه المصادر تحاول أن تحتوي المصدر الآخر للانفراد في الساحة، ونلاحظ أنه كلما جاء فكر جديد كثيراً ما يلعن من كان قبله، وهكذا الحال في القوانين الوضعية السائدة في هذا العالم المتلاطم بالأفكار، وفي الأغلب تكون أفكاراً تسلطية مبتنية على الخداع والغش؛ لذلك يأتي الفكر مرة باسم الشيوعية، ومرة باسم الرأسمالية، وأخرى باسم القومية... وفي ظل هذه العناوين والاتجاهات ينخدع بعض الناس وينجرف في دوامتها، ومقابل هذه التيارات التضليلية يقف الفكر الإسلامي شامخاً، بما يحتويه من مبادئ رصينة وثابتة، تهدي الناس إلى الخير والصلاح، فالقرآن الكريم وهو مصدر الهداية والرحمة، يهدي الناس إلى التكامل المادي والمعنوي، ويحررهم من العبودية التي قيدتهم نتيجة الأفكار والنظريات التضليلية، فالقرآن الكريم يحتوي على أعلى قيمة في الفكر، وأرقى أسلوب في الحركة والسير الذاتي نحو التطور والسعادة، ومن ثم اعتضد هذا الفكر بشخصية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي أخرج هذا الفكر إلى النور، بأعماله وأفعاله الواقعية، في مجتمع صعب التغيير، متعصب لفكرته المترسخة لفترة طويلة، مع وجود شخصيات متمرسة في التضليل والخداع، ذات مصالح شخصية، ولها جذور عميقة في التأثير على المجتمع. وبرغم هذا كله نجح هذا الفكر في الاجتياز لكل العقبات نتيجة لتكامله وصحة دعوته، وقوة منشئه وعظمته، وصدق وأمانة والمبلّغ به.

مقارنة

لو أجرينا مقارنة سريعة بين الفكر الإسلامي والأفكار الأخرى. لاتضح لنا الفارق الجلي بين ما يحمله القرآن من مبادئ سامية، وأخلاق فاضلة، تسمو بالإنسان نحو الفضيلة والسعادة، بعكس الأفكار والمبادئ الوضعية، علماً بأن الفكر هو الأساس في العمل كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى »(5) فالفكر أيضاً هو مما تعرف به قيمة المرء كما لايخفى.

فالإسلام ينطلق من القرآن، والقرآن فيه من التعاليم والأفكار التي لا يستطيع فكر أو نظرية أن يصل إليها، أو يطرح بديلاً مناسباً عنها وللمثال على ذلك:

المفاضلة بين الناس في الإسلام مبنية على أساس التقوى؛ قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(6) والتقوى إحدى الصفات الحميدة وهي صفة روحية تربط الإنسان بخالقه، وبإمكان الإنسان أن ينميها حتى يتدرج إلى أعلى القمم الروحية، أما القومية فترى أن التفاضل بين الناس يكون على أساس اللغة والدم والجنس، لا التقوى والالتزام الخلقي والعقائدي.

وكذلك الفكر الإسلامي يدعو إلى التوحيد والى عبادة إله واحد أزلي، في حين أن الأفكار الوضعية تدعو إلى الصنمية والآلهة المتعددة الباطلة.

وأيضاً الفكر الإسلامي يدعو إلى احترام حقوق الفرد والمجتمع، أما غيره فيدعو إلى ضرب حقوق الفرد بحجة حقوق المجتمع.

والفكر الإسلامي يدعو إلى التأكيد على الأخلاق وجعل المفاهيم الأخلاقية أساساً في التعامل والتعايش، أما غيره من الأفكار فأغلبها يدعو إلى التحلل الخلقي، والانحراف الفكري.

والإسلام يدعو إلى أمة واحدة، بينما غير الإسلام عادة ما يحاول زرع الفتن وتفريق الأمم، وذلك بإثارة النعرات الطائفية، والحروب بين الدول والأمم، كما نشاهده اليوم بأم أعيننا.

الشباب وتحصيل العلم

ومن أهم ما يؤكد عليه الإسلام هو العلم مصحوباً بالعمل، ثم إن سبل تحصيل العلم ميسرة اليوم من ناحية وجود المدارس ووفرة المناهج والخدمات العامة والتطور العالمي، فلماذا يتوانى شبابنا المسلم المؤمن في هذه المسألة؟ وهي من أهم المسائل وأرفعها، وفيها يكمن سر تقدم الأمة وتطورها ونيلها الأسباب الموصلة إلى عزتها وكرامتها وقوتها، ولطالما شدد وأكد القرآن الكريم على هذا الجانب ـ جانب العلم والمعرفة ـ. حيث ترى أن أول سورة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي سورة (العلق) وما فيها من المفردات المهمة والضرورية، من قبيل: (اقْرَأْ، الْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ..) فكلها ذات محور واحد وهو العلم، وفي سورة الرحمن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْءان)(7)، ثم يقول عز وجل: (خَلَقَ الإِنْسَانَ)(8)، ثم يردفها تعالى بـ: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)(9).

لماذا قدّم تعالى العلم على خلق الإنسان؟ والحال أن الأمر عكس ذلك، حيث إن الخلق مقدم زماناً على العلم؟ والجواب على ذلك: إن الله تعالى أخرّ خلق الإنسان عن العلم مع أنه مقدم زماناً للدلالة على جلالة العلم وأهميته؛ لأنه لولا العلم لما كانت هناك فائدة من خلق الإنسان. فالآيات التي تؤكد على مسألة العلم وتحصيله كثيرة، والسنة المطهرة أشارت كذلك إلى هذا الجانب، فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) أوصوا بالعلم وأشادوا بالعلماء، وفضلهم ومنزلتهم، وعظيم الثواب لهم.

فقد روى الإمام الصادق (عليه السلام) عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «المؤمن العالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله وإذا مات ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة»(10).

العلم زينة وفريضة

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه، ولا تكونوا علماء جبارين فذهب باطلكم بحقكم»(11).

وقال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وهو عند الله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة، وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلاء، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم»(12).

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «طلب العلم فريضة على كل حال»(13). إلى غيرها من الروايات الواردة في فضل العلم، وأهمية تحصيله.

نعم، لا شك أن الطريق الأفضل لرقي الإنسان هو العلم، فبالعلم يصل المرء إلى الدرجات العلى في الإيمان، إذ حتى الإيمان لابد وأن يكون إيماناً واعياً ويقينياً كاملاً، لا أن يكون إيماناً ناتجاً عن جهل وسطحية وتمسك بالقشور، بل الإيمان الحقيقي هو الناتج عن علم ومعرفة، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح مكانه»(14).

وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(15). فحصر سبحانه الخشية في أعلى مراتبها بالعلماء؛ لأنهم العارفون بأصول العبادة وأنواعها الصحيحة الموصلة لله عز وجل، فعلمهم هو الذي زادهم خشية من الله تعالى.

ومن هنا ندرك أن العلم الذي لا يوصل صاحبه إلى خشية الله تعالى لا يكون نافعاً نفعاً حقيقياً، هذا إذا لم يكن ضاراً، وعلى ذلك يمكن فهم قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «قيمة كل امرء ما يحسنه»(16) أي ما يحسنه من العلم والمعرفة والعمل.

فيجب أن لا يتوانى شبابنا في هذا المجال، ليعرفوا أن سر انتصارهم على أعدائهم، وتقدمهم في جميع مجالات الحياة؛ مرهون بالعلم وتحصيل المعرفة، ونحن نلاحظ اليوم كيف أن أوربا وبعض الدول الأخرى تطورت وحصلت على مكاسب كبيرة، عندما تمسكت بالعلم، رغم أن العلم الذي سعت إلى تحصيله كان علماً دنيوياً، فكيف الحال إذا كان علماً يجمع بين الدنيا والآخرة؟ فلا شك ولا ريب أن نتيجة ذلك سوف تكون عظيمة، فنحن متى ما هيّأنا المقدمات الصحيحة، وتمسكنا بالعلم، تطورنا وبدت علينا علامات الرقي والسعادة، وتمكنا حينئذ من جلب الناس إلى الإسلام وتعاليمه النيرة، واستطعنا زرع بذور الخير فيهم. وإلا فإننا ـ مع تخلفنا وتأخرنا ـ لا نستطيع أن نكسب الآخرين إلينا، بل في هذه الحالة سيعمل الآخرون على حرفنا وجرفنا عن طريق الحق ـ من حيث لا نعلم ولا نشعر ـ كما هو حاصل لدى الكثير اليوم ؛ لأن الدنيا دار الأسباب والمسببات، ولا يمكن الحصول على المكاسب المادية والمعنوية التي أودعها الله تعالى في الحياة الدنيا، دون تهيئة الأسباب الموصلة إليها، ومن أهم الأسباب العلم والعمل معاً.

أهمية الوقت

إن أغلب علمائنا كانوا يواصلون البحث والتدريس ويهتمون بقضايا الناس وحل مشاكلهم، رغم تقدمهم في السن، وكانوا لا يسافرون عادة إلا للضرورات، حتى لا يحول السفر بينهم وبين تحصيلهم العلم، فمثلاً: يذكر أن آية الله العظمى السيد عبد الهادي الشيرازي (17) لم يسافر لمدة خمسين سنة إلا مرة واحدة إلى طهران لغرض العلاج من ألم شديد في عينه.

نعم، هكذا كان علماؤنا لا يسمحون لأنفسهم بإضاعة الوقت في السفر وغيره، فقادهم وأوصلهم ذلك إلى مراكز رفيعة، فالسيد عبد الهادي الشيرازي أصبح المرجع الأعلى للتقليد حيث رجعت إليه الأمة بعد وفاة آية الله العظمى السيد البروجردي.

وكذلك السيد الحكيم (18) لم يسافر إلا مرة واحدة للحج، ومرة أخرى إلى خارج العراق لغرض المعالجة، وكذلك كان والدي (19) فلم يسافر طوال عمره إلا ثلاث مرات، مرة إلى الحج الواجب وكنت بصحبته، وسفرة أخرى إلى مشهد المقدسة، وكان ذلك متعلقاً بجهاد السيد القمي(20)، والسفرة الأخيرة إلى مشهد أيضاً.

فالعلماء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بعد أن ضحّوا بالراحة، وتحملوا الكثير من أجل العلم، واهتموا بالوقت فقد قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): «لقد أخطأ العاقل اللاهي الرشد، وأصابه ذو الاجتهاد والجد»(21).

وقال (صلوات الله عليه): «إن كنتم للنجاة طالبين فارفضوا الغفلة واللهو والزموا الاجتهاد والجد»(22)، فعلينا أن نتعلم من أولئك العلماء العظام كيف نستثمر وقتنا في العلم والعمل الصالح.

ولا يخفى انا لا نريد أن نقول: إن السفر أمر غير جيد وغير نافع، بل على العكس فان السفر من المستحبات كما فصلناه في الفقه، وإنما مقصودنا هو عدم تضييع الوقت بالسفر من دون رعاية الأهم والمهم، أما السفر النافع فقد حرضت عليه الشريعة، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «سافروا تصحوا، سافروا تغنموا»(23).

وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: «سافروا تصحوا، وجاهدوا تغنموا، وحجوا تستغنوا»(24). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «سافروا فإنكم إن لم تغنموا مالاً أفدتم عقلاً»(25).

وحينما سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الأيام المباركة للسفر قال: «سافروا يوم الثلاثاء، واطلبوا الحوائج فيه، فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود (عليه السلام)»(26).

ومن هذه الأحاديث الشريفة، يظهر أن الشريعة لم تنف السفر مطلقاً، وإن علماءنا حرصاً منهم على متابعة الأهم كانت أسفارهم قليلة، فان هناك تزاحماً بين الأهم والمهم، والعالم يأخذ بالأهم إلا في حالة الاضطرار، وما ذكرناه كله من أسباب تكون قيمة المرء.

القرآن والحقائق العلمية

لقد ذكر القرآن الكريم العديد من الحقائق العلمية على شكل إشارات، ليجعل للإنسان الدور الكبير في استكشافها والانطلاق منها. وواحدة من تلك الأمور هي قوله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً)(27).

لماذا هذا التأكيد على وقت الفجر؟ فان بعد التحقيق يتبين للإنسان أن الله عز وجل يريد بذلك أن يكسب المرء قيمته الذاتية فالبعض يتساءل: لماذا جعلت ركعتان عند الفجر يستيقظ المرء لأدائهما؟

يؤكد العلم الحديث على أن الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر كثيرة منها:

أولاً: تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون في الجو عند الفجر، وتقل تدريجياً حتى تضمحل عند طلوع الشمس، ولهذا الغاز تأثير مفيد على الجهاز العصبي، فهو منشط للعمل الفكري والعضلي، بحيث يجعل ذروة نشاط الإنسان الفكري والعضلي في الصباح الباكر.

ثانياً: إن أشعة الشمس عند شروقها قريبة إلى اللون الأحمر، وهذا اللون منبّه للأعصاب وباعث على اليقظة والحركة، كما أن نسبة الأشعة فوق البنفسجية يمكن أن تكون أكبرها عند الشروق، وهذه الأشعة تحرض الجلد على صنع فيتامين (د).

ثالثاً: الاستيقاظ المبكر يقطع النوم الطويل، وقد تبيّن أن الإنسان الذي ينام ساعات طويلة، وعلى وتيرة واحدة يتعرض للإصابة بأمراض القلب، وهنا تبرز واحدة من ثمار الاستيقاظ في وسط الليل لأداء صلاة الليل.

رابعاً: إن أعلى نسبة للكورتزون في الدم هي وقت الصباح، وأدنى نسبة تكون عند المساء، وهذه المادة هي التي تزيد فاعلية الجسم وتنشّط استقبالاته.

وهذه بعض الفوائد من الناحية الطبية، ناهيك عن الفوائد المعنوية التي يحصل عليها الإنسان(28).

الأئمة (عليهم السلام) والحقائق العلمية

وهناك روايات كثيرة تدل على أهمية الجانب العلمي في الإسلام، فقد جاء عن العالم(29) (عليه السلام): «في العسل شفاء من كل داء، من لعق لعقة عسل على الريق يقطع البلغم، ويكسر الصفراء، ويقطع المرة السوداء ويصفي الذهن ويجوّد الحفظ إذا كان مع اللبان الذكر»(30). وقال أبو عبد الله (عليه السلام): « لعقة العسل فيه شفاء، قال الله تعالى: (مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)(31)»(32).

وعنه (عليه السلام) أيضاً قال: «ما استشفى الناس بمثل العسل»(33).

وهناك أحاديث وروايات أخرى تذكر فوائد العسل، وأنه الدواء المفضل، ثم جاء اليوم العلم الحديث ليكشف سر هذه الكلمات التي مضى عليها مئات السنين.

لقد تعرض علم الطب لمادة العسل، الذي كان وما يزال مادة للاستشفاء من أمراض الجلد، حيث يسرِّع في التئام الجروح وينظفها، وكذلك ينفع لتقرحات الجلد المزمنة، وغيرها من الأمراض الجلدية، و اكتشفوا أن بالعسل يمكن علاج أمراض الجهاز الهضمي، فهو يساعد على الهضم بفعالية الأنزيمات الهاضمة التي يحويها، وكذلك يخفض الحموضة المعدية الزائدة، ويفيد في معظم أمراض الكبد والصفراء، وقد أشار الإمام (صلوات الله عليه) إلى ذلك في الحديث الشريف. وينصح الاستشفاء بالعسل في أمراض التنفس، مثل مرض السل، فان للعسل تأثيراً جيداً على المصاب بالسل؛ لأنه يزيد من مقاومة الجسم للالتهاب السلّي، وكذلك يفيد للسعال الديكي، والتهاب الحنجرة والبلعوم والتهاب القصبات، ويمكن بواسطة العسل علاج العديد من أمراض العين من الالتهابات أو الحروق، والاستشفاء به من أمراض الأنف والأذن والحنجرة، وأمراض النساء وحالات الولادة، وغيرها من الأمراض العديدة، التي يمكن أن يدخل العسل كعلاج رئيسي فيها، وهذا على نحو الإيجاز والاختصار والتفصيل في محله، فإن أئمتنا (عليهم السلام) ذكروا الكثير من الروايات العلمية والتي منها ما يرتبط بالأمراض وكيفية علاجها(34).

التأسي بأئمتنا الهداة (عليهم السلام)

ومن أهم ما يضمن للمرء قيمته هو التمسك بالأئمة الهداة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) والتأسي بهم، فانهم (عليهم السلام) أهل العلم وأصله، وقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إن داود ورث علم الأنبياء، وإن سليمان ورث داود، وإن محمداً (صلى الله عليه وآله) ورث سليمان، وإنا ورثنا محمداً (صلى الله عليه وآله)، وإن عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى» فقال أبو بصير: إن هذا لهو العلم، فقال الإمام: «يا أبا محمد ليس هذا هو العلم، إنما العلم ما يحدث بالليل والنهار يوماً بيوم وساعة بساعة»(35).

وهناك مرويات كثيرة جداً، يظهر من خلالها شأن أهل البيت(عليهم السلام)، وعلميتهم ومكانتهم بما يعجز اللسان عن وصفه، ويقصر التعبير عن أدائه. فكان أئمتنا (عليهم السلام) معدن العلم وورثته عن الأنبياء، والسباقين في كل علم، ولهم مواقف مشرفة سجّلها التاريخ بحروف من نور، يظهر من خلالها سبقهم الأولين والآخرين، في تثبيت معدن العلوم، وذكر الخطوط العريضة لكثير من العلوم؛ مثل الطب والفلك والفلسفة والفقه والرياضيات، وغيرها من العلوم الأخرى(36). فإذا كان حال قادتنا هذا، فلماذا لا يتأسى شبابنا المؤمن بهم (عليهم السلام)، في اتباع إرشاداتهم (عليهم السلام) والمواظبة على تحصيل العلم واتخاذ العلم وسيلة نحو التقدم والرقي، وتذليل الوسائل والمقدمات التي تكون مستصعبة عليهم أحياناً بسبب عدم المعرفة بها وجهلها؟!

العلم الحقيقي

إن أكثر المعضلات والمشاكل تنتج بسبب التخلف وقلة العلم، وعلى العكس فإن زيادة المعرفة وسعة العلم عند المرء تسهّل عليه كثيراً من الصعوبات، وتقربه من الله تعالى ومن الناس، وتكشف له الكثير من الحقائق المهمة، والتي من أهمها معرفة أصول الدين فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وان طالب العلم يستغفر له من في السماوات والأرض، والحيتان في جوف الماء، وان فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدء على سائر الكواكب»(37)، فإذا كان الإنسان يمتلك العلمية الجيدة فانه سيستطيع بواسطة ذلك اتباع الحق، المتمثل بمعرفة الخالق تعالى، وما فرض عليه من واجبات، والتي من ضمنها اتباع الأئمة (عليهم السلام)، فهم الهداة إلى الحق، وبواسطتهم يفوز الإنسان بأعلى المراتب في الدنيا والآخرة. فالأئمة (عليهم السلام) لا يقاس بهم أحد، على حدّ قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد»(38).

فمثلاً: إن مقولة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «قيمة كل امرئ ما يحسنه» تشير إلى أن المرء إذا كان يحسن جيداً معرفة الإمام المعصوم، ويعلم عن يقين طاعة الإمام عليه، واتباعه واحترامه حياً أو ميتاً، فهذه المعرفة العظيمة تكون قيمة له، ومن خلال هذه المعرفة يمكن تقييمه بين الناس، وكذلك عند الله عز وجل.

فعلينا ـ إذن ـ أن نطلب العلم من موارده الحقيقية، وهم الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ؛ لأنهم قطب الرحى في كل مجال، وهم العارفون في كل العلوم، والأدلاء على طرق ومسالك هذه العلوم، فقد ورد عن الإمام الباقر أبو جعفر (عليه السلام): «كل شيء لم يخرج من هذا البيت فهو وبال»(39).

وهنالك مسألة يجدر الالتفات إليها هنا، وهي: إن بالعلم أيضاً يستطيع المرء أن يعرف قدر نفسه، ومقدار قيمته في المجتمع، لا أنه يكتشف مقام الأئمة (عليهم السلام) فحسب. قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون»(40). وهذه الكلمة الشريفة تبين للإنسان مقياساً من خلاله يعرف المرء قدر نفسه، ويقيّم ذاته، ثم قيل عن هذه الكلمة إنه: «لم يسبقه إليها أحد»، وقالوا: «ليس كلمة أحض على طلب العلم منها»، وقد نظم جماعة من الشعراء إعجاباً بهذه الكلمة أبياتا، منها ما يعزى إلى الخليل بن أحمد:

لا يكون العلي مثل الدني

لا ولا الذكاء مثل الغبيّ

قيمة المرء كل ما يحسن المرء

قضاءٌ من الإمام عليّ

وقالوا:

قول علي بن أبي طالب

وهو الإمام العالم المتقنُ

كل امرئ قيمته عندنا

وعند أهل الفضل ما يحسن

وفي الختام نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للعلم والمعرفة والعمل الصالح فإنها قيمة المرء.

اللهم صل على محمد وآل محمد، وأطلق بدعائك لساني، وأنجح به طلبتي، وأعطني به حاجتي، وبلّغني فيه أملي، وقني به رهبتي، وأسبغ به نعماي، واستجب به دعاي، وزك به عملي، تزكية ترحم بها تضرعي وشكواي، وأسألك أن ترحمني وأن ترضى عني، وتستجيب لي، آمين رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

.............................................
(1) نهج البلاغة، قصار الحكم، الرقم: 81.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم: ص153 ح2829 الفصل الرابع في العمل.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم: ص44 ح134 الفصل الثاني في العلم.
(4) غرر الحكم ودرر الكلم: ص99 ح1709 الفصل الثاني في المصائب وفلسفتها.
(5) غوالي اللئالي: ج1 ص380 ح2.
(6) سورة الحجرات: 13.
(7) سورة الرحمن: 1-2.
(8) سورة الرحمن: 3.
(9) سورة الرحمن: 4.
(10) بصائر الدرجات: ج1 باب ثواب العالم والمتعلم ص4 ح10.
(11) أمالي الشيخ الصدوق: ص359 المجلس 57 ح9.
(12) أمالي الشيخ الصدوق: ص615 المجلس 90 ح1.
(13) بصائر الدرجات: ج1 ص2 باب طلب العلم ح3.
(14) غرر الحكم ودرر الكلم: ص41 الفصل الأول أهمية المعرفة ح9.
(15) سورة فاطر: 28.
(16) نهج البلاغة: قصار الحكم: الرقم 81.
(17) هو السيد عبد الهادي بن السيد الميرزا إسماعيل بن السيد رضي الدين الشيرازي (1305 ـ 1382هـ) ولد في سامراء وقرأ جملة من مقدمات العلوم في سامراء وأقام في النجف، هاجر إلى كربلاء المقدسة وحضر على بعض علماءها.
وكان عالم محقق منقب، ذو رأي صائب مع غور في الدليل، قوي الحافظة أديباً شاعراً ينظم الشعر العربي الجيد والفارسي.
وكان من العلماء المجاهدين الذين وقفوا في وجه السلطة الجائرة أيام رواج المد الشيوعي والأفكار الإلحادية بعد (1378هـ ـ 1958م) وأصدر فتواه في (8 شوال 1379هـ/1960م) بأن الشيوعية ضلال وإلحاد ولا يجوز الانتماء إليها.
توفي عصر الجمعة (10 صفر /1382هـ) ودفن في مقبرة ابن عم أبيه المجدد الشيرازي الكبير.
(18) هو المجاهد السيد محسن الطباطبائي الحكيم زعيم العالم الإسلامي ورئيس الطائفة في عصره، المولود في النجف الأشرف سنة (1306هـ) اشترك مع العلماء المجاهدين في جهاد الإنكليز سنة (1333هـ) أفتى سماحته بـ(لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي فان ذلك كفر وإلحاد) وذلك سنة (1379هـ/ 1960م) تتلمذ على مشاهير العلماء منهم الشيخ محمد كاظم الخراساني والسيد محمد سعيد الحبوبي والميرزا محمد حسين النائيني.
(19) هو السيد الميرزا مهدي بن السيد حبيب الحسيني الشيرازي الحائري، ولد في كربلاء المقدسة سنة (1304هـ) ونشأ بها، قرأ مقدماته الأولية فيها، هاجر إلى سامراء وأقام بها مدة لتكميل مقدماته والحضور على علماءها المهاجرين. كان تقياً، ورعاً، عابداً، زاهداً، متواضعاً، شاعراً، كثير الحفظ جيد الخط، وكان حافظاً للقرآن الكريم، وقد روي عمن عاصره أنه كان (رح) صاحب كرامات، وهذا على ذمه العديد من المتصلين به، أمثال: طي الأرض بين النجف وكربلاء وتلقيه رسالة شفوية من الإمام الكاظم (عليه السلام)، وكان من خيرة تلاميذ الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين في العراق، توفي عام (1380هـ) في كربلاء ودفن فيها.
(20) هو السيد آغا حسين بن السيد محمود بن محمد الطباطبائي القمي الحائري من أجلاء العلماء ومشاهير المراجع. ولد في قم عام (1282هـ) حضر بحث السيد المجدد الشيرازي في سامراء عاد إلى طهران في حدود (1306هـ) فلازم أبحاث العلماء الأعاظم مدة غير قصيرة حاز فيها درجة سامية، وفي عام (1321هـ) تشرف إلى سامراء فحضر بحث الميرزا محمد تقي الشيرازي عشر سنين حتى ارتوى من معين فضله، هبط مشهد الرضا(عليه السلام) في خراسان عام (1331هـ) كثرت الرغبة به ومالت القلوب إليه وتقدم على غيره حتى كان أوجه وأجل علماء خراسان.
وفي عام (1354هـ) حدثت نفورة بينه وبين رضا البهلوي ملك إيران آنذاك؛ لأن البهلوي كان يسعى لهلاك العلماء ومحاربة الدين وإماتة السنة وإحياء البدع، راجع طبقات أعلام الشيعة، ونقباء البشر: ج2 ص653 الرقم 1089.
(21) غرر الحكم ودرر الكلم: ص60 ح677 الفصل الثامن وسائل المعرفة.
(22) غرر الحكم ودرر الكلم: ص266 ح5749 الفصل الرابع أسباب الزلل.
(23) المحاسن: ص345 باب فضل السفر ح1.
(24) المحاسن: ص345 باب فضل السفر ح2.
(25) مكارم الأخلاق: ص240 الفصل الأول في السفر.
(26) المزار: ص58 ب27.
(27) سورة الإسراء: 78.
(28) راجع كتاب مع الطب في القرآن، وكتاب الاعجاز الطبي في القرآن.
(29) هو الإمام الكاظم (عليه السلام).
(30) مستدرك الوسائل: ج16 ص366 ب37 ح20199.
(31) سورة النحل: 69.
(32) مستدرك الوسائل: ج16 ص367 ب37 ح20201.
(33) الكافي: ج6 ص332 ح1.
(34) راجع كتاب مع الطب في القرآن الكريم، وكتاب الإعجاز الطبي في القرآن، وبحار الأنوار: ج59.
(35) الكافي: ج1ص225ح4،باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء(عليهم السلام) و..
(36) أنظر بحار الأنوار: ج10 من ص1 احتجاجات أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ص392 احتجاجات الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
(37) غوالي اللئالي: ج1 ص357 ح28.
(38) نهج البلاغة، الخطبة: 2.
(39) الاختصاص: ص31 حديث الغار.
(40) غرر الحكم ودرر الكلم: ص385 ح8774 الفصل الثاني في الإحسان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0