يصادف يوم الخامس عشر من شهر شوال لعام ٣ للهجرة، ذكرى معركة أُحد التي استشهد فيها عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، الحمزة بن عبد المطلب بن هاشم رضوان الله عليه، وعدد من أصحاب الرسول الأعظم، وكان لاستشهاده وقع عظيم على قلبه صلى الله عليه وآله وسلَّم.

وقد دُفن جميع شهداء المعركة على أعالي جبل أُحد، وقد تحوّل المكان إلى مزار ومَعلَم مقدَّس، إضافة إلى ما كان يحمله من جانب أثري وحضاري، لكن المعاول الوهابية لم ترحم الجبل ففعلت ما فعلت به من قبل في مقبرة البقيع المقدّسة في المدينة المنورة. ومقبرة المعلى الشريفة في حجون مكة المكرمة.

وفي هذا الصدد ينقل الرحالة والمستشرق الألماني هيرمان بورخارت عن مشاهداته حول جريمة الهدم قائلًا: "والمسجد الذي شُيِّد حول قبرة الحمزة وغيره من شهداء أُحُد، مثل مصعب بن عمير، وجعفر بن شمّاس، وعبدالله بن جحش.. قد هُدم مع القبة المشادة فوق القبر.. وكذلك على مسافة من هذا المسجد كانت قبة صغيرة تشير إلى المكان الذي أُصيب فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم في موقعة أُحد قد هُدمت أيضًا، وعلى مسافة من هذه القبة تقع قبور اثني عشر صحابيًا من أصحاب الرسول الذين استشهدوا في موقعة أُحد، وقد خرّب الوهابيون قبورهم وعبثوا بها".(١)

في هذا الباب لا يوجد ما يمكن إضافته عما قيل بحق البقيع والمعلى وبيوت أولياء الله التي هُدمت، وهو ثالث مقام قد هُدم وانتهكت حرمته، ولكن في هذا الصدد لنا تعليق حول ما كتبه الأستاذ الدكتور علاء إبراهيم محمود الحسيني حول الجوانب الحقوقية التي من خلالها يمكن متابعة أمر إعمار مقبرة البقيع وسائر الآثار المقدسة؛ حيث ذكر بعض القوانين السعودية والدولية التي تحثّ على حفظ الآثار الدينية والتراثية. (٢)؛ والتعليق عبارة عن نموذجين قد تابع أصحابهما أمر الحفاظ على الآثار وأدت المتابعة إلى نتيجة مطلوبة.

النموذج الأول؛ حينما أرادت السلطات المصرية تحويل مجرى النيل لـ تنفيذ مشروع السد العالي وكان يستدعي ذلك نقل معبد "أبو سمبل"، قام المهتمون بـ مخاطبة منظمة "اليونسكو" ومناشدته لحفظ ذلك الأثر لكي لا تطمسه المياه، ورغم أن ذلك كان في ذروة أحداث الربيع العربي الذي مرّ على مصر عام ٢٠١١، إلا أن ذلك لم يمنع "يونسكو" من التدخل، ذلك لأن الأثر التاريخي لم يخص المصريين وحدهم، وإنما كان ملكًا للتراث العالمي، فقامت المنظمة بواجبها وصانت ذلك المعلم الأثري من أي تخريب. (٣)

النموذج الثاني؛ ما جرى في كاتدرائية نوتردام من حريقٍ هائل أثار تعاطف مختلف الشرائح والملل والنحل الذين أبدوا استعدادهم للتعاون المادي والمعنوي من أجل إعمار الخراب الذي حلّ بـ المبنى التاريخي والديني. (٤)

من خلال هذين النموذجين لو استطاعت المنظمات الحقوقية أو الثقافية أن تقدم لـ منظمة اليونسكو خطة عمل لمشروع إعمار الآثار الإسلامية في الحجاز فإن ذلك سيكون الخطوة الأولى في هذا المجال، ولو أردنا أن ندخل في التفاصيل الدقيقة فإن أول خطوة هي أخذ موعد لقاء مع مكتب منظمة الـ يونسكو ومقرها باريس، وبعد اللقاء لابد من عرضٍ تاريخي عن الأماكن وخلفيات حادثة الهدم الإجرامية، ثم المطالبة بـ ثبت الآثار.. ثم الخطوات اللاحقة التي ستعتبر إنجاز كبير حسب القدرة والاستطاعة الموجودة.. وفيما يرتبط بالعلاقات السياسية؛ فإن مخاطبة الرئيس التركي مثلًا، وذلك من خلال إلقاء الضوء على الآثار الإسلامية-العثمانية المهدَّمة..

علّ الندية بين تركيا والسعودية حول قيادة العالم الإسلامي تحفز تلك المبادرة وهذا يعتبر نموذجًا آخر من الخطوات العملية.

كما يمكن أيضُا مخاطبة أمراء دول الخليج ممن يحمل التصور المغاير للتصور الوهابي، وكذلك لما هو جارٍ في العلاقات الخليجية من توازن قوى، ويمكن لإحياء الآثار الإسلامية في الحجاز أن تدخل في تلك المعادلة.

أما ما يخص القوانين السعودية؛ فلابد من البحث عمن يمتلكون علاقة حسنة مع الجهات السعودية للوساطة ومفاتحتهم في هذا الشأن الإنساني المشترك من الأمر الثقافي والحضاري والثروة الإنسانية وذلك للتأثير على التزمت الوهابي، وهم ليسوا سوى الإدارة الأميركية، وهذا يتطلب دور الجالية المقيمة في الولايات المتحدة من نخب وأفراد ومؤسسات أن تؤدي دورها.. كل هذه نماذج خاطفة جاءت إلى الخلد بشكل سريع، ومن خلال دراسة الأمور بصورة أدق يمكن أن التوصل إلى حلول عملية لها أشد التأثير.

وما التوفيق إلا بالله وهو يهدي السبيل..

.............................................
الهوامش
(١) جعفر الخليلي؛ موسوعة العتبات المقدسة، قسم المدينة المنورة، ص ٢٥٤- ٢٥٥
(٢) الدكتور علاء إبراهيم محمود الحسيني؛ الدكتاتورية الثقافية وأثرها على التراث الإنساني، البقيع إنموذجاً، شبكة النبأ المعلوماتية بتاريخ ١٥ حزيران ٢٠١٩
(٣) عبدالله السناوي؛ حرائق ومرايا نوتردام، صحيفة الشروق، بتاريخ ٢١ أبريل ٢٠١٩
(٤) وكالة الصحافة الفرنسية بتاريخ ١٦ أبريل ٢٠١٩

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1