أقام مركز الإمام محمد الباقر(ع) لإحياء التراث، يوم الاثنين 23 من شهر نيسان (2018)، ندوته الفكرية التخصصية الدورية، بالتعاون مع مكتبة الإمام الحسن(ع) العامة، في مقر المكتبة بالنجف الأشرف، لإحياء التراث الفكري والإنساني لعلماء شيعة أهل البيت(ع). وكان المحاضر في الندوة الموسومة (آية الله الشيخ باقر آل حيدر – أدب وعلم وجهاد) سماحة الشيخ عباس محمد آل حيدر.

وقد تناول الباحث نواحي عدة في حياة الشيخ المترجم له، وهي:

الأولى: نسبه وأسرته.

فهو الشيخ باقر ابن الشيخ علي ابن الشيخ محمد علي ابن الشيخ حيدر.

كان جده الشيخ محمد علي فقيها أصوليا، معاصرا للسيد بحر العلوم والشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء. استوطن في مدينة سوق الشيوخ وبنى مسجدا للشيعة فيها.

أما أبوه الشيخ علي حيدر فكان من تلاميذ الشيخ الانصاري (رضوان الله عليه) البارزين بين الأساتذة العرب في الحوزة النجفية.

ومن هذه الأسرة العلمائية ولد الشيخ باقر حيدر في النجف الاشرف عام 1840 م، وتنقل بين حلقاتها العلمية ولكنه كان أوسع في حركته من الدرس والتدريس بل كان رحمه الله تعالى فقيها أصوليا أديبا شاعرا زعيما قائدا مجاهدا.

الثانية: دراسته وحياته العلمية.

من النجف انتقل مع أستاذه المجدد الشيرازي الى سامراء وتتلمذ على يديه، وبدا ذكاؤه الواضح ونبوغه الذي دفع اكابر علماء عصره على إعلان اجتهاده بالرغم من صغر سنه، وقد درس أيضا عند السيد محمد بحر العلوم صاحب البلغة، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ علي ابن الشيخ باقر ابن الشيخ صاحب الجواهر، والشيخ حسين الخليلي، والشيخ كاظم الخراساني صاحب الكفاية. وقد حاز على شهادات في الاجتهاد والرواية من قبلهم، وهم - آنذاك - مراجع وعلماء عصره.

ومن مؤلفاته:

1-حاشية على القوانين في أصول الفقه.

2- تقريرات أستاذه الشيرازيّ.

3- منظومة في الأصول.

4- ديوان شعر مخطوط. حققه الدكتور عباس الوائلي.

الثالثة: جهوده التربوية والثقافية

بعد عودة الشيخ باقر حيدر الى سوق الشيوخ فقيها وزعيما، فتح بابه - كأبيه -مستكملاً طريق بناء الحياة الأدبية في مدينة الأدب أو كما يسميها الحوماني (سوق عكاظ)، فتربّت على يده مجموعة من الشعراء الذين أسسوا لحركة أدبية ميزت هذه البلدة عن مناطق الجنوب الاخرى بكثرة أدبائها وعلمائها.

الرابعة: زعامته الاجتماعية

رجع الشيخ باقر حيدر بعد وفاة ابيه الشيخ علي وبطلب من أساتذته الاكابر الى سوق الشيوخ على أن يتصرف بنظره ويفتي برأيه، فوصل الى السوق وقد مهد له أبوه وجده زعامة دينية وعشائرية، ولكنه أعلى البناء، وكان زعيم قبائل (الأجود) وصاحب كلمتها، فتمت له الزعامتان، وكان يقضي وينفذ قضاؤه. وهابه الأتراك وآل السعدون لنفاذ كلمته في الناس وطاعة أمره من العام والخاص. تدخل بين الجيش التركي وعشائر حجام وكان الجيش على وشك الهجوم فردهم الشيخ رحمه الله وذلك في عام 1908م.

الخامسة: جهاده وخاتمته

 توجت خاتمة حياته، وقد ناهز بعمره الخامسة والسبعين، بتزعم حركة تاريخية كبرى، وذلك عند وصول خطر الاحتلال الإنكليزي الى بلد المقدسات وارض الحضارات، ونزولهم في الفاو، فهب اعلام الدين وزعماء الصلاح والإصلاح لمواجهة هذا الخطر الداهم على الامة الإسلامية عموما، والمؤمنين خصوصا، وبحكم قرب الشيخ رحمه الله من الخطر، كان أول من تحرك بهذا الصدد، فعن الشيخ علي ال كاشف الغطاء في الحصون المنيعة: " فاستنفر -الشيخ باقر- العشائر والقبائل وسحب التلغرافات لعلماء النجف ومن جملتهم أنا يستنهضهم للجهاد"

 ولكن الظاهر من المراسلات التي احتفظ بها التاريخ، أن المدد تأخر بسبب مرض القائد العسكري التركي، وعدم تحرك العشائر المباشر، إلا بعد أن تدخل العلماء الكبار وخصوصا مرجع العصر السيد اليزدي (رض)، وباقي العلماء، وكان أكثرهم حماسا للأمر وأولهم تحركا هو السيد محمد سعيد الحبوبي (ره)، مما جعل الشيخ باقر لوحده في الميدان، ثم تحركت العشائر بحركة العلماء وأرسل السيد اليزدي ولده لحث العشائر، وخاطب بكتب خاصة كبار الزعماء، وأبرق الشيخ محمد الجواهري (ره) الى الشيخ باقر بان يصبر فإن المدد قادم.

ولما انكسرت القوات الإسلامية وانتحر القائد التركي، وتفرقت العشائر، تأثر الشيخ باقر كثيرا، وسرعان ما تدهور وضعه الصحي، فأوصى بأن لايُنقل من المعركة اذا أدركته الوفاة، وأن يُشيع بين المجاهدين، حتى لا ينشغل المجاهدون بتشييعه وتجهيزه، ويكون وجود جثته في وسط المعركة مشجعا للمجاهدين.

ولكن المعركة انتهت، ورجع السيد الحبوبي والشيخ باقر حيدر الى الناصرية وهما في أشد الحالات النفسية والتعب الجسدي مع كبر سنهما، وكان الشيخ رحمه الله يكثر من التدخين بعد الواقعة لما تصور أنه سيجري على بلاد المسلمين، وعلى العراق من الويلات، واشتد مرضه في سوق الشيوخ، وعاده السيد الحبوبي والقائد التركي، فتقدم القائد التركي على السيد، فغضب الشيخ من هذا وقال: أيؤخر العلوي وهو مقدم.. ويقدم التركي وهو مؤخر.

واشتد عليه المرض حتى قضى نحبه في سوق الشيوخ في محرم 1333 على ما في أكثر المصادر.

شُيّع جثمانه تشيعاً حاشداً مهيباً بين جموع المجاهدين، أهازيج العشائر، ووجوه العلماء والأدباء من سوق الشيوخ حتّى النجف، ورثاه الكثير من العلماء والأدباء والشعراء منهم: العلّامة الشيخ جواد الشبيبي، ومن قصيدته:

عداك النيل أبناء السبيل.....فقد أودى جناح المستنيل

 ومنها:

وبحر العلم ينهل وارديه.....بأعذب من زلال السلسبيل

وقد حضر الندوة جمع غفير من علماء الحوزة وفضلائها وحملة الشهادات الأكاديمية وبعض وجهاء العشائر العراقية في النجف وخارجها. كما حضر الندوة عدد من ممثلي مكاتب المرجعيات الدينية في النجف الأشرف.

وبعد أن أنهى المحاضر محاور البحث، تقدم عدد من الفضلاء بمجموعة من الأسئلة والاستفسارات والمداخلات التي أغنت موضوع المحاضرة وأثرته بما عاد على الحضور بالنفع، وعلى موضوع البحث بالإثراء.

وقد أبدى الحضور ارتياحه الكبير للجهود المتميزة التي يبذلها مركز الإمام محمد الباقر(ع) لإحياء التراث، في طريق إحياء تراث وذكر علمائنا الأعلام الذين شيدوا أركان الفكر، وبذلوا كل غال في سبيل المحافظة على الشريعة المقدسة. متأملين تكرر هذه الندوات النافعة في فرصة قريبة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2