بقلم: آمبر دانس

ظلَّ مرض السُّل وبالًا على البشرية لآلاف السنين. وقد دلَّ على أقدم الحالات المعروفة للإصابة به هيكلان عظميّان يبلغ عمرهما 9 آلاف عام. وعلى الرغم من وجود علاجات حديثة لهذا المرض، فإنه يصيب نحو عشرة ملايين شخص سنويًا. ومن العسير تقديم علاج للمصابين به ودراسته مختبريًا على حدٍّ سواء.

ويتمثَّل أحد جوانب صعوبة التصدّي لهذا المرض في أن البكتيريا المُسَبِّبة له، وهي المُتَفَطِّرة السُلِّيّة، تختبئ داخل الخلايا المناعية ذاتها التي ينشرها الجسم لمكافحتها. وبناء عليه، فإن أي علاجات يجب أن تعبر أغشية الخلايا البشرية قبل حتى محاولة مهاجمة البكتيريا المُسبِّبة للمرض، وهي مناورة تتطلّب الحذر. وبالمثل، يجب على الباحثين الذين يعكفون على دراسة التفاعلات بين الخلايا المضيفة ومُسَبِّب المرض إيجاد طرق لدراسة البكتيريا في الخلايا المُستنبَتَة أو في الحيوانات، بغية استيعاب حقيقة الطبيعة المعقدة لعدوى هذا المرض.

ولا ينطبق هذا على المُتَفَطِّرة السُلِّيّة فحسب. فالأفضل فحص عديد من مُسَبِّبات الأمراض الأخرى التي تتوغل داخل الخلايا، ومن بينها السالمونيلا التيفية الفأرية، والمتدثرة الحثرية، والليسترية المستوحِدة، جنبًا إلى جنب مع الخلايا المُضيفة لها. تعقيبًا على ذلك، يقول ديفيد راسل، اختصاصي بيولوجيا العدوى من جامعة كورنيل في مدينة إيثاكا بولاية نيويورك الأمريكية: "الاهتمام الذي نوليه للمُضيف نوليه هو نفسه تقريبًا لمسبِّب المرض". ويضيف: "أعتقد حقًا أنه لا يُمكِن تفسير نشاط أحدهما دون الآخر".

في الماضي، اتجه العلماء إلى دراسة الخلايا المصابة جُملةً، لأنهم افتقروا إلى الأدوات اللازمة لفحص كل منها على حدة، لكن مؤخرًا، أخذ آلان راسل وفريقه البحثي في الدمج بين تقنيات مختلفة لمعرفة كيف تختلف استجابات الخلايا المُضيفة تجاه مُسبِّبات المرض، وكيف تختلف استجابات مُسبِّبات المرض للخلايا المضيفة من نوع إلى آخر من الخلايا. وقد يؤدِّي فهم آليات العدوى على ذلك المستوى إلى استحداث لقاحات أو علاجات جديدة، وإضافة تفاصيل وفروق دقيقة إلى الاستنتاجات المُستقاة من تحليل مجموعات الخلايا. في ذلك الصدد، تقول آنا كوسينز، اختصاصية المناعة من معهد والتر وإليزا هول للأبحاث الطبية في ضاحية باركفيل بأستراليا: "المجال بصدد معرفة الكثير".

تَعيين التسلسل الجيني على صعيدين

على صعيد الرئتين، يُمكِن أن تصيب المُتَفَطِّرة السُلِّيّة نوعين من الخلايا المناعية: الخلايا البلعمية الكبيرة السِّنْخِيَّة الموجودة في الرئتين، والخلايا البلعمية الكبيرة الخلالية التي تُحشد من مجرى الدم. وقد هدف راسل وفريقه البحثي إلى فهم كيفية تعامل هذه الأنواع ­المختلفة من الخلايا مع البكتيريا، وكيف يُتوقَّع أن تستجيب البكتيريا بدورها لهذه الخلايا. وللوصول إلى إجابة هذا اللغز، قرَّر الفريق البحثي جمع تسلسلات الحمض النووي الريبي من خلايا مُضيفة محدَّدة، ومن البكتيريا سالفة الذكر في حيوانات حية. في هذا السياق، يقول راسل إنه لم يسبق إجراء هذا النوع من تعيين التسلسل الجيني من خلال عدوى داخل الجسم الحي.

احتاج الفريق بدايةً إلى وسيلة تدلّه على سلوك البكتيريا في الخلايا المُضيفة أو -تحديدًا- الوقوف على جين من شأن البكتيريا مهاجمته في معركتها للبقاء على قيد الحياة. وبعد سنوات من الفحوص، اختار الفريق البحثي عنصرًا منظمًا للتعبير الجيني في جين الاستجابة للإجهاد (hspx).وثبَّتوا هذا العنصر على جين مسؤول عن إنتاج بروتين متألق أخضر، لتتوهَّج مُسبِّبات المرض التي تتعرّض للإجهاد بهذا اللون. واستعان الفريق البحثي ببروتين ثانٍ يتألق دائمًا باللون الأحمر في مجموعة مقارنة.

بعد ذلك، أصاب الفريق البحثي فئرانًا بالعدوى بهذه السلالة الموسومة بكاشفين. وبعد ثلاثة أسابيع، حدَّدوا المناطق المتجانسة في رئات الفئران وفرزوا خلاياها التي احتوت على بكتيريا حمراء سليمة، وتلك التي استضافت بكتيريا مُجهدة يجتمع فيها اللونان الأحمر والأخضر1.

وكانت الخطوة التالية عزل الحمض النووي الريبي للخلايا المُضيفة والبكتيريا المُمْرِضة، وتَعيين تسلسلهما. عن ذلك، يقول راسل إن هذا لم يكن إجراء هينًا على الإطلاق. فلتفادي تلويث الحمض النووي الريبي للخلايا المُضيفة بالمواد البكتيرية، والعكس صحيح، تعيَّن على الفريق عزل الحمض النووي الريبي من كل منهما تدريجيًا. فأولًا، استخدم الفريق محلولًا كيميائيًّا يُسمَّى «تريزول» Trizol لفتح الخلايا المُضيفة عنوةً. وبمجرد عزل الحمض النووي الريبي حقيقي النَّواة، استخدموا كريات لفتح خلايا المُتَفَطِّرة السُلِّيّة عنوةً واستخراج حمضها النووي الريبي.

أنماط الإجهاد

كشفت التسلسلات الجينية التي ظهرت نتيجةً لذلك عن أنماط واضحة في استجابة الخلايا المُضيفة، ومُسَبِّب المرض لبعضهما. إذ حملت الخلايا البلعمية الكبيرة التي شنَّت دفاعات فاعلة، استُدِل عليها من وجود تسلسلات حمض نووي ريبي لجينات دفاعية، مزيدًا من البكتيريا المُعرضة للإجهاد من نظيراتها التي فشلت في السيطرة على البكتيريا. وقد فوجئ راسل بأن ترانسكريبتومات الخلايا المُضيفة، والبكتيريا تأخذ هيئة متراصة إلى حد كبير.

وبوجه عام، مالت الخلايا البلعمية الكبيرة الخلالية إلى النجاح في السيطرة على العدوى البكتيرية بدرجة أكبر من نظيرتها السِّنْخِيَّة. فأنتجت، على سبيل المثال، بروتينًا يصنع أكسيد النيتريك لمهاجمة البكتيريا الغازية. ومع ذلك، بدرت أيضًا الاستجابة ذاتها من مجموعة فرعية من الخلايا البلعمية الكبيرة السِّنْخِيَّة.

في ذلك الصدد، يقول راسل إن هذا النوع من المعلومات قد يكون مفيدًا لجهات تطوير اللقاحات. فعلى الرغم من وجود لقاح لمرض السُّل، فإنه غير فعَّال لدى البالغين. وقد يمكن لجهات تطوير اللقاحات التغلب على هذه المشكلة، حسبما يشير، من خلال تحسين تركيب لقاحاتهم لتُحفِّز استجابة مناعية تتسم بالكفاءة من الخلايا البلعمية الكبيرة.

وتطرح الدراسة أيضًا قائمة طويلة بجينات في الخلايا المُضيفة، يُتوقَّع أن ترشد الباحثين إلى مسارات تُعزِّز بقاء البكتيريا أو تعترضه.

تقنية تصوير مزدوجة

ساندر فان كاستيرن، اختصاصي البيولوجيا الكيميائية من جامعة لايدن في هولندا، يصف دراسة راسل بأنها: "إنجاز باهر" ، معلّلًا لذلك بقوله: "هذا المستوى من التفاصيل مذهل".

وهو خبير في هذا الصدد. فالفريق البحثي في مُختَبَرهِ عاكف بدوره على دراسة المُتَفَطِّرة السُلِّيّة والسالمونيلا المعوية على مستوى خلايا مضيفة مفردة، إلا أنهم درسوها في أنسجة مستَزرَعة، وليس داخل الجسم الحي3،2. وهم يستخدمون تقنية تصوير مزدوجة تُسمَّى الفحص المجهري الإلكتروني الضوئي المتكامل (CLEM)، تبدأ بالفحص المجهري الفلوري للبحث عن واسمات فلورية مُحَدّدة، ثم استخدام هذا الفحص المجهري الإلكتروني لتصوير البنية دون الخلوية للخلايا المُضيفة.

"هذا المستوى من التفاصيل مذهل"

ولتركيب الواسمات الفلورية بالجزيئات محلّ الدراسة، استخدم الفريق تقنية تُسمَّى الكيمياء النقرية، ومن خلالها يدمج التفاعل النقري التقليدي في وجود نحاس مجموعة أزيدات غنية بالنيتروجين مع مجموعة كربون ثلاثية الترابط تُشكّل ما يُسمّى بالألكين. بعد ذلك، يُلقِّم الباحثون المُتَفَطِّرة السُلِّيّة بنظير يحتوي على الأزيد للحمض الأميني ميثيونين، وبصورة تحتوي على الألكين للحمض الأميني ألانين تُستَخدَم فقط في جدران الخلايا البكتيرية2.

وبعد حدوث العدوى وتثبيت الخلايا المُضيفة، أضاف الفريق البحثي فلوروفور أخضر يحتوي على ألكين، ثُبِّت على نظير الميثيونين لتوسيم البروتينات البكتيرية، وفلوروفور أحمر مع أزيد لتصوير جدران الخلايا البكتيرية. وكشفت الصور الناتجة التي جُمِّعت باستخدام الفحص المجهري الفلوري متَّحد البؤر، عن مكان وجود البكتيريا في الخلايا على وجه التقريب، وعما إذا كانت خلايا البكتيريا قد فقدت جدرانها الدفاعية، أم لا. وفي الأحوال العادية، كانت تجربة الفحص المجهري ستتوقَّف عند هذا الحدّ. لكن بالنسبة لعضو فريق المُختَبَر توماس باكوم، لم تكن هذه سوى الخطوة الأولى.

أخذ باكوم شرائح العينات نفسها، واستخدم مجهرًا إلكترونيًا نافذًا لتصوير الخلايا على المستوى النانوي. وبمراكبة الصور الضوئية والإلكترونية لتكوين صور ضخمة، بلغت مساحتها 144 مترًا مربعًا، أمكن لباكوم أن يلحظ بدقة شكل البكتيريا وأي عضِّيَّات خلوية ترتبط بها. ووجد أن البكتيريا الميّتة مالت إلى التجمع في حجيرات خلوية كبيرة تُسمّى بالفجوات العصارية، بينما وُجِدَت الميكروبات الحية بوجه عام في العُصارة الخلوية، وهي المادة التي تملأ الجزء الداخلي من الخلية.

ورأى باكوم أن الاستخدام الأكثر منطقية لهذه التقنية هو اختبار فاعلية المضادات الحيوية الجديدة في الخلايا المُستَنبَتة. ويُتوقع أن يسمح الفحص المجهري الإلكتروني الضوئي المتكامل للباحثين بالوقوف على تأثير العقاقير في مواضع تراكم البكتيريا، والتحقق مما إذا كانت البكتيريا تفقد جدران خلاياها، أم لا. وللبرهنة على صحة منظوره هذا، اختبر فاعلية بعض المضادات الحيوية المقاومة لمرض السلِّ في العينات.

وعلى غرار راسل، رأى باكوم وفريقه البحثي أن الخلايا البكتيرية لا تُظهر دائمًا الاستجابة نفسها للبيئات الخلوية التي تبدو مُتجانسة. فحتى داخل الخلية الواحدة، دُمر بعض البكتيريا، وبعضها الآخر لم يطرأ عليه تغيير، وبعض ثالث اتَّخذ شكلًا غريبًا ذا زوايا حادة، على حد قول فان كاستيرن، الذي يتكهَّن بأن بعض هذه الاستجابات المتنوعة للعلاج قد يساعد البكتيريا في البقاء على قيد الحياة.

مستودع دوائي

استعان أيضًا ماكسيميليانو جوتيريز، اختصاصي البيولوجيا الخلوية من معهد فرانسيس كريك في لندن، بالفحص المجهري الإلكتروني الضوئي المتكامل لدراسة فاعلية عدد من المضادات الحيوية، لكن مع إضفاء لمسة من حقل الكيمياء التحليلية. فلأغراض دراسة نُشِرَت في عام 2019، أراد جوتيريز تحديد موضع ذرات البروم في المضاد الحيوي بيداكويلين، الذي يُستَخدَم في علاج مرض السُّل المُقاوِم للأدوية، لمعرفة أين ينتهي المطاف بهذا العقار في الجسم. وبعد دراسة عيّنات باستخدام الفحص المجهري الضوئي والفحص المجهري الإلكتروني، أخضع فريقه العينات لشكل من قياس الطيف الكتلي، يُسمَّى بالفحص المجهري الأيوني، وهو يجمع بيانات الوزن الجزيئي وبيانات تَمَوضُع البروم.

وكشف التحليل أن بيداكويلين اتَّجه إلى التراكم في قُطيرات دهنية داخل الخلايا المُضيفة للبكتيريا. فكانت هذه القطيرات نوعًا ما كمستودع للمضادات الحيوية، لأن البكتيريا قد تُنَقِّب عنها للحصول على الطاقة، وتمتصّ العقار خلال هذه العملية. وعلى الرغم من أن شركات الأدوية تحاول عادةً تجنُّب إنتاج العقاقير التي تذوب في الدهون لأنها لا تدوم طويلًا في الجسم، يقول جوتيريز إن دراسته تشير إلى أنه على شركات الأدوية عدم التردد في النظر إلى استخدام هذه المركبات لعلاج مرض السُّل.

كما يقول جوتيريز إن نهج التصوير الثلاثي هذا الذي استخدمه لعِب دورًا بالغ الأهمية في اكتشافات فريقه. ويعبِّر عن ذلك قائلًا إنه: "الطريقة الوحيدة التي يُمكِن من خلالها تصوير المناطق التي تنتهي إليها العقاقير". ويضيف فان كاستيرن أن هذه الأنواع من الدراسات متعددة النماذج قد تمثّل مستقبل أبحاث الخلايا المُضيفة ومُسَبِّبات الأمراض، لكن، حسب قوله، بإمكان الباحثين الذهاب إلى أبعد من ذلك، ربما بالجمع بين نهجه المتمثّل في الوسم بالكيمياء النقرية لتحديد الخلايا الجديرة بالاهتمام، واستخدام تقنية تعيين التسلسل الجيني للخلايا المضيفة والبكتيريا التي انتهجها راسل للاقتراب من فهم استجابات كليهما. وربما بعد مرور نحو 9 آلاف عام على اكتشاف أول إصابة بالسلِّ، يمنح الجمع بين هذه التقنيات أخيرًا العلماء مزايا قوية في سعيهم للسيطرة على المرض.

اضف تعليق