بقلم باميلا فيليسيانو

بعض السِّمات الأصعب لحالات التوحُّد يمكن تفسيرها بوجود أوجه عجز في مهارات التنبؤ لدى المصابين. يصعب على بعض الأشخاص المصابين بمرض التَّوَحُّد التنبؤ بالنمط المنتظم للضربات على بندول الإيقاع.

بصفتنا كائناتٍ اجتماعية، فعندما تتطرق أذهاننا إلى مرض التوحُّد، نميل إلى التَّركيز على التحديات الاجتماعية المُصاحِبة له، مثل صعوبة التواصل وتعسُّر تكوين الصداقات وإظهار التعاطف، أنا متخصصة في علم الوراثة وأم لمراهق مُصاب بمرض التَّوَحُّد، وعلى غرار آخرين يمرون بتجربة مماثلة، لا شيء يثير قلقي كتلك الأسئلة التي تراودني حول ما إذا كان ابني سيتمتع بمهارات التخاطب اللازمة لممارسة الأمور الأساسية مثل التسوق في محل البقالة أو ما إذا كان سيكون لديه صديق حقيقي، ولكنني أؤكد لكم أن التحديات غير الاجتماعية لمرض التوحُّد تشغلنا بالقدر نفسه؛ إذ تتمحور حياتنا حول التعامل مع سِمات مثل الإصرار الشديد على الالتزام بأنماط سلوكية لا حياد عنها، والاستجابات غير النمطية للمحفِّزات الحسِّية، والقدرة الفذّة على اكتشاف التفاصيل الصغيرة، وقد ظهرت محاولات عديدة سعى أصحابها لطرح تفسير كلي لأعراض مرض التوحُّد، ولكن لم يُفلِح أيها حتى الآن في شرح جميع السِّمات المحيِّرة والمتنوعة المُصاحِبة للحالة.

ويعتقد عدد متزايد من علماء الإدراك العصبي في الوقت الراهن أن العديد من السِّمات الموجودة لدى الأشخاص المُصابين باضطراب طيف التوحُّد (ASD) يُمكِن تفسيرها بأنها تنبع في الأساس من حالات قصور في المهارات التنبُّئية، وهي الفرضية التي بدأ العلماء في اختبارها.

بشكل عام، يستنبط العقل البشري ما سيحدث لاحقًا استنادًا إلى معطيات الوضع الراهن، بالإضافة إلى ما نستحضره من التجارب السابقة، ويقدم العلماء تفسيرًا نظريًّا لذلك فحواه أن الأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحُّد لديهم اختلافات تُشَوِّش قدرتهم على التنبؤ، ولا يعني ذلك أن الأشخاص المصابين بمرض التَّوَحُّد لا يستطيعون التنبؤ؛ فكل ما في الأمر أن تنبؤاتهم يشوبها الخطأ لأنهم ينظرون إلى العالم "بدقة أكثر من اللازم"، وبالتالي، فإن تنبؤاتهم تكون أقل تأثرًا بالتجارب السابقة وأكثر تأثرًا بما يشهدونه في اللحظة الراهنة؛ فهم يبالغون في التركيز على "اللحظة".

عندما تكون الروابط بين حدثٍ ما ونتيجةٍ ما واضحة جدًّا، يستطيع الأشخاص المصابون باضطراب طيف التوحُّد إدراكها، ولكن العالم الواقعي هو عبارة عن بيئة دائمة التغيُّر ويتخللها كثيرٌ من التعقيد، فلا يتضح أحيانًا السبب وراء وقوع الاحتمال الذي كان مستبعدًا أو الاضطرار إلى الانحراف عن مسار كان مرسومًا بعناية، ويواجه العديد من الأشخاص المصابين بمرض التوحُّد صعوبة في تحديد الإشارات الأكثر أهميةً التي عليهم الاسترشاد بها، نظرًا لوجود عدد كبير للغاية من الإشارات الأخرى التي تُعَقِّد الوضع وتتنافس على جذب انتباههم.

قبل خمس سنوات، أطلقت مبادرة مؤسسة سيمونز لأبحاث مرض التوحُّد مشروع "سيمونز لدعم أبحاث مرض التوحُّد ونشر المعرفة"، والمعروف اختصارًا باسم "سبارك" (SPARK)، وهو يقوم على تسخير قوة البيانات الضخمة لخدمة أغراض بحثية متعلقة بالتوحُّد عن طريق الاستعانة بمئات الآلاف من الأفراد المصابين بمرض التوحُّد وأفراد أسرهم للمشاركة في الأبحاث؛ فكلما زاد عدد الأشخاص المشاركين، أصبحت مجموعات البيانات أعمق وأكثر ثراءً، وهو ما يُحفِّز إجراء الأبحاث التي من شأنها توسيع نطاق معرفتنا بكلٍّ من الجانب البيولوجي والسلوكي للتوحُّد، بما يكفي لوضع مناهج أكثر دقةً للتعامل مع المسائل الطبية والسلوكية، ويسعى العلماء الآن للاستعانة بالمشاركين في مشروع "سبارك" في دراسة أبرز جوانب عملية التنبؤ عندهم عن كثب، وهناك جانبان يُمكِن ملاحظتهما بصورة مباشرة، وهما: القدرة على معرفة الصلة بين حدثٍ "سابق" ونتائجه، وكيفية التجاوب مع الأحداث المُتوقَّعة.

ومؤخرًا، نشر باوان سينها -العالِم بمعهد ماساتشوستس للتقنية- نتائج لدراسة أجراها تُبيِّن أن المشاركين في تلك الدراسة من الأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحُّد كانت استجاباتهم لسماع سلسلة منتظمة للغاية من النغمات الصادرة عن بندول الإيقاع مختلفة تمامًا عن استجابات غير المُصابين باضطراب طيف التوحُّد، وفي حين أن الأشخاص غير المصابين باضطراب طيف التوحُّد "يألفون" تسلسل النغمات المنتظمة، فإن الأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحُّد لا يألفون تلك الأصوات بمرور الوقت، ففي الواقع، كانت استجاباتهم لسماع تسلسل النغمات بعد عدة دقائق من تشغيلها لأول مرة على القدر نفسه من القوة، وبالاستعانة بالمنصة الرقمية القوية لمشروع "سبارك"، أصبح الآن بإمكان سينها وزملائه إجراء تجارب مماثلة عبر الإنترنت بمشاركة عدد أكبر بكثير من الأشخاص المصابين بمرض التوحُّد.

ووفق ما يُسَلِّم الباحثون بصحته، فإن العلاقة بين انخفاض قدرة الأشخاص المصابين بمرض التوحُّد على الاستجابة للمُحفِّزات وحجم التحديات التي يواجهونها في العالم الواقعي لا تزال غير واضحة، ولكن من الممكن سد تلك الفجوة المعرفية عن طريق إخضاع جوانب متعددة من عملية التنبؤ للدراسة في سياقات طبيعية أكثر وبمشاركة عدد أكبر من الأشخاص، وفي نهاية المطاف، فإن فهم العمليات الإدراكية التي تدور في أذهان المصابين بمرض التوحُّد على نحوٍ أفضل قد يساعد في تحسين إجراءات التدخُّل، ومن ذلك تصميم إجراءات التدخُّل المختلفة القائمة على التنبؤ بما يتناسب مع الأفراد على اختلاف أنماط التنبؤ لديهم.

كل أب وأم لمراهق يواجهان نصيبهما من التحديات، وبالنسبة لي، فإن التحدي الذي أواجهه باستمرار في حالة ابني يتمثل فيما يُبديه من استمتاع بالانخراط في سلوكيات من شأنها أن تثير رد فعل من أحدهم، بعض هذه "العادات" لها عواقب بسيطة؛ فعلى سبيل المثال، يحب تفريغ زجاجات كاملة من الصابون والمنظفات وزيت الطهي، كما يحب الإلقاء بالأشياء من نافذته، لأكثر من مرة كنت في الخارج لتمشية الكلب ولاحظت وجود سروال على سطح منزلنا.

وفي حين أنه لا يمكن لأحد أن ينكر الشعور بالارتياح الناتج عن إلقاء الكثير من زيت الزيتون الفاخر في مصرف المياه، إلا أنه من المستحيل بالنسبة لي أن أفهم تمامًا سبب فعل ابني لأيٍّ من هذه الأمور، ومع ذلك، يساورني شكٌّ قويٌّ في أن السبب وراء ذلك هو عِلمه بأن هذه السلوكيات ستثير رد فعل متوقعًا مني، لقد تعلمت أنه كلما زاد تجاوُبي، زادت دوافعه للتصرف بهذه الطريقة، لذلك، فالآن عندما أجد زجاجة منظف فارغة في غرفة الغسيل -أو لفة كاملة من ورق التواليت في وعاء الغسيل- لا أُضَخِّم من الأمر.

ثم يأتي الاختبار الأصعب؛ فأحد أكثر سلوكياته إشكاليةً هو لمْس مؤخرة كلبنا، هو يعلم أنه لا ينبغي فعل ذلك، ولكنه يعلم أيضًا أن أحدهم -على الأرجح- سيشهق بصوتٍ عالٍ ثم يأمره بأن يغسل يديه، فإذا كانت قدرته على التنبؤ ضعيفة، فمن المنطقي أن فِعله لأشياء تثير ردود أفعال مُتَوَقَّعة يُشعِره بالارتياح، إن وجود إطار عِلمي يفسِّر سلوكياته يساعدني في التأقلم معها، والأهم من ذلك أن فهم الأمور على نحوٍ أفضل يَزيد من تعاطفي معه، ويساعدني في تفسير أفعاله بشكل أوضح للآخرين، كما يذكِّرني بالتحكم في قوة ردود أفعالي.

ويستعين العلماء أيضًا بمشروع "سبارك" لدراسة جوانب أخرى من عملية التنبؤ في حالات التَّوَحُّد، من ضمنها اللغة، وتعمل جيسي سنيديكر -العالِمة بجامعة هارفارد- على جذب مشاركين في مشروع "سبارك" للانضمام إلى تجربة تسعى لمعرفة ما إذا كان الأطفال المصابون بمرض التوحُّد أقل قدرةً على الخروج بتنبؤات دقيقة في أثناء محاولة فَهم جمل بسيطة باللغة الطبيعية أم لا، وسيكون من شأن مثل هذه التجارب الاستقصاء حول ما إذا كان الأطفال المصابون بمرض التوحُّد يختلفون في استخدام السياق اللغوي للتنبؤ بالكلمات القادمة عند سماع قصةٍ أو محادثةٍ أم لا، وستساعد النتائج العلماء في الوقوف على ما إذا كانت أوجه القصور في عملية التنبؤ لدى أشخاص مختلفين مصابين بمرض التوحُّد تظهر على نطاق أوسع أو أضيق مما هو مُتوقَّع في مجالات مختلفة من الحياة.

وبصفتي والدة وباحثة، فإن أملي الأكبر هو مساعدة مَن هن مثلي من الأمهات، والأطفال ممن هم في حالة ابني ديلان نفسها، والعائلات التي تشبه عائلتي، إن تحديات فَهم مرض التوحُّد كثيرة، لكن فَهم الأنماط التنبُّئية في حالات التوحُّد على نحوٍ أفضل سيساعدنا جميعًا -كباحثين وكعائلات على حدًّ سواء- في فَهم "الأسئلة" العديدة التي تظل سِمةً مُميِّزةً لمرض التوحُّد.

اضف تعليق