يومان مرت قبل عثور الجهد الهندسي في مديرية الدفاع المدني على جثة الطفل كرار ذي الستة اعوام والتي ابتلعتها أنابيب المجاري لإحدى "البالوعات" في منطقة الصليخ شمالي مدينة بغداد. وفي واحدة من صور الغيرة العراقية الأصلية فقد ابتلعت تلك "البالوعة الملعونة " شقيقان دفعتهم غيرتهم لإنقاذه ولكنهما فارقا الحياة لاختناقهما بالغازات السامة فيها.

كرار واحد من ضحيا الفساد، أما لماذا الفساد، فلو كانت أمانة وبغداد والدوائر المسؤولة عن تأثيث الشوارع ومراقبة ما يحدث فيها من تكسرات وتهدم وتدمير لفتحات المجاري الكبيرة تلك التي كثيراً ما نراها وقد فتحت فاها لإلتقاف الابرياء ولو كان بلدية المنطقة قد قامت بكامل واجباتها لما كان لنا نوع جديد من الموت خنقاً في "بلاليع المجاري"، في تنوع غريب لطرق موتنا.

الحديث طويل عن تلك الفتحات القاتلة، فهي حتى إن لم تقتلك فسوف تصيبك بكسور شديدة وفي بعض الاحيان يغطي طفح المجاري على مناطق تواجدها في الشوارع، لم نعمل مطلقاً لتجديدها ومراقبتها بين فترة وأخرى لضمان عدم تحطمها تحت أقدام أحد، في أحد الأعوام الماضية حينما كانت التخصيصات التي تضعها الموازنة للمحافظات والمجالس البلدية تنتهي بفائض مالي في نهاية العام فيبدأ التخبط في صرفها، زراعة اشجار تموت بعد شهر، وضع أوعية كبيرة من الفخار لزراعة اشجار معمرة، تصبح مكباً للنفايات بعد فترة قصيرة أو استخدام ديكورات مضحكة تعلق على أعمدة النور من البلاستك، لتسقط أزهار البلاستك بعد فترة وتتناثر تحت عجلات السيارات، أو أن يتم عمل الانارة الديكورية العجيبة عن مداخل الاحياء والجسور والتي تعطل أغلبها، المهم أن تصرف مهما كان نوع الصرف، ووحدها موازنة 2013 تشهد على تلك الصرفيات الغريبة.

لم يفكر أحداً مطلقاً في إدامة الشوارع وغلق تلك الفتحات القاتلة التي تبتلع أطفالنا، أمانة بغداد، كانت قد قررت السبت "سحب يد" مدير عام بلدية الأعظمية ومعاونه لحين اكتمال الاجراءات التحقيقية بشأن وفاة الشابين والطفل جراء سقوطهم في البالوعة، مؤكدةً أن عدداً كبيراً من مشبكات المجاري يتم سرقتها من قبل بعض "ضعاف النفوس".

ومن قال لكم اننا في جمهورية الاخلاق الحميدة فضعاف النفوس أكثر من غيرهم ومن الممكن أن يقتل العراقي لا أن يسرق مشبكاً لبالوعة ولكن لماذا يسرق؟ اليس الغرض منه بيعها.. فلماذا لا تقوم الأمانة بتصنيع مشبكات خاصة ـ بالتعاون مع شركات وزارة الصناعة الخاملة تحتوي على اسمها محفوراً وتحذر من بيعها في الاسواق المحلية ويتم تكليف المؤسسات الأمنية بمتابعتها كما يحدث في بلدان الجوار حين ترى أن إسم البلدية محفوراً على تلك الفتحات الجميلة.

ضعفت أفكاركم عن إنتاج الرؤية الحقيقية لمدينتنا ومنذ كانت لنا خزينة اموال تكفي لكل شيء، واليوم حتى لو نضجت أفكاركم فسوف لن تتمكن قريحتكم من إنتاج أفكار جديدة لحياتنا فهي عقيمة وعقمها نتيجته الحتمية أن نموت بطرق جديدة كل يوم وهذا هو النتاج فقط.

نذكر أن بعد كارثة زلزال مدينة كوبي اليابانية، عام 1995، وُجد رئيس بلدية المدينة منتحراً وهو معلق في إحدى الأشجار وقد ترك رسالة يقول فيها (المسؤول الذي يعجز عن إيصال خدمة مياه الشرب لأبناء مدينته إثناء كارثة وطنية كهذه لا يستحق الحياة) !!

أنها "بالوعة الصليخ" واحدة من "بالوعات الفساد" فكيف بالآلاف منها إبتلعت منا ولازالت مليارات الدولارات على مدى عقد من الزمن.. من يغلقها.. والى الأبد..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1