خلف الإيمان والرضى، علّة وفلسفة لحياة الانسان بأن يعرف حجمه الحقيقي أمام رغباته وطموحاته، فليس كل شيء يريده يعني أنه يصب في مصلحته كما يتصور الكثير، وطالما أصيب البعض بكوارث في حياتهم لإصرارهم على ما يريدون، ومنها ما تتشضّى آثاره السيئة على المحيط الاجتماعي والأسري...
الرغبة الجامحة في إحراز الأكثر في عالم الماديات وعالم المعنويات، تدفع الى بذل المزيد من الجهد مع الأمل والتطلع الى البعيد، وعدم الاقتناع بالموجود مهما كان.
وهذا يعد حالة صحية في مسيرة التكامل الاجتماعي والاقتصادي، في تكوين أسرة من خلال الزواج رجاء الإنجاب، وقبلها توفير فرصة عمل تغطي تكاليف المعيشة، وفي مختلف نواحي الحياة، وفي الآية الكريمة التي تحدثت عن لسان رسول الله، صلى الله عليه وآله، فيما يتعلق بمسألة علمه بالغيب: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ}، وهو دليل مشروعية الاستكثار في طريق الحق.
ولكن! هذه الحالة لا تُعد صحية عندما تكون لتجاوز الوضع القائم المقدّر للانسان من الله –تعالى- فثمة أمور قابلة للاكتساب، او التغيير، مثل العلم والمال، بينما أمور مقدّرة وفق حكمة معينة، كأن يكون مستوى فقيراً، أو يعيش فاقداً أحد أطرافه، او يكون بصيراً، أو يكون وضعه الاجتماعي ليس بمستوى طموحه، كأن يكون زواجه دون إنجاب، أو يكون ثمة إنجاب، ولكن إنجاب اطفال معاقين، او عدم دخول الكلية ذات التخصص المرموق مثل الطب او الهندسة، وما الى ذلك من أمثلة لا تُعد.
لذا يعد الرضى، من المفاهيم المقدسة في الاسلام ذات البعد النفسي والاجتماعي، المؤثر مباشرة في مراقي السعادة بالحياة، وجاءت تأكيدات وافرة من المعصومين في فضيلة الرضى، و اهميتها في عقيدة الانسان المؤمن الى درجة أن يعدها أمير المؤمنين في "غُرر الحكم" أصل الدين: "الدين شجرة أصلها الرضى والتسليم"، كما جعلها، عليه السلام، معياراً للعقل: "حدّ العقل النظر في العواقب و الرضى بما يجري به القضاء"، كما جاءت المحاذير من السخط والتذمّر، وفي نفس المصدر عنه، عليه السلام: "من تسخّط بالمقدور حلّ به المحذور".
ماذا يصنعه عدم الرضى؟!
من المفاتيح السحرية للتنمية والتقدم في الحضارة الاسلامية، الدعوة لاستثمار القدرات المتوفرة وعدم تجاهلها بدعوى الاستزادة منها، او رجاء الحصول على الأكثر، وكان هذا أحد اسرار تقدم المسلمين علمياً واقتصادياً في فترات تاريخية متفاوتة، و أول درس كان من رسول الله، صلى الله عليه وآله، مع ذلك الرجل الطامح لتغيير وضعه المعيشي من الفقر الى الغنى، فنصحه الرسول بالرضا بما عنده، وكان من المصلين المواظبين على أداء الفرائض خلف رسول الله في المسجد، وبعد الإلحاح، أعطاه النبي الأكرم درهماً واحداً وقال له: خذ هذا الدرهم واسترزق منه علّ الله يفتح عليك ابواب الرزق –مضمون الرواية-، وهو ما حصل بالفعل، فقد انفتحت عليه ابواب الرزق وانمهرت عليه الارباح ببركة ذلك الدرهم الذي اشترى به لبناً ثم باعه وحصل درهمين، ثم اشترى كبشاً وباعه و ربح عليه، وهكذا، تدرج من البيع الى الشراء ليصبح مالكاً لعدد كبير من الاغنام والماشية، وذات يوم سأل عنه رسول الله، لأنه افتقده من الصف الأول في صلاة الجماعة، فقيل إنه تحول الى تاجر للماشية، فجاء النبي الأكرم الى متجره زائراً وطلب منه ذلك الدرهم، فأعاده اليه، ومنها بدأت تجارته في التراجع حتى عاد ذلك الرجل الفقير ذو الدخل المحدود والمواظب على صلاة الجماعة، وعلى الاحكام الشرعية، لأنه –حسب الرواية- امتنع عن إعطاء الخمس مما يغنم من تجارته عندما وجد الرقم عالياً!
وثمة اعتقاداً أن الرضى بالضرورة يكون في عالم المادة، بينما يمكن ان يكون في عالم المعنويات وهو الاكثر تأثيراً في مسار الحياة، فذلك الرجل كان مفترض به الاستفادة من قربه الى رسول الله أن يستزيد من المعارف والعلوم ليسمو كما سما شخص مثل أبي ذر، وكان فقيراً ايضاً وبشكل مدقع، ولكن حالته المعيشية لم تدفعه يوماً لأن يسأل عن المال، بقدر ما كان يبحث عن الحكم والوصايا من لسان رسول الله، فخلّف لنا تركة عظيمة بعنوان: "وصايا رسول الله الى أبي ذر"، في قصة معروفة عندما جاء الى المسجد و وجد النبي جالساً لوحده فاغتنم الفرصة الذهبية والتاريخية.
ونفس الامر نجده في محيطنا الاجتماعي وكيف أن عدم الرضى بما يقسم الله للانسان يصيب النفس بفيروس القلق وعدم الاستقرار، وايضاً؛ بالغضب والانفعال لأبسط شيء يفتقده، ثم يتحول الى ورم خطير تمنعه من رؤية نِعم عظيمة حوله مثل امتلاكه البيت ، والسيارة، والاولاد الأصحاء، والزوجة الصالحة، والمردود المالي الجيد، إلا أن الشكوى من أشياء مفقودة تحجب الرؤية عن اشياء كثيرة موجودة بسبب عدم الرضى والسخط المستمر على ما يصفه البعض "الحظ العاثر" لأنه لم يحصل على تلك الوظيفة المرموقة، او البيت الأكبر في المنطقة الأرقى، أو ان تنجب له زوجته ولداً ذكراً، وليس فقط إناث!
الإيمان والاطمئنان
الرضا يحقق الاطمئنان عندما يكون هذا الرضا مستنداً الى الإيمان الراسخ والعميق بالله –تعالى- بأنه حكيم في كل شيء، ولا يصنع بخلقه إلا لمصلحة فيها لهم، ولذا جاء في كتاب "نهج الشيعة- وصايا الإمام الصادق الى شيعته" لسماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي –حفظه الله- إشارته الى العلاقة العضوية بين الرضى بقضاء الله وقدره، والإيمان به –تعالى-: "اعلموا أنه لن يؤمن عبدٌ من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه، وصنع به، على ما أحبّ وكرِه"، ويوضح سماحته كلام الامام الصادق، عليه السلام، بأن "المقصود بالايمان هنا؛ الدرجات الأسمى منه، لأن الايمان درجات ومراتب"، فربما يدعي الكثير الإيمان بالله من خلال التزامهم بالفرائض والمستحبات، ولهم حضورهم في محافل الدعاء وقراءة القرآن الكريم، وحتى العمل الخيري، بيد أن هذه الثغرة الصغيرة من شأنها أن تزعزع جذور الايمان الحقيقي والكامل في نفسه.
وخلف هذا الايمان علّة وفلسفة لحياة الانسان بأن يعرف حجمه الحقيقي أمام رغباته وطموحاته، فليس كل شيء يريده يعني أنه يصب في مصلحته كما يتصور الكثير، وطالما أصيب البعض بكوارث في حياتهم لإصرارهم على ما يريدون، ومنها ما تتشضّى آثاره السيئة على المحيط الاجتماعي والأسري، بينما الإيمان بالله يجعله على صلة بالرؤية البعيدة المدى، و لعواقب الاعمال، وفي تكملة كلام الامام الصادق: "ولن يصنع الله بمن صبر و رضي عن الله إلا ما هو أهله، وهو خيرٌ له مما أحبّ وكره"، ومصداق هذا ذلك الرجل في عهد رسول الله الذي ذكرنا قصته أنفاً، وأمثالها كثيرة في حياتنا الاجتماعية في مجال الزواج، والشهادة الجامعية، وفرصة العمل، وحتى على صعيد البلاءات التي نتفاجأ بها في حياتنا، فربما تنطوي على مصلحة معينة لنا في قادم الأيام، وبمدى عمق الإيمان بالله –تعالى- يكون الرضى أسرع الى النفس من الجزع والانهيار النفسي.
ولابد من تسليط الضوء على الفارق بين الصبر والرضى، فالصبر يمثل قيمة أخلاقية سامية، وفي طريق التعامل مع الابتلاءات والتقديرات لابد أن تقترن بالرضى وتكون خطوة أولى لها، فاحياناً يصبر على الانسان على مكروه يصيبه على مضض، مثل موت عزيز، او تعرض بيته او محله التجاري لحريق، فهو يضبط على أعصابه لئلا يظهر الحزن، بيد أنه ينفجر من مكان آخر عندما يلقي على الآخرين مسؤولية ما حدث وإن كان جوراً، ليوفر لنفسه الراحة والسكينة التي يفترض ان يوفره الرضى.
ويبين سماحة المرجع الشيرازي هذا الفارق بأن "العلماء قالوا أن الواو –بمن صبر و رضي- تدلّ على الإثنينية، أي؛ إن المعطوف والمعطوف عليه شيئان في كل الاحوال، وليس شيئاً واحداً، لذا فان الواو تشير هنا الى أن الرضى غير الصبر"، بما يعني أن الصبر لوحده لا يكفي لأن يكون الانسان مسلماً أمره لله –تعالى-، ربما لأن الصبر أمر واقع مفروض على النفس قبوله، ولا بديل عنه، مثل الموت او المرض، بينما الرضى مسألة اختيارية تسندها المعرفة فيتخذ الانسان قرار الرضى، بينما يسخط لفقدانه المعرفة والايمان.
وقبل الختام؛ فان الرضى والتسليم لا يعني بأي حال من الاحوال التقوقع والتكاسل وعدم المضي في دروب الحياة بدعوى "القبول بالموجود"، بقدر ما يفتح امامنا آفاق معرفية تجعل حرماننا من شيء، او تعرضنا لمصيبة ما، بمنزلة المفتاح لسعادة كبيرة في الدنيا والآخرة، وهذا الذكاء كان يحمله الانبياء و الأولياء الصالحون –يقول سماحة المرجع الشيرازي- فقد كانوا يسألون الله عن سبب ابتلائهم لإيمانهم بالقاعدة الربانية {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}، فأي سوءٍ يحصل للإنسان في حياته لابد وأن ورائه فعل قام به، عن قصد أو غير قصد.
"ومن الحريّ بالناس، خاصة المؤمنين منهم أن يتعرفوا على اسباب البلاء الذي يحلّ بهم، والفرق بين الناس العاديين والانبياء أنهم ليس لديهم علم الانبياء، ولا يعلمون اسباب نزول البلاء بهم"، ويعقب سماحة المرجع الشيرازي في هذا السياق على مسألة محورية وهي سلوك الانسان وطريقة تفكيره، "فمن يقدر على ردّ الظلم ويتقاعس، لا ينبغي له أن يطمع في استجابة دعائه بالنصرة"، وعندما تنكشف امامنا الاسباب والعلل، ونعرف أن بعض المصائب والرزايا من صنع انفسنا، ثم تكون لدينا الإرادة لمعالجتها في خطوة لاحقة، حينها يسهل علينا الرضى بما يقدر الله لنا.



اضف تعليق