التعليم الذي يكتفي بالمعلومات والشهادات من دون تدريب عملي ينتج خريجين يفتقرون إلى المهارة والخبرة. والمشكلة تنشأ من الخلط بين الاستغلال والتدريب المنظم، فحماية الطفل لا تعني عزله عن التجربة. المطلوب تقنين التدريب داخل التعليم بضوابط عادلة، كما في تدريب الطبيب، ليكتسب المتعلم وعيًا ومسؤولية وقدرة إنتاجية تؤهله لسوق...
تكشف أزمة التعليم المعاصر عن خلل عميق في العلاقة بين المعرفة النظرية والتدريب العملي؛ إذ لم تعد المشكلة في مقدار ما يتلقاه الطالب من معلومات، بل في قدرته على تحويل هذه المعلومات إلى مهارة وخبرة وإنتاج. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم التدريب أثناء التعلم، والتمييز بين العمل الاستغلالي الذي يضر بالطفل والمتعلم، وبين التدريب العملي المنظم الذي يمثل حقًا تربويًا ومهنيًا يسهم في بناء الشخصية وتأهيلها للمستقبل.
لمعرفة أساس هذه المعضلة، لا بد من البحث في جذورها وأصلها؛ إذ يبدو أن جانبًا كبيرًا منها قد نشأ بسبب سوء الفهم، وخلط المفاهيم، والالتباس في التلقي، وعدم العمق في الرؤية. فالتدريب العملي هو في حقيقته من حق الطفل، ومن ضمن برامج التعليم الأساسية، وإبعاد الطفل عنه يعني أن التعليم يبقى ناقصًا وغير مكتمل. فحين تُمنح للطالب شهادة التخرج من دون أن يجتاز المستوى العملي المطلوب، المتمثل بالتطبيق والممارسة والتدريب، فإن ذلك يكون ظلمًا لحقه قبل أن يكون ضررًا على المجتمع أو سوق العمل.
والسبب في هذا الخلل هو الخلط بين ما يُعدّ في الأصل حقًا للطفل في التعليم المتكامل، وبين ما يُنظر إليه خطأً بمنظار الاستغلال. فليس كل تدريب عملي استغلالًا، وليس كل اقتراب من العمل اعتداءً على الطفولة، بل إن هناك فرقًا كبيرًا بين العمل الذي يستغل الطفل ويحرمه من حقوقه، وبين التدريب المنظم الذي ينمّي وعيه ومهارته ومسؤوليته، ويؤهله لمستقبله المهني بصورة أفضل.
ويمكن، لتقريب الفكرة، أن نضرب مثالًا آخر على حالات الخلط في المفاهيم، كما في موضوع «الزواج المبكر» الذي يعارضه الجو الغالب المتأثر بالعواطف الجياشة والمشاعر الآنية والنظرة القاصرة التي تنظر إلى المدى القريب ولا تنظر إلى الأفق البعيد. فبعض الأصوات التي تنادي بحقوق الإنسان وحقوق الطفل تدّعي أن ذلك ظلم بحق المراهق، وتسطر قائمة من السلبيات تحت عنوان أنه غير عاقل، وغير راشد، وغير ناضج، وغير مسؤول، فتمنعه من حقه الطبيعي والمشروع، في حين أن المراهق قد يصل إلى مرحلة تفرض عليه التغيرات الجسدية والنفسية أن يطالب بحقه بما يؤمّن سلامته النفسية والبدنية، كالجائع الذي من حقه أن يطالب بالطعام، أو المتعرض للبرد الذي يطلب الغطاء الدافئ.
ومن خلال منح الإنسان حقه ضمن الإطار الصحيح، يكتسب الوعي والنضج والرشد والعقل والمسؤولية. والغريب أن بعض المنظمات أو الأفراد الذين يمنعون العوائل من إعطاء المراهق حقه في الزواج، يجيزون له في الوقت نفسه العلاقات الخارجة عن إطار الزواج. وهذا المثال لا يُراد به الخروج عن موضوع التعليم، وإنما الإشارة إلى أن الخلل في كثير من القضايا يبدأ من خلط المفاهيم، ومن تحويل الحق المنظم إلى تهمة، أو النظر إلى الحاجة الطبيعية والتربوية بمنظار الاستغلال أو المنع المطلق.
وهذا المثال يمكن تطبيقه على موضوعنا؛ فالكثير من الذين يتخرجون من المدارس والجامعات يتخرجون من دون تطبيق عملي أو تدريب أثناء التعلم، فيدخلون سوق العمل وهم يحملون شهادة، لكنهم لا يملكون الخبرة الكافية ولا المهارة المطلوبة. وعليه، لا بد من تقنين حق العمل التدريبي في إطار قانوني مقبول، يؤمّن للمتعلم وضعه المهني العادل والصحيح في المستقبل، وفي الوقت نفسه يمنع أي استغلال يمكن أن يقع عليه في هذا السبيل.
فكما أن هناك اتفاقًا ومقبولية لدى الجميع على أن الطبيب لا يكون طبيبًا إذا اكتفى بتلقي أسس الطب في أروقة الجامعات، بل عليه أن يحضر في المستشفيات والعيادات وغرف العمليات الجراحية، وأن يمارس عمله تحت إشراف ومراقبة، فكذلك الأمر في سائر المجالات. فالاقتصار على التعليم النظري دون ممارسة وتدريب عملي يؤدي إلى تدني مستوى الأعمال في مختلف مجالات العمل، ويؤدي إلى الإضرار بالفرد العامل والمتعلم قبل أن يضر بالمجتمع.
إن التعليم لا يكتمل بمجرد تقديم المعلومات، ولا بمجرد منح الشهادات، بل يكتمل حين تتحول المعرفة إلى خبرة، والخبرة إلى مهارة، والمهارة إلى قدرة على الإنتاج. ومن هنا فإن إعادة التدريب العملي إلى التعليم لا تعني إحياء صور الاستغلال، بل تعني حماية المتعلم من الجهل العملي، ومن العجز عن مواجهة الحياة المهنية، ومن الدخول إلى سوق العمل وهو غير مؤهل لما ينتظره من مسؤوليات.
الخلاصة أن المشكلة ليست في حماية الطفل من الاستغلال، فهذه حماية مطلوبة وضرورية، وإنما في تحويل هذه الحماية إلى عزل كامل عن العمل والتجربة والممارسة. فالتعليم الذي لا يدرّب المتعلم على العمل يبقى تعليمًا ناقصًا، والشهادة التي لا تسندها مهارة تبقى شهادة محدودة الأثر. لذلك فإن المطلوب هو تنظيم التدريب العملي داخل التعليم، لا منعه، وربطه بضوابط عادلة تحفظ حق الطفل والمتعلم، وتمنع الاستغلال، وتؤهله في الوقت نفسه لمستقبل مهني صحيح ومنتج.



اضف تعليق