حينما بدأ الإمام الشيرازي مسيرته العلمية والعملية، كان قد بدأها بمسؤولية المدرسة الفقهية والمرجعية الملقاة على الفقهاء والمراجع ثم تولى زمام متطلبات الجيل الجديد لأنه كان مدركا لمستجدات العصر وأفكاره المستوردة، فعلم ان الأسلوب التقليدي في التوجيه بات لا يكفي، ولا بد من مواجهة الأفكار الدخيلة أو الحديثة ومناقشتها...

ما هي طبيعة الأزمات والمشكلات الوجودية لجيل زد خصوصا ما يرتبط منها بالتكنولوجيا؟

وما هي رؤية الإمام الشيرازي لحل أزمات جيل زد، عبر استكشاف أفكاره المتعلقة بمشكلات الشباب؟

الأزمات والمشكلات الوجودية لجيل زد لا تختلف عن غيرها من الأزمات بالنسبة للأجيال السابقة، مع فارق ما اصطبغ به عصرهم من تطور في الآليات والتقنيات، فحال التكنولوجيا كغيرها؛ سلاح ذو حدين يمكن لها أن تكون سلبية أو إيجابية، فكما قد تؤدي إلى العزلة عن الآخرين والإدمان على الأجهزة الجامدة البعيدة عن الروح، يمكنها أيضا أن تكون نافذة للاطلاع والتعلم واستغلال الوقت.

 حيث يمكن لأبناء زد مثلا؛ أن يتعلموا في أي وقت وعلى كل حال دون ازعاج الآخرين، وأن يحوّلوا مثلا الكتاب المطبوع إلى كتاب صوتي ثم يستخدموا سماعة البلوتوث فيكونوا في مطالعة دائمة في كل وقت وظرف، فهذه الفرصة لم تكن متاحة للأجيال السابقة أن يحددوا ما يريدون الاطلاع عليه بأنفسهم بسهولة بالغة.

 مثلا: إذا أراد شخص من الجيل السابق مطالعة كتاب، كان عليه أن يلغي كل أعماله، وأن يخصص ساعات من وقته ليبحث عن كتاب ما، وربما عليه ان يقطع مسافات بعيدة ليحصل على ما يريده، ناهيك عما كان يكلفه من تكاليف قد تجبره أن يضحي بسائر احتياجاته الضرورية، في حين ان كل شيء معد لهذا الجيل بحركة إصبع لتكون أيضا مصدرا ماليا إذا استغله للتجارة عبر صناعة المحتوى وفتح المواقع التجارية والتداول وغيرها.. ناهيك عن الذكاء الاصطناعي وما يفعل من أفاعيل ومعاجز في جميع مجالات الحياة..

وفيما يرتبط برؤية الإمام المجدد السيد محمد المهدي الحسيني الشيرازي رضوان الله تعالى عليه؛ نلاحظ شهادة مواقفه ومؤلفاته على عمق إدراكه لمتطلبات العصر وأجياله المختلفة، فمخاطبته كل فئة بما يناسب متطلباتها دون أن يهمل جيل على حساب جيل آخر، جامعا بين الاصالة والحداثة بأسلوب حكيم..

مثلا: حينما بدأ الإمام الشيرازي مسيرته العلمية والعملية، كان قد بدأها بمسؤولية المدرسة الفقهية والمرجعية الملقاة على الفقهاء والمراجع ثم تولى زمام متطلبات الجيل الجديد لأنه كان مدركا لمستجدات العصر وأفكاره المستوردة، فعلم ان الأسلوب التقليدي في التوجيه بات لا يكفي، ولا بد من مواجهة الأفكار الدخيلة أو الحديثة ومناقشتها بمختلف مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد وما شابهها.. 

وهذا ما يميز الإمام الشيرازي عن غيره من المصلحين، فغيره كان يقدم على الرد على الشبهات دون الانشغال بأي مهمة أخرى، إلا ان الإمام الشيرازي واجه مختلف التيارات ورد على شبهاتها وإثاراتها وتشكيكاتها، وفي نفس الوقت واصل أيضا مسيرته العلمية والفقهية بفكره الفذ وبتميز وإبداع، وبعبارة أخرى؛ في نفس الوقت الذي كان السيد منشغلا بالفقه وبنى منهجية جديدة وفريدة من الإبداع والتطور الفقهي، مارس أيضا مهامه تجاه الجيل الجديد الذي انشغل بتطورات وأحداث الساحة آنذاك، حيث كان الجيل الجديد متأثرا بالأفكار اليسارية التي كانوا يرونها متقدمة وتحررية!، أو بفكر "الإسلام السياسي" بالمفهوم المتداول؛ حيث كان الشباب يرون حاجة ماسّة لمواجهة التحديات، فقام الإمام الشيرازي بالتصدي لتلك الأفكار من خلال الآيات والروايات، وقد يتوهم البعض أنه كان يؤيد (الإسلام) السياسي أو ينظِّر للحركة (الإسلامية)، لكنه واقعا كان يرد، وليس ضمن، ولم يتفق مع أفكارهم يوما ما، -وما أن استيقنوا أن الإمام المجدد بعيد عنهم فكريا حتى فتحوا باب مرجعيتهم الضرارية مستغلين المكانة التي كانوا يتمتعون بها-.. وفي خضم تلك الانشغالات فهو لم يتوقف عن مسيرته الفقهية حتى آخر لحظة من لحظات عمره المبارك.

أما من حيث منهجه وأسلوبه: 

كان يقسم درسه بين المادة التدريسية وبين الفكر والسياسة والنصيحة ومستجدات العصر، وكذلك من خلال استخدام اللغة والمفردات المعاصرة؛ حيث في نفس الوقت الذي كتب عن فقه الطهارة مثلا، كتب عن فقه البيئة والنظافة لتكون أقرب للغة العصر..

 من هنا وبناء على هذا الأساس ومن خلال تلك القرائن؛ يتضح لو أدرك العهد الحالي الذي يعيشه جيل زد لكان يمارس نفس النهج، خاصة وان للوضع القائم فرصة أكثر لنشر الفكر الصحيح، وعليه يمكن ان يحذى حذوه من خلال العودة إلى تجاربه الغنية.

ومن المناسب في الختام أن أروي من ذاكرتي شرف اللقاء الذي حصل وأنا في بداية مراهقتي حيث كنت بصحبة والدي حينما تشرفنا بزيارة الإمام الراحل في بيته بقم المقدسة، وكان اهتمامه بالصغار كاهتمامه بالكبار، فخصص سماحته حديثه الكريم لي مخاطبا: "عليك وعلى كل شاب في عمرك -وكان عمري حينها ١٣ سنة- أن يؤسس مكتبة خاصة وحسينية خاصة"، وأنا حينها لم أكن أدرك قيمة تلك الكلمة، ولكنها أثرت عليّ فيما بعد، وهدتني حقا وواقعا، وصارت لي منهج حياة، وهذا نموذج بسيط واحد ذكرته عن شخصية الإمام الشيرازي وبُعد الرؤية والنظر لديه، وكأنه يرى الجيل الرقمي الحالي ويلمح أنه في نفس الوقت الذي عليك ان تثقف نفسك مجتمعك من خلال تكوين مكتبة خاصة، أن لا تنعزل ولا تنقطع عن الآخرين من خلال تأسيس حسينية للتواصل الحي مع المجتمع، ولهذا الجيل الفرصة الكبرى لتحقيق هذه الوصية.

* مداخلة مقدمة الى الجلسة الحوارية التي عقدها مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث تحت عنوان: (جيل زد والتحولات الثقافية... قراءة في أفكار الإمام الشيرازي)

اضف تعليق