من هنا فإنه لا يمكن أن يتحول المنهج العلوي إلى رمز للأخلاق والإصلاح الفكري والسياسي إلا إذا كانت الانطلاقة من المشاوير والبدايات الصغيرة وعلى مستوى الفرد والعائلة ثم التجمعات الصغيرة من أصدقاء وأقارب ونادي وحسينية وجامع ومنطقة وقرية، لتصل إلى مستوى الأحزاب والتجمعات الكبيرة ومن ثم إلى المجتمع والدولة...

هل تكمن أزمة السياسة في العراق في النظام ذاته أم في الثقافة السياسية للنخب والمجتمع؟

وكيف يمكن تحويل نهج الإمام علي (عليه السلام) من مرجعية أخلاقية رمزية إلى إطار فكري عملي لإصلاح النظام السياسي العراقي؟

الحكم الاستبدادي الطويل الذي حكم العراق لم يؤدِ إلى خلل في الأمن والحرية والاقتصاد فحسب وإنما ترك بصماته في ثقافة المجتمع، حيث أنتج مجتمعا ونخبا تتصف بنفسية مشوهة نتيجة ما بعد العبودية والإذلال؛ تميل لحب القيود، تخاف من المجهول بل وتحن إلى الماضي الأليم وطاغوتها القديم.

 هذه الشخصية حتى وإن أتى لها قائد سماوي معصوم ما لم تنتفض من داخلها وتطلب الإصلاح؛ فإنها غالبا ستحتاج إلى إعادة تكوين الشعب عبر انتاج جيل جديد لم يخضع للعبودية من قبل، كحال بني إسرائيل ظلوا في صحراء سيناء أربعين سنة ليخرج جيل جديد مستقر نفسيا، فهم قد تخلصوا من استبداد فرعون وذاقوا طعم الحرية، إلا أنهم يتخلصوا من الثقافة الفرعونية حيث ترسخت فيهم وجعلتهم يكرروا نفس الأساليب التي اضطُهدوا بها من قبل فأخذوا يمارسونها فيما بينهم.

أما النموذج الحي الآخر؛ في إحدى الدول الخليجية الصغيرة التي تحكمها طائفة من الأقلية على طائفة ذات الأكثرية المطلقة، ولا تزال تواصل حكمها بقمع كل المطالبات السلمية؛ فإن الشعب المغلوب على أمره الذي لم يصل إلى مبتغاه فحسب وإنما تأثر بثقافة الفئة الحاكمة، حيث أخذ يمارس الاستبداد والإقصاء بحق بعضه البعض، هذا وهو لا يزال محكوم فما بالك لو صار حاكما!

وبناء على هذا الأساس فإن الحالة العراقية ليست حالة شاذة؛ فالمحكومين هنا صاروا حاكمين بعقلية الحاكمين القدماء.

من هنا فإنه لا يمكن أن يتحول المنهج العلوي إلى رمز للأخلاق والإصلاح الفكري والسياسي إلا إذا كانت الانطلاقة من المشاوير والبدايات الصغيرة وعلى مستوى الفرد والعائلة ثم التجمعات الصغيرة من أصدقاء وأقارب ونادي وحسينية وجامع ومنطقة وقرية، لتصل إلى مستوى الأحزاب والتجمعات الكبيرة ومن ثم إلى المجتمع والدولة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الوازع الفردي الذي يتحلى به الشخص فيعمل بإخلاص، وبناء على إرضاء ربه ثم ضميره دون التفكير في كسب المصالح والمكاسب الشخصية أو الفئوية، ذلك لأن المجتمع مبني على الفرد، وخاصة إذا كان الفرد من الشخصيات المؤثرة والمعروفة حيث أنه سوف لا يكون ملكا لنفسه وإنما ملكا للمجتمع وحتى حياته الشخصية وخصوصياته الخاصة تتحول إلى أمور عامة وتكون تحت المجهر بجزئيتها.

 ولذلك فإن من إحدى الميزات التي تحلّى بها الغرب وأدى إلى تقدم نظامه السياسي مقارنة بالشرق؛ هو أن الشخص الذي يخوض السياسة فإن القانون يسمح بتدخل الناس في جميع أموره الخاصة من ملبس ومأكل ومبيت، على عكس من لا يخوض السياسة حيث له حصانة قانونية فلا يحق لأحد ان يتجسس في خصوصياته، وذلك ليس إلا لكون الفرد السياسي مؤثرا على المجتمع ولابد أن يراقب جميع تصرفاته على أن لا يناقض أقواله بأفعاله.

من هنا وبناء على هذا الأساس؛ فإن الاقتداء الفردي بأمير المؤمنين عليه السلام سيكون مقدمة للاقتداء الاجتماعي، وذلك بالخطوات البسيطة الأولى وبالتدريج والاستطاعة على قاعدة حديثه سلام الله عليه: "وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد"؛ ليتحول في نهاية المطاف إلى رمز ومرجعية للإصلاح.

* مداخلة مقدمة الى الجلسة الحوارية التي عقدها مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية تحت عنوان: (الفكر السياسي في العراق بين الارث العلوي واشكاليات النظام السياسي المعاصر)

اضف تعليق