تشير المعطيات والاحداث الراهنة في الأردن الى ان المملكة ربما وقعت بين سندان الاحتقان الشعبي في الداخل ومطرقة الضغوط والمصالح الخارجية لتروضي قراراتها السياسية، فيما يرى خبراء في الاقتصاد الأردني أن التعديل لا يخرج من إطار الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تجريها الحكومة الأردنية، كاستجابة جزئية لتوصيات صندوق النقد الدولي، والذي يرتبط ببرنامج قرض يمتد لـ3 سنوات تنتهي 2019.

ويتوقع مراقبون أن تعكس الزيادة في القانون أعباء مباشرة على قطاعي البنوك والصناعة، حيث ستنعكس الزيادة على تكلفة الخدمات التي تقدمها هذه القطاعات، ما يشير إلى زيادة سعر البيع للمستهلك المحلي، وتراجع الطلب في الأسواق التصديرية، وهو ما يؤدي إلى ضعف المنافسة، والخطر الأكبر لهذا القانون أثره المباشر على الطبقة الوسطى حيث سيرفع من الأعباء عليها،

من جهة أخرى يرى متخصصون إن تحقيق العدالة الضريبية التي يجب أن تحققه الحكومة، يتطلب مراجعة للمنظومة الضريبية كاملة بما في ذلك ضريبة المبيعات، مؤكدين ضرورة معالجة قضايا الفقر والبطالة من جذروها، من خلال إيجاد فرص عمل وتدريب وتأهيل الفقراء، وإشراكهم بالمشاريع الإنتاجية، وفتح أسواق جديدة للصادرات الوطنية وتعزيز استثمارات الطاقة المتجددة، وأن “يتم دعم الملف الاقتصادي بملف سياسي، من خلال إعادة تقييم التحالفات السياسية في المنطقة وبنائها وفقا لما يتناسب مع مصلحة الأردن”.

ففي الآونة الأخيرة شهد الاردن احتجاجات شعبية سلمية في معظمها شارك فيها الآلاف وانتهت ابعد استقالة رئيس الوزراء هاني الملقي وتعهد رئيس الوزراء المكلف عمر الرزاز بسحب مشروع قانون ضريبة الدخل الذي كان اثار غضب الشارع.

ويعاني الأردن أزمة اقتصادية فاقمها في السنوات الأخيرة تدفق اللاجئين من جارته سوريا بعد اندلاع النزاع عام 2011 وانقطاع إمدادات الغاز المصري وإغلاق حدوده مع سوريا والعراق بعد سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة فيهما، كما يعاني اقتصاد الأردن ضائقة مالية وتضرر من إضطرابات في المنطقة وإجراءات للتقشف أوصى بها صندوق النقد الدولي وأثارت موجة من الاحتجاجات على زيادات في الأسعار وتخفيضات في الدعم هذا الشهر تسببت في سقوط الحكومة.

ووجد اقتصاد الأردن صعوبة في النمو في الأعوام القليلة الماضية تحت وطأة عجز مزمن في الميزانية ومع تراجع تدفقات رؤوس الأموال الخاصة والمعونات الأجنبية، القلق من الاحتجاجات الشعبية ضد الغلاء والضرائب في الاردن دفع حلفاؤه في الخليج لتقديم دعم اقتصادي بقيمة 2,5 مليار دولار، الا ان محللين يرون ان ذلك ليس "حلا سحريا" للازمة والتحديات التي تمر بها المملكة.

من جهته حذر عاهل الأردن عبد الله الثاني من ذهاب بلاده للمجهول، إذا لم تحل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها، بينما يربط كثيرون بين أزمة الأردن الاقتصادية المتفاقمة وبين رفضه لما يعرف "بصفقة القرن"، مما دفع بحلفائه التقليديين لمنع المعونات عنه.

فيما يقول منتقدون وبعض السياسيين إن التطبيق السريع لبرنامج الإصلاح مسؤول عن زيادات الضرائب المتعاقبة هذا العام والتي أغضبت العديد من الأردنيين وأشعلت موجة الاحتجاجات، واعترف الرزاز بعد تعيينه رئيسا للوزراء إن الحكومة السابقة، التي كان يشغل فيها منصب وزير التعليم، تسرعت في الزيادات الضريبية وتعهد بإجراء حوار مجتمعي بشأن أي ضرائب مستقبلية، وقاد الاحتجاجات الشعبية الواسعة النطاق موظفون من الطبقة المتوسطة وخريجون عاطلون عن العمل وشبان يشعرون بالغربة والحرمان في بلد يقول المانحون والدبلوماسيون إن الفساد مستشر فيه.

بينما يقول المنتقدون والاقتصاديون إن العبء الأكبر من الضرائب يتحمله العاملون في القطاع الخاص الذي يدعم الاقتصاد، وإن التهرب الضريبي من جانب نخبة الأعمال والسياسية أصبح واسع النطاق.

وذهب معظم الإيرادات الإضافية التي حصلت عليها الحكومة نتيجة سلسلة الزيادات الضريبية هذا العام إلى الحفاظ على البيروقراطية المتضخمة في بلد لديه واحد من أعلى معدلات الإنفاق الحكومي في العالم بالنسبة إلى اقتصاده.

وبعد ترتيب مع صندوق النقد الدولي أدى إلى بعض الاستقرار المالي، وافق الأردن في 2016 على برنامج أكثر طموحا مدته ثلاث سنوات للإصلاحات الهيكلية التي تأخرت طويلا. والهدف هو خفض الدين العام إلى 77 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2021 من 95 في المئة حاليا.

وشهد الأردن ارتفاعا متزايدا في الدين العام إلى ما يقرب من 40 مليار دولار، مدفوعا في جانب منه بالسياسات المالية التوسعية للحكومات المتعاقبة التي كانت تحرص على توفير فرص عمل وزيادة رواتب القطاع العام لتحاشي تكرار اضطرابات ”الربيع العربي“ في 2011، ولم يترك هذا لصندوق النقد الدولي خيارا يذكر سوى السعي إلى زيادة الضرائب لكبح الدين العام.

وفي أعقاب الاحتجاجات، تعهدت السعودية والكويت والإمارات بتقديم حزمة مساعدات للأردن يبلغ حجمها 2.5 مليار دولار لمساعدة اقتصاده على تجاوز الأزمة، وقال مسؤولون إن قطر أيضا تعهدت يوم الأربعاء بتقديم 500 مليون دولار في صورة أموال نقدية واستثمارات، وأعلن الاتحاد الاوروبي الاحد عن تقديم 20 مليون يورو اضافية للاردن هذا العام لدعم الأمان الاجتماعي في هذا البلد.

هذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها دول خليجية دعما للاردن لعونه في مواجهة ازمته الاقتصادية، ويرى المحللون انه يجب على المملكة هذه المرة "استثمارها جيدا"، ويقول المحللون "المنحة ليست عصا سحرية ولا حل جذريا لمشاكل الاردن".

ويقول المحلل السياسي عادل محمود لفرانس برس ان "سحب القانون الضريبي لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة هناك مطالب واسعة بتغيير النهج واعادة انتاج سياسيات اقتصادية جديدة"، و"ليس امام الرزاز الا مسارين لا ثالث لهما اولا اختيار فريق اقتصادي رشيق يصحح الاخطاء لسياسات الحكومات السابقة التي لم تجد سوى جيب المواطن كحلول".

وأكدوا على اهمية الوصول ل"فريق اقتصادي يرسم خارطة طريق تقود البلاد نحو الاستقرار الاقتصادي" اما المسار الثاني "فهو اختيار شخصيات سياسة واجتماعية تكون مؤثرة ومقبولة من الشارع".

في الاردن، كانت طبقة متوسطة مستنفدة ومرهقة في قلب الاحتجاجات الأخيرة ضد ارتفاع كلفة المعيشة، من أطباء أو محامين أو تجار يوحد بينهم القلق نفسه حيال حساباتهم المصرفية عند نهاية كل شهر، خرج عدة الاف منهم كل يوم الى الشوارع بعد حلول الظلام ولمدة سبعة ايام، مطالبين بسحب مشروع قانون ضريبة الدخل المثير للجدل والذي يزيد من مساهماتهم الضريبية.

هل تنج الحكومة الجديدة؟

أدت الحكومة الأردنية الجديدة اليمين الدستورية أمام الملك عبد الله الثاني يوم الخميس بعدما تلقى رئيسها عمر الرزاز الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي تكليفا بمراجعة مشروع قانون ضريبي مثير للجدل بعد احتجاجات واسعة النطاق على إجراءات التقشف التي ينصح بها صندوق النقد الدولي. بحسب رويترز.

وقال مسؤول حكومي إن مجلس الوزراء الجديد قرر في اجتماع عقد عقب مراسم أداء اليمين سحب مشروع قانون ضرائب على الأفراد والشركات كانت الحكومة السابقة قد أرسلته للبرلمان وأثار الاحتجاجات.

وكان الملك كلف الرزاز، وهو خريج جامعة هارفارد، الأسبوع الماضي بتشكيل حكومة جديدة خلفا لهاني الملقي لتهدئة الغضب الشعبي الذي أدى إلى تفجر بعض من أكبر الاحتجاجات التي شهدها الأردن منذ سنوات.

وشارك آلاف الأردنيين في احتجاجات في عمان وعدة مدن أخرى هذا الشهر على سلسلة من زيادات الضرائب منذ بداية العام. ودعا المحتجون إلى إقالة الحكومة وإلغاء مشروع قانون للضرائب قالت نقابات عمالية وجماعات مجتمع مدني إنه سيزيد الفقر والبطالة، واحتفظ وزير الخارجية أيمن الصفدي ووزير الداخلية سمير المبيضين بمنصبيهما في حكومة الرزاز المؤلفة من 28 وزيرا والتي يهيمن عليها خليط من الساسة المحافظين والتكنوقراط ممن شغلوا مناصب في حكومات سابقة ومن بينهم سبع نساء.

وقال الرزاز ”التحديات التي نواجهها هي تراكم عقد من الزمن“ لكنه تعهد بمعالجة معدل النمو البطيء وتحسين الظروف المعيشية المتردية، وعين رجائي المعشر، وهو سياسي محافظ ومصرفي بارز وأحد أغنى رجال الأعمال في الأردن، نائبا لرئيس الوزراء، وقالت مصادر رسمية إن من المتوقع أن تحافظ الحكومة الجديدة على التأييد التقليدي لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة وأن تواصل الإصلاحات التي تجري بتوجيه من صندوق النقد الدولي، واختار الرزاز مسؤولا مخضرما بوزارة المالية وهو عز الدين كناكرية لقيادة الوزارة ولاستكمال المفاوضات المتعلقة ببرنامج الإصلاح القاسي ومدتها ثلاث سنوات مع صندوق النقد الدولي.

المساعدات الخليجية لا تشكل حلا سحريا

أعلنت السعودية والإمارات والكويت فجر الاثنين مساعدات بقيمة 2,5 مليار دولار للاردن، ويقول عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية لفرانس برس "ما حصل في الاردن أمر غير مسبوق اعاد الاعتبار لروح الربيع العربي، وهذا أمر مقلق للغاية بالنسبة لدول الخليج العربي".

وأضاف ان "أمن الاردن واستقراره مهم جدا لأمن المنطقة وأمن الخليج والسعودية بشكل خاص كونها احدى دول الممالك العربية التي تخشى انتقال عدوى نموذج الاحتجاجات الراقي والسلمي في الاردن اليها".

ويحظى الاردن بموقع استراتيجي بسبب حدوده مع كل من سوريا شمالا والعراق شرقا والسعودية فيما تحده غربا اسرائيل والاراضي الفلسطينية.

ويرى الرنتاوي ان خطوة السعودية والامارات والكويت بمنح الاردن 2,5 مليار دولار جاءت سريعا ايضا بعد "مخاوف من قلب الوضع في الاردن التحالفات في المنطقة رأسا على عقب" اثر تقارب مؤخرا بين عمان والدوحة التي تقاطعها السعودية.

يشار كذلك الى صورة العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني يصافح الرئيس الايراني حسن روحاني خلال قمة منظمة التعاون الاسلامي في اسطنبول نهاية الشهر الماضي، فايران عدو الرياض اللدود.

ولا يتفق الموقف الاردني بالضرورة مع موقف السعودية او الولايات المتحدة التي أعلنت نهاية كانون الاول/ديسمبر الماضي اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ويدعم الاردن الموقف الفلسطيني الراغب في اعلان القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين التي يسعى الطرفان لضمان اقامتها. وكانت القدس الشرقية تتبع الاردن إداريا قبل أن تحتلها اسرائيل عام1967.

وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الاردن في 1994، باشراف المملكة الأردنية على المقدسات الاسلامية في المدينة، ويرى كريم بيطار، مدير البحوث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، ان ذلك يجعل المملكة، التي يشكل الاردنيون من اصول فلسطينية فيها نحو نصف عدد السكان، "في وضع غير مريح ابدا ومن المستحيل ان يتبع الاردن" حلفاؤه في هذا الملف.

من جهته، يقول الرنتاوي "بالتأكيد هناك ضوء اخضر اميركي لهذا الدعم (الخليجي) للاردن فهناك رغبة أميركية بالحفاظ على حليف أساسي ذو موقع استراتيجي".

قطر تدخل على خط الازمة

قال مصدر رسمي في العاصمة الأردنية إن قطر تعهدت يوم الأربعاء بتقديم حزمة مساعدات بقيمة 500 مليون دولار للأردن، تشمل استثمارات وتمويل مشاريع وفرصا للتوظيف للأردنيين.، ويأتي هذا بعد يومين من تعهد ثلاث دول خليجية أخرى، الكويت والسعودية ودولة الإمارات العربية، بتقديم مساعدات قيمتها 2.5 مليار دولار للأردن لمساعدة اقتصاده. والسعودية والإمارات في نزاع دبلوماسي مع قطر.

وقال المصدر إن حزمة المساعدات القطرية تشمل إتاحة عشرة آلاف وظيفة للأردنيين في الدولة الخليجية الثرية، إلى جانب تمويل مشاريع واستثمارات لخلق الوظائف في المملكة.

وأضاف المصدر أن التعهد قدمه وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أثناء لقائه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في عمان، وفرضت الإمارات العربية والسعودية، ومعهما البحرين ومصر، مقاطعة على قطر في يونيو حزيران 2017 تشمل قطع العلاقات الدبلوماسية وروابط النقل متهمة الدوجة بدعم الإرهاب، وتنفي قطر ذلك وتقول إن هذه الضغوط تهدف إلى تجريدها من سيادتها.

نزع فتيل أم مناورة سياسية

نزع تعهد رئيس الوزراء الاردني المكلف عمر الرزاز بسحب مشروع قانون ضريبة الدخل فتيل الأزمة بعد أسبوع من الاحتجاجات في الاردن لكن هامش المناورة امامه محدود في بلد تجاوز دينه العام 35 مليار دولار.

واثار مشروع قانون ضريبة الدخل، الذي اعلن الرزاز الخميس نيته سحبه والذي يتضمن زيادة الاقتطاعات من دخل الافراد بنسب تتراوح بين 5% وحتى 25%، احتجاجات لم تشهدها المملكة منذ سنوات كان ابرزها عام 2011 اثر رفع الدعم عن المحروقات.

ولم تشهد العاصمة عمان الخميس لأول مرة منذ اسبوع اي احتجاجات تذكر، واعلن الرزاز ان سحب القانون "غير العادل" سيتم عقب اداء القسم امام الملك الاسبوع المقبل.

ويقول احمد عوض، مدير مركز "الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية" لفرانس برس ان "مشروع القانون كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير لانه يوجه ضربة قاصمة للطبقة الوسطى بشكل رئيسي ولهذا رأينا النقابات والجمعيات العمالية انتفضت ضده".

واوضح عوض ان "الاردن ومنذ ثلاثة عقود يطبق سياسات اقتصادية غير شعبية وهو يعمل منذ 1989 بناء على توجيهات صندوق النقد الدولي".

والتزمت المملكة المحدودة الموارد والتي تعتمد بشكل كبير على مساعدات خارجية خاصة من واشنطن والاتحاد الاوروبي ودول خليجية بتوجيهات الصندوق لاصلاحات اقتصادية تخفض العجز السنوي مقابل الحصول على قروض.

واشار عوض الى ان "الامور تفاقمت في آخر عامين، والسياسات الاقتصادية باتت أكثر قسوة وابرزها تقديم الحكومة مشروع قانون ضريبة دخل غير عادل"، واكد ان "القانون يفتقر لابسط قواعد العدالة الضريبة وكان سيزيد التباطؤ الاقتصادي من خلال اضعاف القدرات الشرائية للمواطنين ما ينعكس على تعميق حالة التباطؤ الاقتصادي والتراجع الاقتصادي الذي يشهده الاردن".

وسجل معدل النمو الاقتصادي في الاردن عام 2017 نحو 2% ويتوقع ان ينخفض عن 2% لعام 2018، وتراجع معدل الاستهلاك بداية شهر رمضان الحالي بنسبة 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما غابت الخيم الرمضانية عن المشهد هذا العام، وتراجع التداول العقاري، وهو من القطاعات الأهم والانشط في الاردن، منذ مطلع العام بنسبة 10% فيما تراجع العام الماضي بنسبة 18%.

ويتفق المحلل لبيب قمحاوي مع عوض، ويرى ان "مشروع القانون غير عادل وفجر الأمور واستفز الناس" معتبرا انه "كان من غير الممكن ان يقر بشكله هذا لانه قانون عرفي وجبائي جنائي الاصل فيه الجباية والعقوبة".

واضاف ان "ما حصل الاسبوع الماضي يحصل لأول مرة في تاريخ الاردن فقد التقت كل طبقات الشعب من اغنياء وفقراء وطبقة وسطى من مختلف القطاعات ضد هذه السياسات"، واشار قمحاوي الى ان "الحكومة كانت ستضرب الشعب بكل قطاعاته وهذا ما قاد الى اجماع ضدها كونه الشعب لم يعد يحتمل".

ورأى ان "الشعب ادرك قوته وهو يستعيد قوته التي سلبت منه على مدى سنوات طويلة، لا احد يقبل تخريب البلد ولا احد يريد الاخلال بأمنها لكن لا احد يقبل ان يبقى الحال على ما هو عليه".

إصلاحات الصندوق

يحاول الأردن تنفيذ إجراءات أوصى بها صندوق النقد الدولي منها زيادات ضريبية ورفع للدعم مما أثر على الأسر الأكثر فقرا وأسر الطبقة المتوسطة.

وسيطلب الأردن من الصندوق مزيدا من الوقت لتنفيذ الإصلاحات بعد أن أظهرت موجة الاحتجاجات أن الضغط على البلاد يهدد بإثارة اضطرابات، وقال جيري رايس المتحدث باسم صندوق النقد الدولي للصحفيين في واشنطن إن الصندوق يرحب بدعوة العاهل الأردني إلى حوار وطني حول مشروع قانون الضرائب.

وأضاف أن الصندوق سيعمل مع الحكومة الجديدة في الأردن لإتمام مراجعة لبرنامجه لإقراض البلد المثقل بالديون في أقرب وقت ممكن، لتقديم شريحة ائتمانية أخرى بقيمة 70 مليون دولار، وذكر رايس أن بعثة للصندوق زارت الأردن في الفترة من 20 إلى 31 من مايو أيار وأجرت ”مناقشات مثمرة“ باتجاه تحقيق هذا الهدف. وأضاف أن الصندوق مهتم ”بالبعد الاجتماعي“ للبرنامج، وناشد رايس أيضا المانحين الدوليين عمل المزيد لمساعدة الأردن بمنح تمويلية لتخفيف الضغوط على المالية العامة الناتجة عن وجود أكثر من مليون لاجئ سوري وزيادة الإنفاق على الأمن، وظل أكثر من ألف متظاهر يحتشدون أثناء الليل في عمان ويرددون هتاف ”عيش حرية عدالة اجتماعية“.

وأصيب عدة أشخاص بالإغماء وقالت الشرطة إنها اعتقلت رجلا طعن ضابطا. وأغلقت قوات الأمن، التي بدا أنها اعتقلت بعض المتظاهرين، شوارع لمنع المتظاهرين من الوصول إلى مقر الحكومة، واحتفل البعض بتغيير رئيس الوزراء وقالوا إنهم سينتظرون ليروا ما إذا كانت هذه الخطوات ستوقف ارتفاع الأسعار، لكن بالنسبة للبعض الآخر فالمشكلات أكبر من ذلك بكثير. فقد دعوا لتغييرات أكبر لإنهاء سياسات الحكومة والفساد المستمر منذ سنوات والذي زاد من صعوبات الحياة.

تنامى الاستياء منذ إعلان زيادة كبيرة في ضريبة المبيعات وإلغاء دعم الخبز في وقت سابق هذا العام ضمن خطة يدعمها صندوق النقد الدولي لخفض الدين العام البالغ 37 مليار دولار، وقالت الحكومة إنها تحتاج لمزيد من الأموال للخدمات العامة وإن التعديلات الضريبية تقلص الفوارق الاجتماعية. لكن المتظاهرين اتهموا سياسات الحكومة بالإضرار بالفقراء والضغط على الطبقة المتوسطة.

الاتحاد الاوروبي يقدم 20 مليون يورو

اعلن الاتحاد الاوروبي الاحد عن تقديم 20 مليون يورو اضافية للاردن هذا العام لدعم الأمان الاجتماعي في هذا البلد الذي شهد مؤخرا احتجاجات شعبية ضد ارتفاع الاسعار والضرائب، وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني خلال مؤتمر صحافي في عمان "ستجدون الاتحاد الاوروبي دائما الى جانبكم يقدم الدعم الكامل لجهود الاصلاح".

واضافت "تشرفت اليوم (الاحد) ضمن هذا الاطار بتوقيع اتفاقية مالية قيمتها 20 مليون يورو تتعلق خصوصا باحتياجات الاردنيين الأكثر حاجة، اي انه مشروع امان اجتماعي يمول من قبلنا ب20 مليون يورو"، واوضحت موغريني ان "الاردن يلعب دورا حيويا في المنطقة بحكمة وبتوازن فريدين، دور نقدره عاليا ونود دعمه بكل السبل المتاحة بما فيها الاقتصادية والمالية"، واوضحت ان الاتحاد الاوروبي يعمل مع الاردن على مشاريع في مختلف المجالات تبلغ قيمتها للاعوام 2016 و2017 و2018 مليار يورو في مجال المياه والطاقة والمساعدة الانسانية على الاخص اللاجئين السوريين والمجتمع المضيف".

وبحسب الامم المتحدة، هناك نحو 630 الف لاجئ سوري مسجلين في الاردن، بينما تقول المملكة انها تستضيف نحو 1,4 مليون لاجئ منذ اندلاع النزاع في سوريا في آذار/مارس 2011. وتقول عمان ان كلفة استضافة هؤلاء تجاوزت عشرة مليارات دولار.

الطبقة الوسطى رفعت صوتها

تقول رحمة جعفر (24 عاما)، التي لم تفوت تظاهرة واحدة، لوكالة فرانس برس "في بلدان أخرى، قد تبدو حركات الاحتجاج من هذا القبيل عادية، لكن في الأردن معارضة السلطة بصورة علنية هو بالحقيقة فعل شجاع".

ورحمة حاصلة على شهادة في إدارة الأعمال وتعمل في منظمة غير حكومية، لكنها مجبرة على القيام بأعمال صغيرة إضافية، وتأمل في ان تنتقل قريبا الى شقة صغيرة لا تزال خالية تماما ، تقع في حي شعبي شمال عمان، بعد زواجها.

تؤكد انها لن تنظم حفلة كبيرة لزواجها كما هو مألوف في الأردن، وتضيف "مهما يكن، لا نريد أن نبدأ حياتنا معا في الديون!".

خطيبها محمد حسن البالغ من العمر 23 عاماً يعمل طباخا والراتب الذي يتقاضاه لقاء 12 ساعة من العمل اليومي لا يكفيه حتى نهاية الشهر، ويقول "خلال عطلات نهاية الاسبوع اعطي دروسا في الغوص او التسلق"، ويضيف بحزن ان "الشباب الاردني يتمتع بقدرات هائلة ولكن يتم سحقنا وقتل احلامنا ودفعنا الى الهجرة".

كانت لدى مجد جبالي كثير من الاحلام قبل أن تنهار طموحاته العام 2012، ما اضطر هذا الشاب البالغ من العمر 29 عاما الى ترك دراسة السياحة والعمل فورا من اجل اعالة عائلته، يقول "قمت بكل أنواع الاعمال الصغيرة، وفي السنوات الأخيرة كنت سائقا للسياح الأجانب، ولكن عندما ينخفض نشاط الموسم يصبح العمل نادرا".

مع ذلك، لا يزال سعيدًا بالعمل في وقت تطاول البطالة أكثر من18 في المئة من سكان الأردن علما بان 70 في المئة من هؤلاء تقل اعمارهم عن ثلاثين، والسيارة التي يستأجرها حاليا تسمح له بالعمل في منصة سيارات الاجرة لمدة 14 ساعة في اليوم.

ويضيف "بعد حسم كلفة الإيجار، يبقى لي كل ليلة نحو 15 دينارا (18 يورو)"، هو مبلغ ضئيل للعيش في عاصمة تعد ألاغلى بين العواصم العربية وفقا لدراسة اعدتها مجلة "ايكونوميست" البريطانية الأسبوعية الشهر الماضي.

بدوره، تعرض محمد خليل طهبوب، في الستينات من عمره، لمشاكل مالية ولم تعد شركته العقارية التي أنشأها العام 1992 كما كانت، يقول طهبوب لفرانس برس ان "القطاع العقاري شهد على مدى السنوات الماضية حالة من الركود الفظيع، ومنذ العام 2014 ، لم ابع أي شيء"، ولكن الاقتصاد الاردني برمته يواجه صعوبات وبحسب صندوق النقد الدولي فان "آفاق النمو ضعيفة في عام 2018".

في عمارة طهبوب المخصصة لذوي الدخل المحدود والتي بنيت العام 2016 بيعت فقط شقتان من اصل عشر، ويشير الى انه "يتلقى اقتراحات بخفض الاسعار"، ويتابع "لم يبق في جيوب الناس شيء كما ان البنوك لم تعد تمنح قروضا. وعندما لا يستطيع المواطن تحمل كلفة المواد الاساسية كيف بأمكانه شراء شقة؟".

يبدو هذا الرجل ذو العيون الباهتة بلا امل، رغم أنه بعيد عن حالة البؤس التي يعيشها العديد من المواطنين، لكل هذه الاسباب، يؤكد إنه لم يتردد في المشاركة في الاضرابين اللذين نظمتهما النقابات المهنية الشهر الحالي.

الاكثر فقرا يكتمون غضبهم في الاردن

في شوارع مليئة بالقمامة وخالية من زينة رمضان في أحد أفقر أحياء عمان، جلس رجال شاحبون ليتناولوا وجبة افطار متواضعة بعيدة كل البعد عن الموائد المعتادة في هذا الشهر..في الطابق العلوي من مبنى قديم متهدم يقع في حي نزال الشعبي وسط العاصمة، تقف امرأة منقبة بشكل خجول على باب شقتها بينما تمسك ابنتها البالغة خمس سنوات بعباءتها السوداء، وتقول يسرا محي الدين (38 عاما) "أشعر بالخجل" لاستقبال فريق وكالة فرانس برس للفقر الشديد في مسكنها.

وتضيف انها بالكاد على اطلاع بالاحتجاجات على غلاء المعيشة والزيادات الضريبية التي هزت البلاد في الايام الاخيرة، لكن الامور بالنسبة الى هذه الاردنية من أصل فلسطيني أبعد من ذلك بكثير، وهي لا تشعر بان الاحتجاجات على غلاء المعيشة والزيادات الضريبية التي هزت الأردن في الأيام الأخيرة تعنيها فعلا.

فمعركتها هي البقاء على قيد الحياة مع الدنانير الخمسة (حوالي ستة يورو) التي يجنيها زوجها المريض كل يوم عن طريق جمع عبوات المشروبات الغازية في الشارع، تنقلت يسرا منذ زواجها في سبع شقق مختلفة اذ يطردهم المالكون "كالقذرين في كل مرة" لانهم لم يدفعوا الايجار كل شهر.

وتكرر وهي تحتضن ابنتها الوحيدة "تريد ان تصبح مديرة مدرسة عندما تكبر"، بينما تنظر اليها الصغيرة بعينين حزينتين وكأنها فهمت مبكرا ان الحياة لن تكون سهلة.

في شهر رمضان الحالي، تغيب الشمس ببطء في مدينة التلال السبع فيتجمع الناس حول موائد الافطار العامرة بعد يوم طويل، لكن في حي نزال بوسط عمان، ستكتفي يسرا ببساطة بتسخين حساء أصفر تضيف اليه بضع قطع الخيار.

في الحي نفسه، تعيش رانيا (37 عاما) مع زوجها وأطفالهما الثلاثة في منزل متواضع تملؤه الحشرات وتفوح فيه رائحة المياه الاسنة، وتقول رانيا بغضب "عندما تمطر السماء خلال الشتاء يغرق منزلنا بالمجاري". وفي فناء المنزل السفلي هناك حفرة لمياه الصرف، وتضيف رانيا "علينا افراغها مرة في الاسبوع حتى لا تحل الكارثة"، وفي غرفة النوم الوحيدة مرتبات ممزقة من الاسفنج مرصوصة بينما بقع العفن بادية على الجدار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1