بعد مــا يقــرب مــن عقــد مــن بدايــة الأزمــة الماليــة العالميــة، لا يــزال الديــن القومــي في الاقتصــادات المتقدمــة مــن إلى أعلــى مســتوى لــه منذ الحــرب العالميــة الثانيــة، إذ يبلــغ 104% من اجمالي الناتج المحلي في المتوسط، ففي اليابان تبلغ النسبة 250% وفي اليونان تصل الى 200%، وفي ايطاليا والبرتغال يتجاوز الدين 120% من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي، وبدون تدابير لخفض الانفاق او زيادة الايرادات، لن يزداد الأمر الا سوءاً، وبعد أن تتخلى البنوك المركزية عن التدابير النقدية الاستثنائية المعتمدة للتصدي الأزمة، فأن أسعار الفائدة ستزيد لا محاله عن أدنى مستوى وصلت اليه، وهذا يعني أن مدفوعات الفائدة ستلتهم جزءاً كبيراً من الانفاق الحكومي مما سيترك نقوداً أقل للقيام بالخدمات العامة أو اتخاذ تدابير لتأمين النمو الاقتصادي طويل الأجل، مثل الاستثمار في البني التحتية وبذلك تصبح خدمة الدين عبئاً رئيسياً.

ولكن ما هي افضل طريقة لخفض الدين العام الى مستويات قابلة للأستمرار؟ اذ تجدد الاهتمام بهذا السؤال منذ الأزمة المالية الأخيرة، عندما أدى الانفاق الحكومي لدعم النمو ومساعدة العاطلين الى زيادة عجز الموازنات الى اعلى مستوى لها بعد الحرب العالمية الثانية، ويزعم بعض الاقتصاديين ان خفض الانفاق أفضل علاج لاستعادة صحة المالية العامة.

وعلى العكس من ذلك يصر أخرون على أن خفض الانفاق يلحق ضرراً بالنمو بالاقتصادي، ويطالبون بمزيد من الانفاق الحكومي لتنشيط الاقتصاد الضعيف، ولفهم هذه المسألة من المفيد القاء نظرة على رياضيات خفض الدين، والرقم ذو الصلة في هذه الحالة ليس المبلغ الكلي للدين، ولكن نسبة الدين للدخل القومي أو اجمالي الناتج المحلي، وهو مقياس للموارد التي يمكن أن يستخدمها الاقتصاد لسداد دينه.

ولخفض نسبة الدين الى اجمالي الناتج المحلي، هناك طريقتان هما:

- خفض حجم عجز الموازنة عن طريق خفض الانفاق او زيادة الايرادات.

- توسيع حجم الاقتصاد، من خلال زيادة الايرادات الضريبية بطريقة لا تضر بالنمو الاقتصادي.

وفي حال تسببت السياسات الموجهة نحو خفض العجز في كساد عميق ايضاً، فأنها ستؤدي لنتائج عكسية، اذ سيؤدي الانخفاض في اجمالي الناتج المحلي الى زيادة نسبة الدين العام الى الناتج المحلي على الرغم من الجهود المبذولة لخفض العجز، وقد تبين أن الخطط القائمة على النفقات أقل ضرراً من الخطط القائمة على الضرائب، وعلى وجه التحديد وُجد إن الخطط القائمة على خفض التفقات ترتبط في المتوسط بانخفاضات صغيرة جداً في النمو، فمثلاً الخطة التي تبلغ قيمتها 1% من اجمالي الناتج المحلي تؤدي الى خسارة حوالي نصف نقطة مئوية مقارنة بمتوسط نمو اجمالي الناتج المحلي.

كما أن التخفيضات في برامج الاستحقاقات والتحويلات الحكومية الأخرى أقل ضرراً بالنمو من الزيادات الضريبية، فقد كانت هذه التخفيضات الضريبية مصحوبة بتراجع اقتصادي معتدل وقصير المدة، وربما يرجع ذلك الى أن دافعي الضرائب يتصورون على انها دائمة وبالتالي توقعوا ان الضرائب اللازمة لتمويل البرامج ستكون اقل في المستقبل. وفي نفس الوقت تشير كثير من البيانات ان اصلاح قواعد الضمان الاجتماعي التي تهدف لخفض الانفاق الحكومي مشابهه لخفض الانفاق العادي اكثر من الزيادات الضريبية.

وخلاصة لذلك وُجد إن خفض نسبة الدين العام الى اجمالي الناتج المحلي يعتمد كثيراً على طريقة تصحيح عجز المالية العامة، فاذا زاد الفائض عن طريق رفع الضرائب، فقد يكون تراجع النمو كبير لدرجة أنه يرفع نسبة الدين الى اجمالي الناتج المحلي بدلاً من خفضها، غير أن سياسات الحد من العجز التي تستند الى خفض الانفاق عادة ما لايكون لها أي تأثير تقريباً على الناتج، وبالتالي فهي بالطبع أفضل لخفض الدين الى اجمالي الناتج المحلي الاجمالي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0