شهد العالم تطورات وتغيرات كثيرة ومتسارعة جاءت تلبية لحاجات الإنسان المتزايدة في كافة نواحي الحياة، واستجابة لهذه التغيرات نشأت الحاجة الى تزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق الجميع، وكان النصيب الأكبر للوحدات الاقتصادية حيث تتحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية كبيرة.

والمصارف هي وحدات اقتصادية أصبحت ضرورة من ضرورات العصر ذات أهمية كبيرة لا يمكن الاستغناء عنها لأنها تقوم بدور كبير في حياة الشعوب وتساهم إسهامات كثيرة وفعالة في مجالات عدة فتساعد في التنمية والاستثمار والارتقاء بواقع البلدان في مختلف المجتمعات بما في ذلك المجتمعات الإسلامية التي تتطلع الى تحقيق التنمية والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية.

وذلك من خلال نظام مصرفي خاص يرتكز على الشريعة الإسلامية والقيم الأخلاقية، لذا دعت الحاجة الى إنشاء مصارف إسلامية تعتمد في نظامها على تعاليم الإسلام ومبادئه الاجتماعية والاقتصادية، وأن تشتغل بالوظائف الأساسية التي تقوم بها المصارف التقليدية ولكن وفقا لآلية مختلفة تماما عن آلية معدل الفائدة وأن لا يكون الهدف الأساس لها هو تعظيم أرباحها فقط، وانما يجب أن تسعى لتحقيق وظيفة ذات نفع اجتماعي تتمثل في تفاعل الربح والرفاهية الاجتماعية.

والأساس الذي تعتمد عليه هو أن المال مال الله وأن الإنسان مستخلف فيه، وبالتالي فانه لابد من إنفاق هذا المال في المجالات التي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ولا تغضب الله تعالى ولابد من استثمار هذا المال بما يحقق رخاء ورفاهية المجتمع.

مما تقدم يمكن القول أن المصارف الإسلامية هي مؤسسات مصرفية لتجميع الأموال وتوظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية بما يخدم بناء المجتمع في التكافل الاجتماعي وتحقيق عدالة التوزيع ووضع المال في المسار الإسلامي بما يحقق فائدة للمجتمع، لذلك أصبح واضحا بأن المصارف الإسلامية تقع على عاتقها مسؤولية اجتماعية تتمثل بتقديم الخدمات المالية بما ينسجم مع الشريعة الإسلامية والمساهمة في التنمية والرخاء الاقتصادي وإعطاء الأولوية في التمويل والاستثمار للنهوض بالقطاعات المحرومة في المجتمع.

وكذلك القيام بالمسؤوليات الاجتماعية مثل تنفيذ مشاريع الإسكان، متوسطة ومنخفضة الكلفة ومنح القروض الحسنة للمحتاجين من دون فوائد او ضمانات شخصية او عينية، والاهتمام بتمويل الحرفيين والصناعات الصغيرة بحيث يمكنهم مزاولة مهنهم وتحقيق دخول من وراء ذلك، وتشجيع طلاب العلم بتقديم الدعم المالي للمحتاجين والمتفوقين منهم.

ومن المسؤوليات الاجتماعية الأخرى التي يجب أن تتحملها المصارف الإسلامية تجاه العاملين فيها، كالترقيات والرواتب والمكافآت والحصول على نسبة أو حصة من الإرباح، وكذلك مزايا عينية مثل السكن والغذاء والنقل والعلاج وغيرها، وإقامة الرحلات الترفيهية وتنظيم رحلات الحج والعمرة وزيارة الأماكن المقدسة وتقديم الإعانات والتبرعات للفقراء والمحتاجين من أفراد المجتمع.

وعلى الرغم من الميزات التي تقدمها المصارف الإسلامية إلا أن هذه المصارف تواجه مشكلة أساسية في عجز القوائم المالية التقليدية للمصارف الإسلامية عن توفير المعلومات الضرورية لقياس المسؤولية الاجتماعية لهذه المصارف، ومن ثم الإفصاح عنها بصورة مباشرة، فبسبب ذلك لا تستطيع المصارف الإسلامية الإفصاح بشكل كامل وشفاف عن مسؤولياتها الاجتماعية من حيث التزامها بالشريعة الإسلامية وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية ومسؤولياتها اتجاه الإفراد العاملين فيها وتجاه الزبائن واتجاه الجميع.

لذلك لابد من وجود طريقة لقياس المسؤولية الاجتماعية للمصارف الإسلامية ومن ثم الإفصاح عنها في القوائم والكشوفات المالية، للتمكن من معرفة مقدار المسؤولية الاجتماعية التي تقدمها هذه المصارف وما هو متحقق منها فعلا على ارض الواقع، لان المصارف الإسلامية معنية أكثر من غيرها بتقديم الفائدة والمنفعة للمجتمع، باعتمادها على النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يرتكز وبشكل كبير على العدالة الاجتماعية.

أما عن آليات إيجاد الحلول لهذه المشاكل فلا بد من قيام المصارف الإسلامية بتوفير البيانات والمعلومات اللازمة والخاصة بما تقدمه من خدمات للمجتمع، مثل توفير معلومات عن الاستثمارات الإسلامية وغير الإسلامية وذلك لتسهيل عملية قياس مسؤولياتها الاجتماعية في هذا المجال.

وكذلك توفير جميع المعلومات اللازمة لتسهيل احتساب المؤشرات الفرعية عن القرض الحسن و الزكاة وغيرها، وضرورة توفير البيانات التفصيلية كافة عن العاملين لدى المصارف الإسلامية وعن جميع المبالغ والمزايا التي تم إنفاقها عليهم كالعلاوات والترقيات والحوافز وغيرها من الأمور المرتبطة بالعاملين.

وتوفير المعلومات التي تخص مساهماتها الاجتماعية بصورة منفصلة لتسهيل عملية احتساب التكاليف والمنافع الاجتماعية لأنه لوحظ أن بعض المصارف لم توفر مثل هذه البيانات، وكل ما سبق من معلومات يجب الإفصاح عنها بشكل تام وكامل في مجالات المسؤولية الاجتماعية، من خلال نموذج مقترح يتم إدراجه ضمن القوائم المالية التي تقدمها تلك المصارف حتى يطلع مختلف أصحاب المصالح فيها على كيفية قيامها بمسؤوليتها الاجتماعية في مختلف المجالات.

لذلك على المصارف الإسلامية أن تأخذ بنظر الاعتبار توفير كافة البيانات والمعلومات سابقة الذكر، لما لها من أهمية تلقي بظلالها على الجميع بما في ذلك المجتمع والذي هو أحوج ما يكون الى مثل هذه المؤسسات، وخاصة الطبقات الفقيرة والمحتاجة وهي بالتالي تخفف من العبء الملقى على عاتقهم وعلى عاتق الدولة في توفير احتياجات هذه الفئات المجتمعية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0