الثقافة هي المعبر الحقيقي عما وصلت إليه البشرية من تقدم فكري، فمن خلالها يتم رسم المفاهيم والتصورات كما يتم رسم القيم والسلوك، وقد ارتبطت الثقافة بالوجود الإنساني ارتباطاً وثيقا، تطور مع الحياة الإنسانية وفقاً لما يقدمه الإنسان من إبداع وإنتاج في شتى المجالات، فالثقافة هي "المنظومة المعقدة والمتشابكة التي تتضمن اللغات والمعتقدات والمعارف والفنون والتعليمات والقوانين والدساتير والمعايير الخلقية والقيم والأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية والمهارات التي يمتلكها أفراد مجتمع معين".

وقد عرف الإنسان أهمية الثقافة في تكوين ذلك الوعي فأسس وجودها عبر السنين من خلال التراكم النوعي والكمي للفعل الثقافي والإنساني، وما زالت الثقافة هي المحرك الأساس للفعل الإنساني، فمقياس تحضر الأمم ورقيّها مرتبط بتقدمها الثقافي بكل دلالات اللفظ ومحتوياته، وهذا ما تشهد به المدنية المعاصرة، فالأمم المتقدمة في عالمنا هي التي استطاعت أن تأخذ بتلابيب الثقافة في كافة جوانبها الإنسانية والعلمية وأن تحول وعيها الثقافي إلى فعل عام تتقدم به على غيرها، على الرغم من الخلل الذي يصيب بعض جوانب ثقافتها.

فالسيطرة العالمية المعاصرة على واقع الشعوب ليست سيطرة عسكرية أو اقتصادية فقط، بل هي نسيج من السيطرة الثقافية سواء كان ذلك في حياتها الاجتماعية أم الاقتصادية أم السياسية أم التربوية، إذ أصبحت "نمطية" الحياة لدى بعض الشعوب صورة متكررة لشعوب أخرى في فعلها الثقافي على الرغم من أنها لم تخضع لاحتلالها العسكري أو لهيمنتها الاقتصادية، وما ذلك إلا لغلبة ثقافتها وانتشارها مستغلة التقدم العلمي والتقني المعاصر.

اختلفت تعريفات المفكرين والفلاسفة حول مفهوم الثقافة بصفة عامة، فقد عرّفها ثومبسون "بأنها مميزات أو خصائص جماعة تتضمن القيم والمعتقدات ومعايير السلوك التي تختلف في عضوية جماعة أخرى وتساعد على تمييز هذه الجماعة عن جماعة أخرى"، أما أمرود فيعرّفها بأنها "نظم السلوك والمعتقدات التي تميّز جماعة اجتماعية".

ويرى آرندس أنها "تصف الطريقة الكلية لحياة جماعة بتاريخها واتجاهاتها وقيمها، والثقافة تُتَعلّم، وليست ثابتة، وتتغير بشكل مستمر، والثقافات لا تمثل الجماعات، وإنما هي ما أوجدت من قبل الجماعات"، ولقد كان عالم الاجتماع روبرت بيرستد أكثر وضوحاً حين عرّف الثقافة بأنها "هي كل ذلك الكل المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه كأعضاء في مجتمع".

ولعل علماءنا العرب والمسلمين سبقوا في دراسة ارتباط الثقافة بالمجتمع منذ عصور مضت يقف في مقدمة ركبهم مؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون مروراً بعدد كبير من علماء الاجتماع ولعل أبرزهم في السنوات الأخيرة المفكر الجزائري مالك بن نبي وعالم الاجتماع علي الوردي وغيرهم.

إن ارتباط الثقافة بالمجتمع ارتباط متلازم، إذ لا يمكن أن نفهم مجتمعاً إلا بفهم ثقافته، كما لا يمكن أن نفهم ثقافة أي مجتمع إلا بفهم المجتمع ذاته، سواء كان ذلك في جوانبه الثابتة كالأديان والقيم الأخلاقية، أم في جوانبه المتطورة والمتغيرة كالإبداع والفن والأدب والإنتاج العلمي وغيرها من الأفعال الثقافية المتطورة والتي هي أسرع تغيّراً ومواكبةً للمرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع.

وقد تأكد الدور الاجتماعي للثقافة من خلال:

1 - التأثير القيمي والأخلاقي والسلوكي للثقافة بحياة الفرد، في التصرفات والسلوك، إذ يعبر عن ثقافة الفرد ورؤيته لذاته وللأشياء من حوله وبمقدار الوعي الثقافي لدى الفرد يزداد دوره في الحياة وتزداد رسالته الإنسانية نحو مجتمعه والآخرين.

2 - للثقافة دور كبير في التواصل الإنساني على مر التاريخ، فقد استطاع الإنسان أن يبتكر ويطور آليات ثقافية متجددة ونامية حقق من خلالها معرفة واسعة بالحياة، وتعزز هذا الدور من خلال الوسائل الحديثة التي توّجت بثورة الاتصالات والمعلومات، فجعلت التواصل الإنساني أكثر قدرة على اختراق الحواجز والجسور بين البشر مما زاد معرفتهم بأنفسهم وبغيرهم.

3 - تزايد الإدراك لدور الثقافة في تغيير اتجاهات الرأي العام المحلي والعالمي، من خلال التأثير غير المباشر للفعل الثقافي في حياة الشعوب، ولقد تعزز دور الثقافة على المستوى العالمي في العقود الأخيرة من خلال إنشاء عدد من المنظمات والمؤسسات الثقافية العالمية والإقليمية ولعل المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) تأتي في مقدمتها، وعلى المستوى الإقليمي تبرز المنظمة العربية والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم وغيرها من المؤسسات التي تشكل أدوات وآليات للفعل الثقافي الدولي والإقليمي.

أولا: مصادر الثقافة التربوية:

إذا كانت المؤسسات التربوية تهيء لطلابها وطالباتها الخطط والبرامج التعليمية والتدريبية لما لهذه الخطط والبرامج من أهمية في تحصيل الطلاب والطالبات للمواد العلمية التي جاءوا لدراستها، فإن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية عن ذلك، ألا وهي مصادر الثقافة التربوية لدى هؤلاء الطلاب والطالبات، إذ أن ما يقدم داخل قاعات الدرس والمختبرات والمعامل لا يمثل إلا جزءاً من عملية التربية التي يجب أن يتلقاها الطلاب والطالبات.

لعل أبرز مما تعنى به المؤسسات التربوية هو رفع المستوى الثقافي لطلابها وطالباتها من خلال توفير فرص التثقيف وإيجاد رؤية تثقيفية نقدية لديهم حتى يستطيعوا أن يتعاملوا مع المؤثرات الثقافية في المجتمع، وذلك من أصعب المهمات أمامها إذ أن تشكيل الرؤى الثقافية يتم قبل من خلال مؤثرات كثيرة، وتأتي هذه الرؤى في بعض الأحيان محملة بكثير من المعوقات التي تحد من دور المؤسسة التربوية في تكوين التصورات والأفكار الثقافية لطلابها وطالباتها، إذ يأتي هؤلاء وقد تأثروا بمؤثرات كثيرة لعل من أبرزها الأسرة والمدرسة والأصدقاء وغيرهم.

أهم مصادر الثقافة التربوية ما يلي:

1 - الأسرة:

إن الاهتمام بالأسرة يعني الاهتمام بكل مجتمع، فإذا أنشئت هذه الأسرة على أسس وقواعد ثابتة راسخة من القيم والفضائل فإنها بذلك تبني المجتمعات بلبنات قوية متماسكة لا تؤثر فيها عواصف الزمن ولا متغيرات الأحداث، أما إذا أهملت الأسرة دورها في التربية والتقويم فإن أفراداً في المجتمع يتخرجون من هذه الأسرة لا يمكن أن يساهموا في بنائها بل يكونون عوامل هدم وتخريب ولا يمكن أن تنشأ المجتمعات بمثل هذه العناصر الهزيلة.

وقد اهتمت الشعوب والأمم بتكوين الأسرة على قواعد ثابتة حتى تستطيع أن تربي أجيالاً قوية، ولعل أهم أدوار الأسرة في تكوين الثقافة التربوية يبرز في الاهتمام بالجانب الأخلاقي والسلوكي وفي تعليم الأبناء الفضائل والمبادئ الخلقية الرفيعة وإرشادهم إلى السلوك المستقيم، وهي من أهم الواجبات التي يمكن أن تقوم بها الأسرة فهي التي تستطيع أن تترجم المعاني الخلقية إلى أفعال وسلوك بممارستها لهذه الأفعال أمام الأبناء فيكتسبون منها ذلك ولا يمكن لأي مؤسسة أو فئة أو محضن تربوي أن يقوم بدور الأسرة، وإذا حدث ذلك فإنما هو خلل في الأدوار لا بد من معالجته.

ولعل أبرز جوانب التربية الخلقية هو القدوة من خلال الوالدين، حيث أنهما يعتبران النموذج والقدوة أمام الأبناء، وقد حث الإسلام على الاهتمام بالجانب الخلقي فجعل النموذج الأمثل للقدوة هو محمد صلى الله عليه وسلم، حيث وصفه القرآن الكريم بقوله: " وإنك لعلى خلق عظيم " وقال عن نفسه: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ".

أن التربية الخلقية هي روح التربية الإسلامية، وأن الوصول إلى الخلق الكامل هو الغرض الحقيقي من التربية، فالغرض الأول والرسمي من التربية تهذيب الخلق وتربية الروح، وكل درس يجب أن يكون درس أخلاق، وكل معلم يجب أن يتصف بالأخلاق المحمودة التي يكون بها المعلم مثاليا في تديّنه وسمته، والخلق النبيل عماد التربية في الإسلام، فالقدوة الحسنة في التربية، هي من أنجح الوسائل المؤثرة في سلوك الأبناء، سواء كان ذلك في الجانب الخلقي أو الجانب العملي، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً".

كما يبرز دور الأسرة في الاهتمام بالسلوك الاجتماعي حيث يعيش الأبناء في مجموعة بشرية معينة وعليهم أن يتعرفوا على هذه البيئة حتى يستطيعوا أن يعيشوا معها ويتجاوبوا مع ما تطلبه منهم ويستطيعوا أن يأخذوا منها ما يحتاجون إليه، ولذلك لا بد للأبناء من سلوك اجتماعي يتعاملون به مع الآخرين، وهذا السلوك إنما يأتي بصورة رئيسية من الأسرة التي تدربهم وتعلمهم على ذلك.

وتأتي تنمية الجانب الثقافي كدور آخر للأسرة، فهو جانب مهم في حياة الإنسان الذي يراد له أن يكون إنساناً سوياً، وبالتالي لا بد له من ثقافة ومعرفة يتلقاها في صغره حتى يكبر عليها وينشأ محباً لها عاملاً بها، فمن خلال الأسرة تتكون القيم والمفاهيم الثقافية الأولى للفرد ويستمد منها معرفته الثقافية بدءاً من معاني المفردات والكلمات إلى الحكم على الأشياء بالصواب والخطأ.

ولعل أهم الأدوار الثقافية للأسرة مراقبة ما يقدَّم للأبناء من خلال وسائل الإعلام، فالأسرة لا تستطيع أن تمنع ما يقدَّم في هذه الأجهزة إلا أنها تستطيع أن تراقب ما يقدَّم لأبنائها من برامج إعلامية، لأن في بعض هذه البرامج ثقافة وفكراً لا تتفق مع ما تهدف إليه الأسرة من التربية السليمة لأبنائها.

والأسرة كذلك مرجع لثقافة الطلاب والطالبات، فما زال كثير منهم يلجأ إلى أسرته للتعرف على ما يحتاجه من ثقافة معينة أو معلومة جديدة خاصة إذا كانت هذه الأسرة تعنى بالثقافة، إلا أن دور الأسرة بدأ يتراجع لصالح مؤثرات أخرى كوسائل الإعلام والمؤسسات المجتمعية، فبسبب التحول الاجتماعي الذي طرأ على أطوار كثير من مكونات المجتمع ووحداته فقد أصبحت الأسرة مشدودة إلى مؤثرات كثيرة، مثل طول ساعات العمل للوالدين أو أحدهما والاهتمام بقضايا حياتية كتوفير مصادر الدخل والعلاقات الاجتماعية، واقتصار حجم الأسرة على الأسرة النووية بما لها من دور محدود، وتراجع الدور الواسع والمؤثر للأسرة الممتدة، ودخول عوامل مؤثرة جديدة داخل الأسرة وهي جهاز التلفزيون أو الكمبيوتر، كل ذلك أثر على هذا الدور فأصبحت ساعات التواصل بين الأسرة محدودة أو قليلة، وأصبح الأبناء يبحثون عن إجابة لتساؤلاتهم في أجهزة الإعلام كالإذاعة والتلفزيون وشبكة الاتصالات وشبكة المعلومات وغيرها من مصادر المعرفة، وقد أدى ذلك كله إلى إضعاف دور الأسرة في تكوين الثقافة التربوية للأبناء.

2 - المعلم:

يعتبر المعلم محور العملية التعليمية إذ أن جميع العوامل الأخرى كالمنهج والكتاب والوسائل المساندة لا تستطيع التأثير أو تطوير مسيرة التعليم دون أن تمر من خلال المعلم، فهو يقوم بصياغة تفكير الإنسان وتربيته وتطوير مهاراته فالمعلم هو القائد والمحرك للعملية التعليمية، من هنا تأتي أهمية الاهتمام به بما يتناسب مع دوره الملقى عليه وهو النيابة عن الأنبياء لقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم "العلماء ورثة الأنبياء " إن أثار المعلم واضحة على التعليم.

إن الاتجاه العالمي في التربية الحديثة يذهب إلى إعطاء المعلم أدواراً أكثر من مجرد الأداء للمادة العلمية إذ يتطلب منه أن يقوم بأدوار شتى كتعليم الطالب طريقة التعليم وليس التعليم وحده، كما يطلب منه أن يتابع المستجدات الحديثة في ميدانه ويطور إمكانياته ومهاراته المهنية والتركيز على البحوث العلمية الميدانية وعدم الاكتفاء بالتلقين النظري خاصة مع تسارع المستجدات العلمية الحديثة وتطور وسائل التقانة مما يفترض معه قدره المعلم على التعامل مع هذه التقانة، أو تنمية مهاراته كما عرفها "هندرسون Handerson " بأنها أي شيء يحدث للمعلم من أول يوم يلتحق فيه بالمهنة إلى اليوم الذي يتقاعد فيه عنها، بحيث تسهم هذه الأشياء وبصورة مباشرة أو غير مباشرة في الطريقة التي يؤدي بها واجباته المهنية".

لقد خرج المعلم بدوره إلى ميدان أوسع من ميدان التعليم إلى ميدان التربية، وبهذا يعود المفهوم الشمولي الذي دعى إليه الإسلام في قيام المعلم بهذا الدور إذ لم يفصل بين الفكرتين بل دعى إليهما باعتبارها وجهان لعملة واحدة، بل تكاد التربية تسبق التعليم.

مازالت العلاقة بين الأستاذ والطالب في عالمنا العربي تعتريها حالات من التردد، فصورة الأستاذ أو المعلم في ذهن الطالب هو ذلك الإنسان المتعالي المتشدد في معاملته قليل الابتسامة، يستخدم مصطلحات وكلمات لا يستوعب الطلاب كثيراً منها، ويقيم حاجزاً نفسياً بينه وبينهم، لا علاقة لهم به خارج قاعة الدرس. إلى غير ذلك من الصور السلبية التي يرسمها الطلاب عن أساتذتهم ومازالت مخيلة الذين درسوا في المؤسسات التعليمية العربية تحتفظ بنماذج من هؤلاء الأساتذة على الرغم من الإقرار لهم بالفضل والعلم؟.

وإذا كانت هذه الرؤية لدى الطلاب فإن رؤية الأساتذة لطلابهم لا تقل (سوداوية) عنه إذ هم يرون في طلابهم مجموعة من الأشخاص الذين لا يسعى معظمهم للعلم وتحصيله بل للحصول على الشهادة العلمية بقليل من الجهد وأن هذا الجيل ليس كالأجيال السابقة في جدّه واجتهاده، وقليلاً ما يتميز بعض الأساتذة بعلاقات جيدة مع طلبتهم، ويساعد على ذلك أن قوانين وأنظمة المؤسسات التعليمية لا تنظم مثل هذه العلاقة من خلال قاعات الدرس أو ما شابهها.

3- المكتبات التعليمية:

ما زالت المكتبات بصفة عامة والمكتبات في المؤسسات التعليمية بصفة خاصة مصدراً أساسياً من مصادر الثقافة التربوية للطلاب والطالبات، فهي مصدر علمي يسند المقررات الدراسية والتدريبية حيث يجد فيه الطلاب والطالبات مبتغاهم من المصادر والمراجع التي يحتاجونها لدعم دراستهم التخصصية أو أبحاثهم العلمية، وتسعى المؤسسات التعليمية إلى أن تكون مكتباتها ملبية لاحتياج الباحثين فيها سواء كانوا أساتذة أم طلاباً، ولذا فإنها تقوم بتطوير مكتباتها ورفدها بالدراسات والأبحاث والكتب الجديدة، وقد يسرت وسائل التكنولوجيا سبل الاستفادة العلمية من المكتبات خاصة مع توفر الكتاب الإلكتروني أو المكتبة الإلكترونية التي لا تحتاج إلى انتقال مكاني أو ساعة زمنية محددة للاستفادة منها.

يجد أن الاستفادة منها كمصدر للثقافة ما زال محدوداً، إذ ما زال طلاب وطالبات المؤسسات التعليمية يعتقدون أن دور المكتبة مقصور على توفير المراجع والمصادر العلمية وأن مصادرهم الثقافية لا مكان لها في هذه المكتبة، ولعل مرجع ذلك إلى (تقليدية) الدور الذي تقوم به بعض المكتبات، إذ يقتصر دورها على توفير الكتب دون القيام ببرامج وأنشطة تخرج بها من هذا الدور إلى الدور الثقافي العام بحيث تشجع الطلاب والطالبات على الاستفادة منها ومن برامجها، وترجع بعض الأسباب إلى الطلاب والطالبات أنفسهم، ومن ذلك:

أ. عدم إدراك الطلاب والطالبات للثقافة كمكوّن أساسي لحياتهم الشخصية، إذ لا يتوقف دور الطالب أو الطالبة بعد تخرجه على المادة العلمية التي درسها، بل يمارس دوراً واسعاً في الحياة يتطلب منه إحاطة شاملة بشؤونها، ومن لم يتسلح بالثقافة العامة والمعرفة إلى جانب التأهيل العلمي والتدريب فلن يستطيع أن يقوم بدوره في الحياة كما ينبغي.

ب. تراجع مكانة القراءة كمدخل للثقافة، فكثير من الطلاب والطالبات لا يقرءون إلا المقررات الدراسية أو ما يكلفهم به أساتذتهم من واجبات، لكن القراءة والمطالعة كرغبة وهواية لم يعد لها ذلك الدور المهم على الرغم من توفر الوسائل المساعدة في ذلك. إن كثيراً من الطلاب والطالبات لديه الرغبة في القراءة لكنه لا يعرف كيف يبدأ وماذا يقرأ ولا يعرف أساليب القراءة وكيفية الاستفادة مما قرأ، إلى غير ذلك من المعوقات أمامه التي يحتاج معها إلى توجيه وإرشاد يمكنه من الاستفادة من المكتبة.

ج. غياب الاهتمام الثقافي العام والتثقيف الذاتي، إذ أدى تطور الحياة السريع وتشتت الاهتمام في جوانب كثيرة من الحياة وانصراف الإنسان إلى الاهتمام بحياته ومصادر رزقه وضياع كثير من الأوقات، وغياب الاستعداد للعمل الثقافي وتراجع هذا العمل إلى العزوف عن الشأن الثقافي بصفة عامة لصالح مظاهر اجتماعية أخرى، إن المراقب لحال طلاب وطالبات لا يجدهم يختلفون كثيراً عن واقع المجتمع الذي يعيشون فيه، وهم في ذلك غير ملامين، فهم نتاج مجتمعهم أو بيئتهم، وقد تأثروا به وتعودوا على ما عودهم عليه، ومن هنا فإن الشكوى من ضعف المستوى الثقافي لكثير من للطلاب والطالبات ليس إلا تعبيراً عن المستوى الثقافي العام، ولذا تدني مستوى القراءة وهي المدخل للثقافة بحيث أصبحت نسبة من يقرأ منهم قراءات خارج المنهج الدراسة محدودة.

4- جماعة الأصدقاء:

يشكل الأصدقاء مصدراً للثقافة التربوية بالنسبة لزملائهم خاصة لأولئك الذين لا يجدون مصدراً للإجابة على تساؤلاتهم التربوية والثقافية، فقد أصبح "عالم" الأصدقاء بالنسبة لكثير من الفتيان والفتيات موئلاً مهماً للإباحة لهم بمشكلاتهم، وهو مهم، خاصة وأنهم يجدون فيهم الثقة المناسبة والمقاربة في العمر والقدرة على التجاوب معهم دون تعنيف أو إساءة كما يحدث أحياناً من بعض الوالدين أو المعلمين، ولذا يلجأ بعضهم إلى أصدقائهم للاستفادة من آرائهم وأفكارهم وحلولهم للمشكلات التي تواجههم، خاصة أولئك الأصدقاء الذين يملكون قدراً من المعرفة يميزهم عن أقرانهم، أو يملكون قدرات قيادية يستطيعون من خلالها قيادة زملائهم وأصدقائهم.

إن جماعة الأصدقاء تمارس أحياناً أدواراً تتجاوز دور المدرسة أو الأسرة، يقول (وارنر) (Warner) و(لنت) (Lunt): "إن العضو المراهق أو المراهقة في جماعة الأصدقاء، قد يقف من أسرته موقف التحدي ويعارضها، في سبيل المحافظة على كرامة رفاقه واحترامهم، في حالة تعارض ميول الجماعتين".

و إذا كان الأصدقاء يشكلون مصدراً للثقافة التربوية فإن بعضهم قد يشكل مصدراً للانحراف خاصة تلك المجموعات التي تلتقي على القيام بأعمال منافية للأخلاق أو مخالفة للقانون، مثل تعاطي المخدرات أو الانحرافات السلوكية أو جرائم السرقة أو حتى مشاجرات الطرق، ومن هنا تأتي أهمية وخطورة الثقافة التربوية التي يتلقاها الطلاب من أصدقائهم، ولذا نجد التعاليم الإسلامية تحض على حسن اختيار الأصدقاء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".

5 - المؤسسات المجتمعية:

إن طلاب المؤسسات التعليمية وطالباتها يأتون إليها وهم محملون بكثير من القيم الثقافية التي تلقوها من مؤسسات المجتمع ومكوناته المتعددة، وتستمر معهم هذه القيم في مرحلة دراستهم، بل تزداد رسوخاً من خلال تأكيد الدراسة على هذه القيم أو أنها تتعرض للتهذيب والتوجيه من خلال ما يتلقاه الطلاب والطالبات على يد أساتذتهم وفي مؤسستهم التعليمية والتربوية.

* هذا المقال ملخص لاهم المفاهيم والأفكار الاعلامية المعاصرة مقتبسة من كتاب الاعلام والتربية للمؤلف عبد العزيز خالد الشريف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0