ظلت النظرة إلى الدين كـ (ظاهرة اجتماعية)، من أكبر السقطات المعرفية التي وقع أو أوقع المفكرون فيها أنفسهم؛ لأنهم لم ينتبهوا إلى لا جدوى المرات الكثيرة التي فسروا بها المعطيات الدينية وفق الأطر النسبية والقوانين الوضعية، حتى مع ثبوت عدم انسجام مثل تلك التفسيرات مع الجوهر الحقيقي للفكر الديني.

ولا نعرف في الحقيقة، ما سر هذا الإصرار على الانقياد غير المشروط لأفكار بينها وبين الدين وتمثلاته بدون شاسع، حتى من الذين يعتبرون أنفسهم ناطقين رسميين باسم الفكر الديني ومعاصرته؟، ولماذا تُختصر المعاصرة مثلاً، أو قيم التجديد في عملية التنصل من القيم؛ لإرضاء مناهج هي أصلاً مفتقدة للواقعية، عند اقترابها من الأفكار والمعطيات التي تقوم ببحثها ودراستها؟.

(الفقه) الأركوني

يعد المفكر الجزائري (محمد أركون)، من أبرز الذين قالوا برمزية الدين الاجتماعية، بل تعدى ذلك، عبر مقالات وإصدارات كثيرة، إلى ممارسة عملية تشكيك هائلة بالمُسلَّمات الإسلامية؛ بهدف تطويعها لرؤيته أو رؤية من يقلدهم، معتبراً إياها محدداً مغلقاً (غير جوهري أو ماهوي)، سالكاً بذلك ذات المسلك المكشوف في تعقيد الجملة والعبارة، وإغراقها بالغموض والمصطلحات المكثفة أكثر من اللازم، ربما غفل أو تغافل عن حقيقة أن التكثيف الإصطلاحي المبالغ به قميص مثقوب، ويبدو من المستحيل عليه أن يستر عري المعنى.

وتبدو الآراء الأركونية، وخصوصاً في قضية تغيير الثوابت الإسلامية، والتشكيك بصحة النصوص القرآنية، والتأكيد على عدم استجابتها لتحولات الراهن المعاصر، أقرب إلى أفكار الليبراليين، غير أن (محمد أركون) يصر على أنه (صوت من الداخل الإسلامي)، بل وينفي الفقه والاجتهاد عن الآخرين، عاداً نفسه الفقيه الأوحد، حتى مع عدم تبنيه لأي مسلك أو منهج، حيث يكرر أن التأكيدات الإسلامية على حقوق الإنسان، وحفظ الكرامة البشرية، ماهي إلا (منافسة محاكاتية)، وتقليد لمبادئ الثورة الفرنسية!

وهو بذلك يعبر الزمان والمنطق والعقل بقفزة تنظيرية واحدة؛ وكل ذلك من أجل نفي حقيقة القوانين الإلهية التي تنظم سير الموجودات، و التشديد على أن منشأها منشأٌ بشري خاضع لجدلية الثابت والمتغير.

ولربما أراد من خلال فكرة علمانية الدين، ارتقاء السلالم الأولى لفكرة (الإلحاد الإيماني)!، إنَّ عدم الإيمان بالدين كمعطى سماوي، والتأثر به، ونزع روحانيته، هي - بحسب (الفقه) الأركوني - أهم مايجب أن يتعود عليه الباحث في الفكر الديني، سالخاً القيم عن المنهج، بل ويتبنى اللاقيم كحقيقة مختلقة تعمل على إيهام الآخرين.

حيادية اللامنطق

ولايمكن التسليم بأية حال بحيادية الطرح الأركوني، خصوصاً حينما يمارس (الحيادي) عمليات متسلسلة لحرف المسار والحقائق، فالحيادية لاتعني مساواة الشيء بنقيضه، مثلما فعل (محمد أركون) حين ساوى بين الدين والعلمانية من خلال أطروحة علمانية الدين.

نعم، يمكن يمكن التعرف على حقيقة الأشياء عبر دراسة نقائضها وحيثيات هذه النقائض، كما في قول الشاعر : " وبضدِّها تتعارف الأشياءُ ". لكن الاجتهاد في عملية دمج مشوه بين المتناقضات، ثم ادعاء الحيادية في هذا بعد ذلك يبدو من الأمور التي أقل مايقال عنها أنها غير منطقية.

يقول (محمد أركون) في كتابه الموسوم (الفكر الأصولي واستحالة التأصيل..نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي) : " مهمة الباحث تكمن في أشكلة كل الأنظمة الفكرية التي تنتج المعنى "، ترى هل يريد بهذه (الأشكلة) إنتاج اللامعنى وفق مبدأ مساواته بين المتناقضات ؟

هو يشرح مصطلح (الأشكلة) problematisation في هامش له، ويعرفه فيقول : " هو نزع البداهة عن التراث، ووضعه على محك التساؤل والنقد من جديد. وهذه العملية النقدية يجب أن تطبق على كل الأنظمة الفكرية التي تعاقبت على البشرية، فكل نظام عقائدي أو فكري ينتج المعنى الذي يعيش عليه الناس لفترة تطول أو تقصر. ولكنه ينتج أيضاً آثار المعنى: أي الآثار السلبية والإيديولوجية المرافقة حتماً لكل معنى، وليس من السهل التفريق بين المعنى وآثار المعنى ".

قد نتفق معه في ضرورة وضع الأنظمة الفكرية على محك نقدي، وهو ماقد يصطدم بمُسلّمات علمانية بضرورة ترك التاريخ والماضي، غير أننا نخالفه في وقوعه مرة أخرى في فخ المساواة المغلوطة، بين ماهو عقائدي سماوي، وماهو فكري إنساني، حين يطرح (الأشكلة) على الطرفين المُنتجين للمعنى؛ معللاً ذلك بالآثار التي سينتجها. ولو تنزلنا - جدلاً - بقبول هذه المساواة، وأردنا تطبيق ما أراده (أركون)، ونقوم بجمع المعاني المُنتَجة عقائدياً، ومثيلاتها المُنتجة فكرياً، ثم نصل إلى الآثار التي رآها سلبية وإيديولوجية، عندئذ ستتكدس آثار المعنى من العقائد الدينية الثابتة، والأفكار الأخرى بحسب منطق المساواة الذي اعتمده، وبما انه يريد التفريق الذي يراه ليس سهلاً بين المعنى بعد إتمام عملية (الأشكلة)، وآثاره السلبية، لنا أنا نسأل : وفق أي نظام يريد للبشرية أن تسير عليه؟.

من سيقبل بحيادية - في حال كان الطرح محايداً أصلاً - تقود إلى اللامعنى؟ وهل اننا لن نكون حياديين إلا بعمل مقارنة بين القرآن والتوراة والإنجيل، وفق تصورات أحادية للمستشرقين الأوروبيين، أو من يدور في ذات الفلك الذي يدورون عليه؟.

يبدو أن آثار التراجع الغربي في مسعى تقويض التأثير الديني، والتي لم يعد هناك بد من الاعتراف بها، مع التجارب المتداعية، كان لابد من وجود مصدات فكرية تقف بوجه واقعية التأثير الديني، مع استعدادها الكامل لهذا الدور، إلا أن الذي لم يكن في الحسبان أن تتداعى تلك المصدات بفعل تناقضاتها، بين نمط يذهب باتجاه استنساخ علمنة الغرب وإسقاط مظاهرها على الشرق، وآخر يريد صياغة نموذج علماني من إطار ديني، تحت يافطات (الحفر والتفكيك) في العقل والتراث، وهي اليافطات التي تم التبشير بها من جماعة (العقلانية النقدية).

فالعقلانية عندهم منهج منفصل عن القيم، يُستخلص معناه بحسب الأمزجة والاشتهاءات التي تصف اللغة العربية - وهي من أكثر اللغات اتساعاً وجمالية - باللغة المتخشبة، ثم تدعو إلى تجميد عوامل تقديس الكتب السماوية باعتبارها (فرضية دينية)، بحسب ماتمليه مناخات الحداثة العقلية التي تهتم بأشياء ليس العقل منها في شيء!، فهي حداثة تمثل ظاهرة كونية تشمل كل الوجود مستثنى منه مايتعلق بالدين أو الأفكار والنصوص الدينية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1