ليس هذا عنواناً لمجموعة شعرية، أو رواية جديدة صدرت بأنساق سردية حداثية كما قد يتخيل القارئ العزيز من غرابة العنوان، او من أبعاده التي تدعو للتأمل والتأويل، انما هو استقراءات لواقع سياسي لايكف عن الإلتهاب والإشتعال، منذ زوبعة خالد العبيدي، وزير الدفاع المسحوبة الثقة عنه برلمانياً، والذي لايزال موجوداً ومواصلاً لعمله، وصولاً لقضية استجواب هوشيار زيباري وزير المالية المحصن بالقومية الأكثر جدلاً في التأريخ السياسي للمنطقة.

وحتى لايشعر المتابع بالملل جرّاء تكرار المشاهد في مسلسل الإستجواب البرلماني، عمد المخرج لإضافات (بهارات) تشد المتابعين للإستمرار مع حلقات المسلسل، فبدلاً من عرض الوزير الكردي للملفات الموجودة تحت يديه في جلسة استجوابه، وإحداث زلزال جديد شبيه بتسونامي خالد العبيدي، حافظ (كاك هوشيار) على هدوئه وكأنه جبل من ثلج، وكذلك فعل النائب المستجوِب هيثم الجبوري، قبل أن يظهرا في وسائل الإعلام المختلفة ويرفعا منسوب الدهشة الدرامية للمسلسل.

الوزير زيباري أطلق قنبلة مالية تعكس ارتباكه دون أن ينتبه إلا أنه قد يكون المحترق الأكبر بشظاياها، وقد تنبهت كتلته البرلمانية لذلك مسبقاً في جلسة التصويت على القناعة أو عدم القناعة بإجابات الوزير، فأحدثت ماأحدثت من ضجة فاقت تلك التي حدثت في جلسة الوزير العبيدي، وكأنَّ مخرج المسلسل السياسي جعل من الضوضاء البرلماني ثيمةً رئيسة لمسلسله الذي يبدو أنه سيستمر لعدة أجزاء مثيرة قادمة.

انتخابات على الأبواب

تصريحات رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي كشفت عن انزعاج واضح من تكرار حلقات هذا المسلسل، وصرّح بدون تلميح أنَّ المسلسل يستهدف حكومته و(الإنجازات) التي تحققت طيلة الفترة الماضية.

في الحقيقة، نجد أن الحديث عن إنجازات الحكومة حسب رؤيتها هي وحدها لاغير، تشبه الألوان المتداخلة في لوحة سوريالية لايمكن فك طلاسمها، أو عبارات غير متجانسة تم رصفها بعشوائية في نص شعري عجزت التأويلات عن إيجاد معنى له.

تصريحات الدكتور حيدر العبادي فتحت الباب أمام المحللين السياسيين، فقد ذهب كثير منهم إلى ان جبهة الإصلاح البرلمانية وهي عرّاب الاستجوابات تتحرك بأجندة (مالكية) الهوى بهدف إسقاط حكومة العبادي الذي رأس الحكومة بظروف عصيبة عبّر عنها وزير مستقيل في الحكومة بأنها (مؤامرة) من أجل الصالح العام! .

لاشك أن هناك خلافات بين العبادي وجناحه في حزب الدعوة (الحاكم)، وبين المالكي ومناصريه، سواء في الحزب أو في ائتلاف دولة القانون بما يمثله كأكبر كتلة برلمانية، لكن محاولة صب الزيت على نار الخلاف (الدعوي) تبدو مهمة لانفع فيها، فحزب الدعوة خلال تجربة مابعد 2003 انتقل تدريجياً من مرحلة المعارضة الى مرحلة الحكم، وهذا واضح من خلال إدارته لأزماته حتى في أوج اشتدادها، ولنا في تجربة إبعاد ابراهيم الجعفري عن رئاسة الوزراء بضغط كردي خير مثال، فأكثر المراقبين وصلوا لقناعة تصدع هذا الحزب وعدم تمكنه من المواصلة في التجربة السياسية بما يمثله الجعفري من ثقل، فجاءت حقبة المالكي وفندت قناعات المراقبين، وزادت من قوة حزب الدعوة ونفوذه على حساب خصومه سواء كانوا من الإخوان في التحالف الوطني (المجلس الأعلى والتيار الصدري)، أو من الأطراف الأخرى كالتحالف الكردستاني أو الأطراف السُنّية.

والسؤال هنا: هل صحيح أن جبهة الإصلاح البرلمانية تتحرك بتوجيهات المالكي؟ وهل تكفي ذريعة استجواب وزراء العبادي وفق القانون لنجزم بأن المالكي يريد الإنقلاب على صاحبه الذي تسبب في إبعاده عن استحقاقه الإنتخابي كما يعبر مناصرو المالكي؟

وإن كان الأمر كذلك، ما هو سر القوة التي يتمتع بها هذا الرجل، بحيث صار هاجساً مقلقاً للإسلاميين شيعة وسنة، وللعلمانيين والكرد؟

وبما أننا في حرب التلويح بملفات الفساد من قبل الأطراف المتنازعة، لنا أن نسأل: ماذا لو كشف المالكي نفسه عن ملفاته التي طالما تحدث عنها بمناسبة أو بدونها؟

الظاهر من التعاطي السياسي لخصوم المالكي أنهم زادوا من قوته وشعبيته من دون أن يشعروا، وهذا مؤشر في تصريحات الزعماء والقادة السياسيين لتمتد إلى تحليلات المراقبين والناشطين عبر وسائل الإعلام المختلفة، ومواقع التواصل الاجتماعي ولمختلف القضايا.

وكلما اقترب موعد انتخابات مجالس المحافظات زاد منسوب القلق والترقب لنتائجها التي سيكون للحشد الشعبي دور كبير في حسم نتائجها، مايزيد مخاوف انقسام فصائل الحشد بعد دخول المعترك السياسي والإتخابي، وهي التي سجلت بحروف الفخر والعز أروع الملاحم في معركة استعادة الأرض والكرامة من سيطرة الداعشيين الوهابيين التكفيريين.

وفي حال تأكدت أنباء دخول المالكي مع والحشد في قائمة انتخابية موحدة، فإن أيام الحملة الإنتخابية ستشهد مزيداً من التوترات وحملات للتسقيط المتبادل، وهي وإن تكون متوقعة إلا أنها هذه المرة ستكون بصوت أعلى من المتوقع بكثير.

الموقف الإقليمي

من الطبيعي، وإزاء هذه التداعيات الحاصلة والمتسارعة في المشهد السياسي، ازدياد مراقبة المحيط الإقليمي والدول المجاورة لهذا المشهد، وكل طرف حسب رؤيته وأجندته ومصالحه في هذا البلد، خصوصاً إذا ما جاءت رياح الأحداث عكس ما تشتهي إرادات الأطراف الإقليمية المختلفة.

في تطور لافت، طالبت وزارة الخارجية العراقية السلطات السعودية باستبدال سفيرها في العراق ثامر السبهان ؛ لأنه - حسب الوزارة - لم يكن موفقاً في عمله، وأدت تصريحاته الإعلامية وبعض تحركاته إلى تأزم الوضع في العراق، وهو مايتنافى مع سلوكيات العمل الدبلوماسي المتعارف عليها.

الغريب في الأمر، هو الموقف المتشنج من (تحالف القوى العراقية) تجاه هذا المطلب،والذي ظهر قبل موقف الحكومة السعودية المعنية الأولى بهذا الموضوع، وراحت تصريحات المسؤولين في هذا التحالف تكيل عبارات الإطراء والمديح والصفات الأسطورية لشخصية السفير السبهان، وكأنّهم في (عكاظ) سياسي يتسابقون فيه لمد يد البيعة لأميرهم وولي نعمتهم، الأمر الذي أثار حفيظة المجتمع الذي ينتمون إليه وينادون بحقوقه، فانتهت معاناة النازحين، وكذلك محنة مدنهم المحتلة من التنظيم الإرهابي المدعوم من السبهان ودولته بالمال والإعلام، ولسان حالهم يقول : السفير في خطر، يعني كلنا في خطر!.

تشنج تحالف القوى من مطلب وزارة الخارجية العراقية جاء بالتزامن مع استقبال المسوؤلين العراقيين لوفد يمثل الحوثيين اليمنيين بعد أن شكلوا في اليمن -حسب تقارير صحفية- المجلس السياسي الأعلى بمشاركة الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ويسعى الوفد الحوثي الزائر إلى كسب اعتراف العراق بهذا المجلس، في مقابل تعهده بتسليم العراق عشرات الخبراء العسكريين الموالين لنظام البعث الصدامي، والمقيمين في اليمن التي لجأوا إليها في بعد سقوط نظام صدام حسين، وهذا يعني أن تكتيك العراق السياسي تجاه الخارج بدأ يلعب ورقة المماثلة في السلوك حسب تدخل المحيط الإقليمي في الشؤون الداخلية للعراق، وهو الدور الذي تأخر كثيراً رغم أن ظروف المنطقة الملتهبة حولهم تساعدهم فيه، خصوصاً مع ملامح الخريف البائنة للعلاقة بين تركيا وإقليم كردستان العراق الذي يسعى لإقامة الدولة الكردية، ونقلها من مرحلة الحلم والمخيال إلى واقع حقيقي، وهو مايعتبر خطّاً أحمرَ عند الأطراف التركية.

وكانت بوادر الإنفصال الكردي في اللقاء الأخير الذي جمع بين رئيس الوزراء الإتحادي حيدر العبادي مع رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان برزاني، ومانتج عنه من اتفاقات جعلت رئيس الإقليم مسعود برزاني يصفها بالإيجابية، ويجري اتصالاً هاتفياً مع العبادي ؛ لشكره في موقف لافت.

كما أن التصدع الداخلي لأحد أقطاب السياسة الكردية وهو حزب الإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة رئيس الجمهورية السابق جلال طالباني، وانقسامه لفئتين تمثل الاولى جناح السيدة عقيلة الأمين العام، بينما تمثل الثانية جناح نائبي الأمين العام برهم صالح وكوسرت رسول، هذه الإنقسامات لانعرف إن كان لزيارة وفد الحزب الكردي لأمين عام حزب الدعوة نوري المالكي سبب فيها او لا، يمكن أن تجعل من بغداد لاعباً فاعلاً في حل هذه النزاعات التي يمكن أن تتفاقم كثيراً في حال حصل الطلاق الودي بين بغداد وكردستان.

ومابين الاحداث الملتهبة داخلياً مع قرب إجراء انتخابات مجالس المحافظات، واصطفاف الكتل بشأنها، والجدل حول إقرار قانون العفو العام، واستجواب الوزراء تمهيداً لإقالتهم من جهة، وبين الدور الإقليمي القادم للعراق، نعتقد أن مخرج المسلسل السياسي سيضيف مشاهد درامية كثيرة وساخنة، ستشد إليها الأنظار داخلياً وخارجياً.

.......................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0