باستثناء الفردانيين المتطرفين، فان كل المفكرين السياسيين يعترفون بأهمية المجموعات الاجتماعية او الكيانات الجماعية. لقد اهتموا بتركيب او تكوين المجتمع، وهو ما انعكس في محاولة تفسير كيف تساعد الانقسامات الاجتماعية المعينة في بناء هيكل الحياة السياسية.

ان الانقسام الاجتماعي وهو انقسام او تقسيم في المجتمع، يعكس تنوع التكوينات الاجتماعية داخل هذا المجتمع. لقد ولدت مثل هذه الانقسامات من التوزيع غير المتساوي للتأثير السياسي، والقوة الاقتصادية والوضع الاجتماعي. ان تفسير السياسة وفقا للانقسامات الاجتماعية هو بمثابة الاعتراف بروابط اجتماعية خاصة، سواء كانت اقتصادية، عرقية او دينية او ثقافية او جنسية، وبانها مهمة سياسيا، والتعامل مع المجموعة المعنية كلاعب سياسي رئيسي.

غير ان هذه الانقسامات يمكن تفسيرها بعدد مختلف من الطرائق. بالنسبة للبعض، فانها تقسيمات أساسية ودائمة، ترجع جذورها الى الطبيعة البشرية، والى التركيب العضوي للمجتمع. في حين يرى اخرون، على النقيض، ان هذه الانقسامات مؤقتة وقابلة للازالة. وبالطريقة نفسها يمكن التفكير في هذه التقسيمات على انها صحية ومرغوبة، او على انها دليل على الظلم الاجتماعي والاضطهاد.

يفضل المنظرون السياسيون المعاصرون أحيانا تعبير الهوية والاختلاف على تعبير الانقسامات الاجتماعية، ويطبقون عمليا ما اصبح يسمى "سياسة الهوية" او "سياسة الاختلاف". وبينما الانقسام يقتضي تقسيما وتجزيئا، مما يشجعنا على التعامل مع المجموعات الاجتماعية او الهيئات الجماعية على انها كيانات في حد ذاتها، فان الهوية تربط الشخصي بالاجتماعي، من خلال رؤية الفرد كجزء لا يتجزأ من سياق ثقافي واجتماعي ومؤسسي وايديولوجي خاص.

وتشير الهوية الى شعور بالشخصية المستقلة المنفصلة والفريدة، لكنها أيضا تعترف بان الكيفية التي يرى بها الناس أنفسهم، تشكلها شبكة من العلاقات الاجتماعية والعلاقات الأخرى، التي تميزهم عن غيرهم من الناس. وبالتالي، فان الهوية تقتضي ضمنا الاختلاف، ان الوعي بالاختلاف يشحذ او يوضح شعورنا بالهوية. وقد أدى هذا التفكير الى مايسمى "سياسة الاعتراف" المعتمدة على فكرة انه يتعين الاعتراف الكامل والمنهجي بالهوية، ويجب اعتناق الاختلاف والاحتفاء به.

على الرغم من عداء انصار الجماعاتية، وانصار مابعد الحداثة، والقوميين، والمؤمنين بتحرر المراة، وبالتعددية الثقافية، واخرين لسياسة الهوية فان عدوها الأساسي هو العالمية الليبرالية، والاعتقاد بان الناس، كافراد، يتقاسمون جوهر الهوية نفسه. بهذا المعنى تكون الليبرالية "عمياء بالنسبة للتمييز" فهي تنظر الى اعتبارات مثل: الطبقة الاجتماعية والجنس والثقافة والعرق، على انها في احسن الأحوال، هامشية او ثانوية في تشكيل الهوية الشخصية.

من ناحية أخرى، يرد المدافعون عن سياسة الهوية بان انصار العالمية الليبرالية بتقليلهم من أهمية الاختلاف، شيدوا نموذجا نظريا مجردا للطبيعة البشرية، ينزع عنها فعليا كل المميزات التي تمنح الناس الإحساس بمن هم، او ماهم عليه. ومع ذلك، يظل هناك تعارض كبير حول أي المجموعات الاجتماعية او الانحيازات، يكون لها المغزى السياسي الأكبر، سواء نظر اليه من منظور الانقسامات الاجتماعية او سياسة الهوية.

لاشك ان الانقسام الأكثر ارتباطا تقليديا بالسياسة، هو الطبقة الاجتماعية. وتعكس الطبقة تقسيمات اقتصادية واجتماعية، تعتمد على توزيع غير متساو للثروة، او الدخل او الوضع الاجتماعي. وبالتالي، فان الطبقة الاجتماعية هي مجموعة من الناس تتقاسم موقفا اقتصاديا واجتماعيا متماثلا، ومن ثم فانهم مرتبطون بمصلحة اقتصادية مشتركة.

اما الثقافة، فان أهميتها السياسية قد تأكدت بقدوم المجتمعات الحديثة المتعددة الثقافات، وبظهور التعددية الثقافية كموقف سياسي او توجه متميز.

ان الثقافة بمعناها الواسع، هي طريقة حياة الناس. والمجتمع المتعدد الثقافات هو مجتمع يتميز بتنوع ثقافي، ناجم عن وجود مجموعتين او اكثر تولد معتقداتهم وممارساتهم إحساسا مميزا بالهوية الجماعية، وذلك عادة نتيجة للهجرة. لكن، اثار شبح التعددية الثقافية، ردود فعل سياسية مختلفة بشكل صارخ، حيث اكد المدافعون عن التعددية الثقافية على مزاياها الشخصية والاجتماعية، مشددين الى أي مدى تمثل الثقافة جزءا لا يتجزأ من الكائنات البشرية.

من هذا المنظور، يعزز التنوع الثقافي من قوة وصحة المجتمع، حيث تعكس كل ثقافة مجموعة معينة من القدرات البشرية والخواص. اما منتقدو التعددية الثقافية، فعلى النقيض، يصورون ان التصدع سمة أساسية في تكوين المجتمعات متعددة الثقافات، كما انها معرضة لان تمزقها الصراعات، مؤكدين ان المجتمعات الناجحة، يجب ان تعتمد على قيم يتقاسمها الجميع وثقافة مشتركة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0