ظلت الفجوة المتسعة عبر الأزمنة والمراحل المتعاقبة بين النظرية الإسلامية - كمشروع يرتقي بالإنسانية إلى مراحل نضوجها - وبين التطبيق أو الآليات المستخدمة لتطبيقها، نقول ظلت هذه الفجوة تمثل العصا التي تمنع دواليب إنجاز المشروع الإسلامي الكبير من الدوران.

وترتبت على اتساع هذه الفجوة الكثير من الإشكاليات، وبالتالي عبدت طرق المتاهات التي جعلت الذات الإنسانية سابحة بأجواء من الحيرة و التخبط ما يعني عدم القدرة على خلق أنساق يمكن لها تحقيق ما تصبو إليه عبر إسقاط النظرية على الواقع للبدء بعملية التطبيق.

بصورة عامة، نعتقد أن الفجوة تتمثل بإشكاليتين: الأولى عبارة عن تصارع النظرية مع مثيلاتها من النظريات الأخرى من أجل إثبات وجودها وصحة منطقها وعلو كعبها على غيرها، أما الإشكالية الثانية فتكمن في الإستخدام الأمثل في التطبيق بحيث لاتكون هناك فجوة او تقليصها ما أمكن على أقل تقدير.

ويختلف الحال على مستوى عالمنا الإسلامي؛ بسبب أن الإشكالية هنا هي في التطبيق فقط، حيث انتفت أسباب تصارع النظرية الإسلامية مع النظريات الأخرى فالأمر محسوم بالإيمان بالله وبكتابه، لكن الطريق ليست مفروشة بالورود؛ للعوامل الكثيرة التي زادت وتزيد في تشظي الأمة الإسلامية حيث الرؤى المنقسمة وغير المتوحدة تجاه النظرية الأصلية الثابتة، هذا الإنقسام أدى إلى ظهور مناهج منقسمة هي الأخرى كما يحدث في واقعنا الحالي والمتشتت مازاد من الثغرات التي جعلت الإسلام اسماً مُنَفِّراً خصوصاً مع تجربة الحكم (الإسلامي) الذي أعقب مرحلة مايسمى بالربيع العربي.

فقد أفرزت هذه المرحلة صعود التيارات والأحزاب الإسلامية المتبنية للنظريات الإسلامية منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية حيث رفعت شعارها المشهور (الإسلام هو الحل) كما في تجربة الأخوان المسلمين، وبمجرد وصول هذه التيارات إلى سدة الحكم؛ ظهرت الهوة الكبيرة بين ماتم التنظير له والتبشير به وبين ماتم تطبيقه فعلياً على أرض الواقع.

ومن جانب آخر، ظلت المجاميع التكفيرية المتطرفة تمارس دورها التخريبي الممنهج، فمثلت جماعات مثل داعش والقاعدة والنصرة وغيرها أبشع ما يمكن ان تصل إليه البشرية من صورة مزرية عبر تسويق مزيف لمفاهيم الجهاد المستقاة أصلاً من التجارب المريرة السابقة والقائمة على مايسمى بالفتوحات الإسلامية التي أحدثت الخراب والويلات وقدمت الإسلام بشكل بعيد عن جوهره الحقيقي، فضلاً عن تجارب الحكم الإسلامي في الأزمة السابقة التي صارت من التابوات المحرم الإقتراب منها تحليلاً ونقداً، كفترة الدولة الأموية ودولة بني العباس حيث توريث الحكم ومنح المواقع الرئيسية لأناس فاسدين وفجرة لاهم لهم سوى التمتع بملذات السلطة ومكتسباتها تحت يافطة الحكم الإسلامي.

ويطرح المفكر الإسلامي السيد مرتضى الشيرازي فكرة بلورة الرؤية الإسلامية على مستوى النظرية ويقدم لها بالتساؤل: " إذا لم تكن رؤيتنا الإسلامية متبلورة على مستوى النظرية، فكيف يمكن تفعيلها بالتطبيق ؟".

ويطالب بتقديم الإجابات الواضحة عن الأسئلة التي تدور في فلك نظرية الإقتصاد الإسلامي و نظرية الإرتقاء بالواقع الزراعي والتجاري والصناعي، وهي النظريات التي يعدّها تفوقت بجوهرها الإسلامي على الفكر الغربي المادي (بأبعاد وامتدادات سماوية)، فكيف يكون الإسلام خاتم الأديان على المستوى النظري والتطبيقي بينما يكشف واقع الزراعة والصناعة والتجارة في البلدان الإسلامية عن تخلف واضح؛ لذلك تزداد أهمية كتابة الدراسات في مجال الإقتصاد الإسلامي كونه أصبح ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة.

يقول السيد مرتضى الشيرازي: "إن جزءاً من الحل يكمن في بلورة رؤية واضحة حول مختلف القضايا الحيوية و الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والصناعية والعلمية على مستوى النظرية أولاً، ثم في حقل التخصصات الرفيعة في علوم تلك الأبعاد ثانياً، حتى يمكننا أن نتقدم خطوة إلى الأمام على صعيد التطبيق أيضاً، ولا نبقى نراوح في مكاننا في الصف الأخير من صفوف البلدان النامية، وإلّا ومن دون ذلك فسوف تكون بلادنا أسيرة تدور في فلك الغرب علمياً وصناعياً واقتصادياً و….و…، وسوف يكون شبابنا لقمة سائغة للمبادئ الهدامة والفرق الضالة التي تفرخ الجهات الاستعمارية المزيد منها يوماً بعد يوم".

كما يطرح مسارات تردم الهوة بين النظرية والتطبيق ومنها ترشيد وتفعيل الروافد المعرفية حيث يؤشر على استمرار معاناة الكثيرين وضعفهم في العديد من حقول المعرفة والعلوم الإنسانية، ويؤكد على إقامة الدورات التخصصية في الجامعات والمدارس والحوزات الدينية؛ لأن إقامة مثل هذه الدورات والحرص على استمرارها وديمومتها كفيل بفرز الغث من السمين ويسهم في التصدي لدعوات الإنحلال والفساد والإلحاد.

مراكز الدراسات وتعرية الفكر الوهابي

عند تشخيص خلل ما في حالة التطبيق لابد من الرجوع إلى الأصل الذي نظّر للفكرة لاكتشاف ما إذا كان التطبيق مرتبطاً بالنظرية الأصلية أم أنه ابتعد عنها باجتهادات لاتمت لها بأية صلة، عندها يمكن الجزم ببراءة النظرية من سلبيات التطبيق أو بإدانتها كون التطبيق جاء موافقاً لها.

ويمكن لنا - كمسلمين - أخذ نموذج تنظيم داعش الإرهابي لتنفيذ فكرة المقارنة بين النظرية والتطبيق، فالتنظيم على مستوى الشكل تنظيم يدين بالديانة الإسلامية وفق المذهب الوهابي الذي نظّر له (ابن تيمية) عبر مؤلفاته ومنها كتابه (منهاج السنة) الذي شرعن فيه قتل المخالف، وهذا الفكر قام بنشره محمد عبد الوهاب مدعوماً بالمال الإرهابي.

وقد صار من الواضح أن الأعمال الإجرامية الكثيرة التي يقوم بها هذا التنظيم المتطرف في العراق وسوريا و امتدت لتصل بعض بلدان أوروپا - فرنسا وبلجيكا مؤخراً - انما هي أعمال مشرعنة تم التنظير لها ودعمها بشواهد عنفية من سيرة الصحابة! كما في حادثة مروان ابن الحكم الذي غضب على رجل خالفه فقام بقلع عيني ذلك الرجل بأصابعه.

إذن، لابد من مراجعة فكرية وجهد كبير ومنصف يُبذل من أجل تحليل الأساسيات الفقهية التي تنطلق منها التنظيمات الإرهابية وهي بلاشك موجودة في نظريات التكفيريين المتطرفين، وبمقارنة بسيطة نجد أن هناك تلازماً بينهما وبالتالي القطع بأن الوهابية كفكر هي فكر إرهابي على المستوي النظري والتطبيقي ومن جذوره الأولى التي ينبغي اقتلاعها وتعريتها ويجب أن تدان من كافة المسلمين المؤمنين بقوله تعالى: " وجعلناكم شعوباً وقبائل إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم "، فالمنطق العقلي يرفض شرعنة وتبرير أفعال أشخاص يتعبدون لله ويتقربون له بقتل الملايين وبأساليب بشعة مستندين على أساس فقهي متطرف.

هذه التعرية للأفكار التكفيرية الضالة لابد أن تكون وفق برامج علمية صريحة تعتمد التشخيص والتحليل من خلال مراكز دراسات متخصصة، وهو الأمر الذي يوليه السيد مرتضى الشيرازي، حيث يعتبر إنشاء هذه المراكز من أهم السبل العلمية للبحث في شؤون الفرق والمذاهب ودراسة امتداداتها الفكرية والنظرية ونقاط قوتها وضعفها، و يسأل: " هل يوجد عندنا مركز من هذا النوع ؟، في حدود علمي لم أجد مثل ذلك ! ومن هنا نعرف نقطة من نقاط ضعفنا،وسبباً من أسباب ضعف مناعة شبابنا، كما نعرف أكثر كيف اننا تخلفنا في الكثير الحقول الحيوية والمفتاحية، وسبقنا فيها غيرنا، فأصبح يتحكم فينا على باطله ووضوح حقنا ".

ويشدد السيد مرتضى الشيرازي على أهمية هذه المراكز مستشهداً بإحدى الدراسات التي أظهرت أن أحد مراكز الأبحاث المتخصصة لديها 1600 موظفاً باختصاصات في علم النفس وعلم الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع وعلم التكنلوجيا الرفيعة، ويؤكد على أن الأجدر بنا نحن المسلمين أن تكون لدينا مثل هذه المراكز التي تتخصص بشؤون الفرق الضالة والمنحرفة لضمان استئصالها نهائياً من الجسد الإسلامي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0