شعرت بالإعياء والأسى وأنا أحدّق في وجه أستاذي المشرف على البحث…..! كنت أنظر له بنظرات ملؤها الريبة والدهشة والإنكسار بعدما سمعته يقول: فتش عن موضوع بحثك العلمي بنفسك كي تنال الدرجة الأكاديمية التي تسعى لها!

قلت له بشفاه ترقص من شدّة الإرتجاف والإرتباك: أيها الأستاذ المبجّل نحن غادرنا بلداننا وجئنا لكم نعمل البحوث العلميّة عندكم لأن لكم الباع الطويل فيها، فلو كنا قادرين على عمل البحوث بأنفسنا لبقينا في بلداننا بدلا من وعثاء السفر وألم الغربة وكثرة الإنفاق..... لقد جئنا نتعلم منكم ونتأهل بما نتعلمه كي ننقل خبرتنا ومعرفتنا لبلداننا.

كان الأستاذ يتفحص أوراق كتاب بين يديه حينما كنت أحاججه وأبدي الرأي الآخر له، لكن كلماتي الأخيرة إستفزته فرفع عينيه خارج عدسات نظارته المتكأة على أطراف نهاية أنفه وسلّط لي نظرة إمتعاض وحنق ثم همس قائلا وقد إحمّر وجهه: أنتم تأتون إلينا لنقص التقنية عندكم وليس لنقص الأفكار، فأفكاركم ليست أضعف من أفكارنا وقدراتكم ليست أقل من قدراتنا..... هذه الأجهزة المتطورة والمواد الأولية كلها بين يديك وأمام عينيك فقم وسخرها فما أطوع منها حينما يوجهها الفكر وتديرها الإرادة!

سمّرني بجوابه وغلبني بخطابه لأنه مسّ المعنويات وتبارى بالإرادات فأصاب الشلل لساني وهدد التحدي كياني .....فإما أن أفكر بمستوى ما يفكرون وأبدع بقدر ما يبدعون وإما أن أرحل وأرجع من حيث جئت وأتيت أجر أذيال الخيبة والفشل....إما الإنتصار وإما الإنكسار فبأي درب سأسير!؟.

خرجت من مكتبه أجري ولكن لا أدري الى أين؟ كان فكري يتصارع مع ذاته.... فطابور من الأفكار يؤيد ما قاله الأستاذ المشرف وطابور آخر يتهم.... يتمرد.... ويثور... فإنني الوحيد بين زملاء العمل والدراسة الذي يجب أن يبتكر موضوع بحثه بنفسه وأنا لا أملك الخبرة وليس عندي التجربة بالبحوث!. فلماذا أغرد دائما خارج السرب؟ ولماذا أعاني جزافا من لوعة التباين والإستثناء؟ فحياة الآخرين مبرمجة منظمة تسير بهدوء وثبات، إنما حياتي المبعثرة عليّ أن أبرمجها دائما بنفسي وسرعان ما أسقط في المطبّات.... فما أوهى من مجسّات الحظ عندي وما أقواها عند الآخرين!

مضيت مترنحا بين أمواج الأفكار المتضاربة مع بعضها، لا أشعر بمن حولي ولا أرى من كان معي، حتى وجدت نفسي أنشد وبلحن شجيّ أبياتا من الشعر كان ينشدها بألم وحسرة والدي رحمة الله عليه:

قل لمن رام بالأفكار مفخرة ****** مهلا فلا أحـــــد منكم يساوينــا

فقد هبطنا الى الدنيا لنملأها ****** ونغمر الأرض إبداعا وتحسينا

العلم والعدل والأخلاق غايتنا****** هذي مآثرنــــا هذي أمانينــــــا

حقائق قد تجلت وهي واضحة ***** قد قالها التأريخ لا ظنا وتخمينا

وفي اليوم التالي كنت أجر بقدميّ نحو قسم أمراض الدم وهو القسم الذي تجرى فيه البحوث العلمية .... كان جميع طلاب البحث منهمكين في أعمالهم لا يلهيهم خبر ولا يستهويهم سمر.... كنت أتفحصهم فردا فردا ولسان حالي يقول: ما أسعدكم....... ما أروعكم..... يا من أبحرتم بربّان...... فياليتني قد أبحرت معكم....! وتساءلت مع النفس، لماذا أنا الوحيد بينهم: الحزن خطابي والضياع نصابي واليأس موضوع بحثي وكتابي....؟ لماذا هذا الظلم ولماذا هذا التجني ....!؟ هل لأنني غريب وهم من أبناء البلد، ومتى أصبحت الغربة ذنب....!؟ أم أن حظي العاثر ألقاني بيد أستاذ حاقد لا يعرف الرحمة ولا يدرك المساواة؟ فلماذا يبقى الإنسان لا يرحم ولا يعدل مهما بلغت به المناصب والألقاب وأتسعت به الأوصاف والعناوين!؟ .

إنسقت ببعد فلسفي غامق، عميق المعاني واسع الأطراف، ناقشت فيه مع النفس قيم الإنسانية وصفاتها....نهج العدالة ومفاهيمها.... فقه الحياة وأسرارها .... مسار الطبيعة وناموسها.... وتساءلت هل الطبيعة التي صنعت الإنسان وصيرته منصفة وعادلة في سلوكها وتصرفها أم أنها مثل صنيعتها الإنسان، لا توفي ولا تعرف الإنصاف!؟

نعم سؤال حيّرني في إجابته والجواب ومهما كان مدبلجا وأنيقا فهو لا يُقنع بدون البيان والبرهان ولكن ما هو البرهان!؟ انه حقا موضوع حساس ومثير وهام، فلماذا لا أنظّر وأبحث فيه فيكون هو الموضوع المنشود ....موضوع البحث الذي أفتش عنه....أجل أبحث عن البرهان! ولكن كيف أجمع بين البحث في عدالة الطبيعة وبين البحث في أمراض الدم؟ فشتّان بين الإثنين! تساؤلات جابت ضواحي فكري الملتهب بنار الفكرة والمتعذب في بيانها..... لكن رغم كل هذا وذاك فقد ملكني إحساس صامت، روحاني المصدر، جعلني أشعر بالثقة والثبات وكأنني كنت أقترب من منطقة الهدف! نعم هكذا سيكون موضوع بحثي..... " عدالة الطبيعة " من خلال فسلجة الدم!

في دم الإنسان والحيوان ثلاثة خطوط من الخلايا.... الكريات الحمراء والكريات البيضاء والأقراص الدموية ولكل خط منها وظائفه الخاصة به. نخاع العظم هو المصنع الرئيسي لهذه الخطوط ونسبة إنتاجه لمولدات هذه الخلايا الثلاثة ثابته ومستقرة لكل خط ولا تقبل التغيير في الحالات الطبيعية. فماذا سيحصل لو تحرشت بناموس الطبيعة وحاولت الإخلال بالموازنة؟ فلو أعطيت فئران التجارب كريات دم حمراء أي أجريت زيادة في نسبة الخط الأحمر بالدم، فماذا سيحصل في مصنع الدم هل سيستمر نخاع العظم بإنتاج نفس النسبة الثابتة المعتادة من مولدات الكريات الحمراء رغم الثروة المكتسبة لهذا الخط؟ أم أن الطبيعة ستتحسس معنى العدالة والمساواة بين الخطوط الثلاثة، فتأمر نخاع العظم بتقليل إنتاج مولدات الكريات الحمراء من أجل المحافظة على الموازنة والإنصاف بين الخطوط الثلاثة؟ من هنا ومن خلال موقف الطبيعة سنبرهن بما لا يقبل الشك سلوك الطبيعة وعدالتها.....

إنطلقت بسرعة الضوء أخبر صديقي الحميم، وهو باحث علمي يعمل بنفس الكلية، بأفكاري الجديدة الصارمة وقد ملكتني الغبطة وغمرني الفرح فصرخت شامخا في وجهه: وجدتها.....وجدتها!

فقال والعجب يشع في عينيه: وماذا وجدت أيها المجنون!؟

قلت: "عدالة الطبيعة"!

قال: وما بها!؟

قلت: ستكون موضوع بحثي!

إهتزت فرائصه فأنتفض يعكف بحاجبيه ليقول: وما علاقة عدالة الطبيعة بأمراض الدم يا عبقري الزمان، هل تريد أن تحصل على شهادة الدكتوراه في اللاهوت!؟ هل غيّرت الإتجاه، ومن أعطاك صلاحية هذا التغيير!؟.

هنا وجب عليّ أن أوافيه بكل التفاصيل كي يقتنع بما أقول قبل أن يفسد لي حلاوة سعادتي بتهكماته وردود أقواله، فأنا اليوم بأمس الحاجة الى التشجيع والتأييد والدفع....! ولما عرف صديقي بالتفاصيل أدار وجهه نحوي وهو يضحك بلون السخرية والإستهزاء متمتما مع نفسه: من يدري فربما في الجنون فنون! ثم لم يلبث طويلا حتى عدّل قامته المائلة على كتف الكرسي ونظم ملامح وجهه المتقلبة وقال بلهجة الحث والجد: إذهب يا عزيز الخاطر الى أستاذك المشرف على البحث وأطرح عليه هذه الفكرة، فمن يدري.... فعسى ولعل وربما .....!

وبينما كنت منهمكا بإجراء تجاربي في المختبر، بعد أن وافق أستاذي المشرف على مشروع البحث، جاءني أحد الزملاء في العمل يسألني بهدوء ولطف عن بعض التفاصيل حول موضوع بحثي ..... إستغربت من أسئلته المفصلة والمتطفلة بنوعيتها وطبيعتها لأنها تمس بسرّ المهنة وبسلامة البحث، وما أكثر من سرقة الأفكار في عالم اليوم! غير أنه طمأنني، بعدما قرأ ترددي وإستغرابي، بأنه مبعوث من قبل الأستاذ المشرف ولا يتصرف لوحده، حيث أن قسم أمراض الدم قد تبنى فكرة مشروع بحثي ليجري هو الآخر الإختبارات الموازية على خطوط الدم الأخرى من أجل التوسع بموضوع هذا البحث الذي يبدو مهما وواعدا!

بدهشة المظلوم المنتصر أنشدت ثانية ودموع الشموخ والفرح تموج في عيني:

قل لمن رام بالأفكار مفخرة ****** مهلا فلا أحد منكم يساوينا!

* بروكسل

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0