الدخول المتسارع والمكثف لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد يقتصر على كونه مجرد توفير لأدوات ثانوية أو برمجيات مساعدة في غرف المونتاج، بل تحول إلى قوة هيكلية تعيد تشكيل القواعد الأساسية للإنتاج السينمائي من الألف إلى الياء. هذا التغلغل التقني العميق يهدد وظائف تقليدية راسخة استمرت لعقود، ويخلق...
يسلط هذا التقرير الضوء على التحول التاريخي والجذري الذي تشهده صناعة السينما والتلفزيون في هوليوود إثر الاقتحام المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويتجاوز التقرير النظرة السطحية للذكاء الاصطناعي كمجرد "أداة مساعدة"، ليستعرضه كقوة هيكلية تعيد تشكيل قواعد اللعبة بالكامل.
يتناول التقرير أبعاداً متعددة لهذا المشهد المعقد؛ بدءاً من الجانب البشري المتمثل في ظهور "فجوة مهارية" دفعت الكوادر المخضرمة والجديدة للجوء إلى أكاديميات متخصصة لتعلم الإنتاج بالذكاء الاصطناعي، مروراً بالدوافع الاقتصادية التي جعلت الاستوديوهات الكبرى تعتمد هذه التقنيات لخفض تكاليف الإنتاج الباهظة بنسب غير مسبوقة. كما يغوص التقرير في الجانب المظلم لهذا التطور، والمتمثل في المخاوف الوجودية للممثلين والكُتّاب من فقدان وظائفهم وتشييء هوياتهم، وتصاعد النزاعات القانونية الشرسة حول حقوق الملكية الفكرية، وصولاً إلى كيفية استجابة المؤسسات العريقة، مثل "نقابات الفنانين" و"أكاديمية الأوسكار"، لتنظيم هذا الواقع التكنولوجي الجديد واحتوائه بدلاً من محاربته.
مقدمة في التحول الجذري لصناعة الوهم البصري
يشهد قطاع صناعة السينما والتلفزيون في هوليوود، بل وفي العالم أجمع، تحولاً جذرياً وتاريخياً لا يقل أهمية عن الانتقال من السينما الصامتة إلى الناطقة، أو من الأبيض والأسود إلى الألوان، بل لعل هذا التحول يفوق كل ما سبقه من حيث عمق التأثير وسرعة الانتشار. إن الدخول المتسارع والمكثف لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد يقتصر على كونه مجرد توفير لأدوات ثانوية أو برمجيات مساعدة في غرف المونتاج، بل تحول إلى قوة هيكلية تعيد تشكيل القواعد الأساسية للإنتاج السينمائي من الألف إلى الياء. هذا التغلغل التقني العميق يهدد وظائف تقليدية راسخة استمرت لعقود، ويخلق في الوقت ذاته مسارات مهنية واقتصادية جديدة كلياً، مما يضع هذه الصناعة العريقة أمام تحديات إبداعية وقانونية واقتصادية غير مسبوقة.
إننا أمام إعادة صياغة كاملة لمفهوم "الصناعة الإبداعية"، حيث تتدخل الخوارزميات المعقدة في أدق تفاصيل العمل الفني، بدءاً من كتابة السيناريو وتخيل المشاهد، وصولاً إلى تجسيد الممثلين وتوليد الأصوات، وحتى رسم الخطط التسويقية والتوزيعية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإبداع البشري وقدرته على الصمود أمام الآلة التي تتعلم وتتطور ذاتياً في كل ثانية.
التحول الهيكلي في رأس المال البشري وإعادة صياغة المهارات المهنية
في خضم هذا التحول التكنولوجي العاصف، ومع التباطؤ الملحوظ في عجلات الإنتاج التقليدي وتغير المتطلبات الصارمة لسوق العمل في هوليوود، برزت فجوة مهارية عميقة وحاجة ماسة لإعادة تأهيل الكوادر البشرية. لم تعد المهارات الكلاسيكية في التصوير أو تصميم المؤثرات البصرية اليدوية كافية لضمان الاستمرار في هذا القطاع التنافسي الشرس. وهنا تبرز قصة مايكل إنج، الخبير المخضرم في مجال المؤثرات البصرية، كنموذج حي ومكثف لهذه الأزمة الوجودية والمهنية. فبعد أن وجد نفسه فجأة خارج سياق العمل الفعلي وبمعزل عن الساحة النشطة بسبب تراجع وتيرة الإنتاج في العام الماضي، أدرك خلال بحثه المضني في قوائم الوظائف الشاغرة في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا أن سيرته الذاتية الحافلة بالخبرات تفتقر إلى العنصر الأهم في الحقبة الحالية، ألا وهو الخبرة في مجال "تعلم الآلة" والذكاء الاصطناعي التوليدي. هذا الاغتراب المهني المفاجئ دفعه نحو البحث عن مسارات بديلة تعيد دمجه في دورة الإنتاج.
لجأ إنج إلى مؤسسات تعليمية حديثة المنشأ، مثل مؤسسة "كيوريوس ريفيوج" (Curious Refuge)، وهي منصة تعليمية رائدة عبر الإنترنت تخصصت حصرياً في تدريس فنون وتقنيات صناعة الأفلام باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. كانت خطوته هذه بمثابة محاولة جادة لإعادة ابتكار مسيرته المهنية بالكامل وسط هذا الزلزال التكنولوجي السريع الذي يضرب أسس الصناعة. ومنذ انطلاقها الفعلي في شهر مايو من عام 2023، تحولت هذه الأكاديمية المرموقة إلى مركز جذب رئيسي وحاضنة تدريبية مكثفة للعاملين في هوليوود الذين يسابقون الزمن للتكيف مع التغييرات الجذرية التي تفرضها التقنيات التوليدية على مختلف مراحل الإنتاج. وتشير البيانات الإحصائية الصادرة عن كيوريوس ريفيوج إلى أن مايكل إنج هو مجرد واحد من بين عشرة آلاف طالب توافدوا لحضور الدورات وورش العمل المكثفة بهدف صقل مهاراتهم وتحديث أدواتهم المعرفية. وما يلفت الانتباه بشكل خاص في تصريحات المؤسسين المشاركين، كيليب وشيلبي وورد، هو تأكيدهم على أن نسبة ساحقة تصل إلى خمسة وتسعين بالمئة من الطلاب المسجلين حالياً هم من المحترفين والمتخصصين بالفعل في صناعة الترفيه أو الإعلان، والذين يبحثون بشغف وربما بقلق عن اكتساب مهارات جديدة تتوافق مع ترسخ دعائم الذكاء الاصطناعي في هوليوود يوماً بعد يوم.
على الجانب الآخر من المشهد، تفتح هذه التقنيات الثورية أبواباً واسعة ومسارات مهنية غير تقليدية لأشخاص من خارج الدوائر المغلقة لهوليوود، مما يساهم في إضفاء طابع ديمقراطي على أدوات الإنتاج الفني. وتعد قصة بيترا مولنار تجسيداً مثالياً لهذا التحول. فمولنار، التي طالما اعتبرت نفسها شخصية مبدعة ولكنها واجهت عقبات حالت دون التحاقها بمدارس الفنون المتخصصة في مسقط رأسها بالعاصمة المجرية بودابست، انتهى بها المطاف للعمل كأخصائية في صحة الفم والأسنان في العاصمة البريطانية لندن. ولكن مع تفشي جائحة كوفيد-19 العالمية وإغلاق العيادة التي كانت تعمل بها، وجدت نفسها أمام فراغ زمني استغلته بذكاء لاستكشاف وصقل جانبها الإبداعي المكبوت. بدأت رحلتها بدراسة تصميم المنتجات الرقمية، ونجحت في ابتكار تطبيق خاص بصحة الأسنان. غير أن نقطة التحول الكبرى في مسيرتها حدثت مع الظهور المذهل لبرمجيات الدردشة النصية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل "تشات جي بي تي" (ChatGPT)، تزامناً مع الطفرة الهائلة في مولدات الصور فائقة الدقة مثل "ميدجورني" (Midjourney). هذا التطور المذهل دفعها للانضمام إلى صفوف المتعلمين في كيوريوس ريفيوج خلال عام 2023. واليوم، تمكنت مولنار من شق طريقها بقوة نحو مهنة جديدة ومربحة في مجال الإعلان التجاري، حيث توظف مهاراتها المكتسبة في الذكاء الاصطناعي لإنشاء وإنتاج مقاطع فيديو ترويجية متطورة للغاية. وقد توجت جهودها بعرض مقطع فيديو من تصميمها لشركة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي "وايت فايبر" على الشاشة العملاقة الشهيرة لبورصة ناسداك في ميدان تايمز سكوير بمدينة نيويورك، وهو الشاشة التي يبلغ ارتفاعها سبعة طوابق كاملة، وذلك بالتزامن مع إدراج أسهم الشركة في البورصة خلال شهر سبتمبر الماضي. إن تعبير مولنار بأن "الذكاء الاصطناعي غيّر حياتي فعلاً" يختزل في طياته أثراً عميقاً يتجاوز التكنولوجيا ليصل إلى صميم تمكين الفرد وإعادة هيكلة فرصه في الاقتصاد الحديث.
تطور مؤسسة كيوريوس ريفيوج بحد ذاته يعكس حجم الطلب الهائل والمضطرد على هذا النوع الجديد من المعرفة. فقد تأسست الشركة في عام 2020، وبدأت أولى خطواتها الجادة بتقديم دورات متخصصة في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لإنتاج الأفلام الوثائقية والروائية والبرامج الإعلانية في أوائل عام 2023. وفي وقت قياسي، توسعت الأكاديمية لتشمل مناهجها الدراسية إحدى عشرة لغة مختلفة، وتصل خدماتها التعليمية إلى طلاب موزعين في مئة وسبعين دولة حول العالم. ولم تقف المؤسسات التعليمية الأكاديمية التقليدية مكتوفة الأيدي أمام هذا المد، إذ سارعت معاهد كبرى، مثل معهد لوس أنجلوس للسينما، إلى تقديم درجات أكاديمية معتمدة كالبكالوريوس عبر الإنترنت في تخصصات صناعة الأفلام الرقمية الحديثة، مع دمج مفاهيم وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب مناهجها الدراسية الأكاديمية.
وتعتمد كيوريوس ريفيوج على نموذج تعليمي مرن، حيث تُسجل الدروس والمحاضرات مسبقاً وتُتاح للطلاب عبر شبكة الإنترنت مقابل رسوم مالية محددة، مما يمنح كل متدرب الحرية الكاملة في استيعاب المادة العلمية بالوتيرة التي تناسبه وحسب الكم الذي يستطيع إنجازه. ولتعزيز الجانب التفاعلي، يخصص المعلمون والخبراء ساعات عمل أسبوعية للإجابة المباشرة على استفسارات الطلاب المعقدة، كما تعمد المؤسسة إلى تنظيم لقاءات وفعاليات دورية على أرض الواقع في المدن الكبرى حول العالم، بل وعلى هامش أحداث سينمائية مرموقة مثل مهرجان كان السينمائي الدولي في فرنسا. بالتوازي مع ذلك، تحولت منصات التواصل الاجتماعي المتقدمة، وتحديداً منصة "ديسكورد" التي عُرفت سابقاً بشعبيتها الجارفة بين أوساط المبرمجين وعشاق الألعاب الإلكترونية، إلى مساحات افتراضية حيوية يتلاقى فيها مجتمع كيوريوس ريفيوج لتبادل الخبرات والأفكار والمشاريع المشتركة. ويمتد نشاط الأكاديمية ليشمل تقديم استشارات وتدريبات وورش عمل مكثفة ومغلقة داخل أروقة استوديوهات كبرى في هوليوود، وهي الجهات التي يتحفظ المؤسسون عن ذكر أسمائها الصريحة التزاماً ببنود وشروط اتفاقيات عدم الإفصاح السرية.
وفي هذا السياق، يوضح كيليب وورد، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي، أن هدفهم الأسمى يتمثل في بناء وتأسيس قاعدة معرفية صلبة ومتينة لدى جميع العاملين داخل الاستوديوهات التقليدية، بحيث يتم استعراض الإمكانات الإبداعية اللامحدودة التي يمكن بلوغها، وشرح النقاط الدقيقة والعملية التي يمكن الانتفاع بها من خلال التطبيق السليم والاحترافي لهذه التكنولوجيا المتطورة.
ولم يكن مفاجئاً أن تثير هذه التحولات اهتمام رؤوس الأموال وكيانات الاستثمار الكبرى الباحثة عن اقتناص الفرص المستقبلية في قطاع الترفيه. ففي شهر فبراير الماضي، أُعلن رسمياً عن استحواذ شركة "بروميس" (Promise) للترفيه باستخدام الذكاء الاصطناعي على مؤسسة كيوريوس ريفيوج. وتعد شركة بروميس واحدة من الشركات الناشئة المرموقة وذات النفوذ القوي، كونها تحظى بدعم مالي وإستراتيجي مباشر من عملاق الاستثمار التكنولوجي "أندريسن هورويتز"، فضلاً عن استوديو "نورث رود" المملوك والخاضع لإدارة بيتر تشيرنين، أحد أبرز الخبراء المخضرمين والمؤثرين في المشهد الإعلامي العالمي.
وتمثل هذه الأكاديمية بالنسبة لشركة بروميس كنزاً إستراتيجياً ونبعاً لا ينضب من المواهب الشابة والمخضرمة التي تبحث عنها الشركة بشراهة، من فنانين ومخرجين ومبدعين يمتلكون الإلمام التام والاحترافي بتقنيات الإنتاج الحديثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. ومع تنامي الوعي وتزايد الانتباه لدى باقي أقطاب وكيانات هوليوود للإمكانات الاقتصادية والإبداعية الهائلة للذكاء الاصطناعي التوليدي، واشتداد وتيرة المنافسة المحمومة لاستقطاب العقول والمواهب النادرة، تتضاعف القيمة الإستراتيجية والأصولية لكيوريوس ريفيوج. ويؤكد جيمي بيرن، المؤسس المشارك والرئيس لشركة بروميس، على هذا التوجه الإستراتيجي الاستباقي، مشيراً إلى إدراكهم المبكر لحقيقة أن المنافسة لن تقتصر على الشركات التكنولوجية الناشئة المماثلة لهم، بل ستمتد لتشمل شركات الإنتاج التقليدية الكبرى واستوديوهات التوزيع الضخمة التي ستسعى حتماً وبكل قوتها المالية لتوظيف نفس الكفاءات والمواهب النادرة.
ولهذا السبب، كان التفكير العميق منصباً على إيجاد آليات تضمن للشركة تدفقاً مستمراً وموثوقاً للكفاءات البشرية المؤهلة تكنولوجياً. ويرى بيرن، في رؤية تستشرف المستقبل القريب، أن تعزيز وتوسيع قاعدة المواهب المتمرسة في مجال الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً حاسماً في تسريع وتيرة تبني واحتضان هوليوود لهذه التقنيات بشكل شامل. ويتوافق هذا الطرح مع تقييم أكاديمي رفيع المستوى قدمه إيف بايرجكفيست، مدير مشروع الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب في مركز تكنولوجيا الترفيه العريق التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا، والذي وصف قطاع التعليم والتدريب المتخصص في هذا المضمار بأنه يمثل "أكبر فرصة استثمارية وتنموية في مجال الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن"، مبرراً ذلك بالطبيعة المعقدة للغاية والسريعة التطور لهذه التكنولوجيا التي تتطلب تعلماً مستمراً ومواكبة لحظية، ومشيداً في الوقت عينه بجودة وعمق البرامج التعليمية التي تقدمها مؤسسات كبرى مثل كيوريوس ريفيوج.
الطفرة التكنولوجية ومفهوم الواقعية المفرطة في الصورة السينمائية
إذا انتقلنا من الجانب البشري والمؤسسي إلى صلب الجانب التقني المحض، سنجد أنفسنا أمام طفرة غير مسبوقة في قدرات الخوارزميات على توليد صور ومقاطع فيديو تقترب بشكل مخيف من مفهوم "الواقعية المفرطة". في البدايات، كانت مقاطع الفيديو المولدة آلياً تثير السخرية أكثر من الإعجاب، إذ كانت تتسم بوجود تشوهات بصرية واضحة وخلل منطقي في التركيب، كأن تظهر أيدي شخصيات بست أو سبع أصابع، أو تندمج الوجوه وتتشوه الملامح عند الحركة، أو تخرق الفيزياء بقوانينها الأساسية. ولكن هذه المرحلة البدائية تم تجاوزها بسرعة قياسية تثير الذهول وتجذب في الوقت ذاته أنظار واهتمام صناع القرار في هوليوود وكبار المعلنين التجاريين، لدرجة أن هذا التطور بات يهدد ويزعزع الأسس الكلاسيكية التي قام عليها مفهوم الإبداع البصري.
ولعل أفضل مثال يمكن ضربه لقياس سرعة وعمق هذا التقدم التكنولوجي المذهل هو العودة إلى مشاهدة مقطع الفيديو الافتراضي الشهير للممثل الأمريكي ويل سميث وهو يتناول طبقاً من السباغيتي. فمنذ انتشار هذا المقطع في عام 2023، والذي تم ابتكاره وتوليده بالكامل باستخدام أداة ذكاء اصطناعي، أصبح هذا المشهد النمطي بمثابة مقياس تكنولوجي دقيق يوضح مدى النضج الذي يصل إليه هذا القطاع التقني. قبل عامين فقط، كان ظهور الممثل في المقطع مشوشاً وغير واضح الملامح، وكانت عيناه متباعدتين بشكل غير طبيعي ومزعج للمشاهد، وجبهته تبرز بطريقة مبالغ فيها، وحركاته الجسدية تبدو متشنجة وآلية تفتقر إلى الانسيابية البشرية، بل إن المعكرونة نفسها لم تكن تصل إلى فمه بطريقة متسقة فيزيائياً. أما اليوم، وبعد مرور فترة زمنية تكاد تكون لا تذكر في عمر التطور التكنولوجي، تظهر النسخ الحديثة من نفس الفكرة، والتي ينشرها مستخدمون يعتمدون على منصات متطورة للغاية مثل منصة "فيو 3" (Veo 3) التي أطلقتها شركة غوغل العالمية، خالية تماماً من أي عيوب أو خلل تقني يُذكر، لتقدم مشهداً شديد الواقعية والانسيابية. وتعلق الأستاذة في جامعة ولاية جورجيا، إليزابيث ستريكلر، على هذا التسارع المحموم بقولها إن الأسواق تشهد في كل أسبوع تقريباً إصداراً لنموذج ذكاء اصطناعي جديد يفوق سابقه روعة وإتقاناً.
لقد توالت الإصدارات التقنية الكبرى لتشكل ترسانة قوية من الأدوات المولدة للصور والفيديو. فما بين أداة "دريم ماشين" (Dream Machine) التي طورتها شركة "لوما لابس" وأُطلقت في شهر يونيو من عام 2024، والنموذج الخارق "سورا" (Sora) من تطوير عملاق الذكاء الاصطناعي "أوبن إيه آي" (OpenAI) والذي رأى النور في شهر ديسمبر، والنسخة المحدثة "جين-4" (Gen-4) من ابتكار شركة "رانواي إيه آي" (Runway AI) المطلقة في شهر مارس، وصولاً إلى "فيو 3" من غوغل في شهر مايو، حقق قطاع التكنولوجيا إنجازات استثنائية وقفزات نوعية في غضون بضعة أشهر قليلة لا تتجاوز أصابع اليدين. ولم يتأخر القطاع الإنتاجي التقليدي في احتضان هذه الأدوات، حيث سارعت شركات كبرى مثل "رانواي" إلى توقيع اتفاقيات شراكة إستراتيجية وتجارية ضخمة مع استوديوهات عريقة بحجم استوديو "لايونزغيت" السينمائي، ومع مجموعات تلفزيونية وإعلامية كبرى مثل شبكة "إيه إم سي نتووركس" (AMC Networks).
هذه الواقعية المفرطة لم تكتفِ بجذب الاستثمارات، بل أثارت حالة من الذعر الحقيقي والمخاوف الواسعة والعميقة في أروقة هوليوود وبين صناع السينما المخضرمين. فقد تجلى هذا القلق بوضوح بعد إطلاق شركة "بايتدانس" الصينية المالك لتطبيق "تيك توك" الشهير، لأداة جديدة لتوليد الفيديو أُطلق عليها اسم (Seedance 2.0). وقد أثبتت هذه الأداة قدراتها الاستثنائية عندما قام المخرج الأيرلندي رواري روبنسون بنشر مقطع فيديو قصير لا تتجاوز مدته الخمس عشرة ثانية، استُخدمت فيه الأداة المذكورة لإنتاج مشهد شديد الواقعية والإقناع يظهر فيه النجمان العالميان توم كروز وبراد بيت وهما يتبادلان اللكمات العنيفة في أجواء درامية متقنة. وما ضاعف من حجم الصدمة والذهول هو تصريح المخرج بأن هذا المشهد المعقد بأكمله لم يتطلب إنتاجه سوى إدخال "سطرين فقط من الأوامر النصية" إلى الخوارزمية.
هذا المقطع الاستعراضي الاستفزازي أعاد إلى الواجهة بقوة وبزخم غير مسبوق كافة المخاوف والهواجس المتعلقة بالتأثيرات العميقة والمدمرة ربما لهذه التقنيات على مستقبل وصميم صناعة السينما كما نعرفها. وفي رد فعل يعكس حالة التوجس العام، أبدى الكاتب الهوليوودي المعروف ريت ريس، الذي ساهم في تأليف وكتابة سيناريوهات لأفلام ذات ميزانيات ضخمة وإيرادات عالية مثل فيلمي "ديدبول وولفيرين" و"زومبيلاند" وسلسلة "ناو يو سي مي"، قلقه البالغ والعميق بعد مشاهدته لهذا المقطع المولد آلياً. وكتب ريس تدوينة معبرة على منصاته في وسائل التواصل الاجتماعي صرح فيها بمرارة بأنه لا يحب الاعتراف بهذه الحقيقة القاسية، ولكن يبدو جلياً أن الصناعة تقترب بخطى حثيثة من نهايتها التقليدية. ومضى الكاتب في تحليله المتشائم متوقعاً أن الوقت ليس ببعيد على الإطلاق، وسيكون قريباً جداً، حين يصبح بإمكان فرد واحد فقط، جالساً في غرفته أمام شاشة حاسوبه الشخصي ومستخدماً هذه الأدوات الجبارة، صناعة وإنتاج فيلم سينمائي كامل وشامل لا يختلف إطلاقاً من حيث الجودة البصرية والسمعية عن أضخم ما تنتجه استوديوهات هوليوود اليوم بجيوشها من الفنيين والممثلين. وأشار ريس إلى أن النتيجة قد تكون مذهلة وتتجاوز التوقعات إذا ما تصادف أن امتلك هذا الشخص الوحيد موهبة استثنائية وذائقة سينمائية رفيعة المستوى تقارن بعبقرية مخرجين عظام مثل كريستوفر نولان، مما يعني عملياً تهميش وتجاوز آليات الإنتاج الضخمة والمكلفة.
الاقتصاد السياسي للسينما وإعادة هيكلة تكاليف الإنتاج في عصر الخوارزميات
لا يمكن فهم هذا الاندفاع المحموم نحو تبني الذكاء الاصطناعي دون تفكيك وتحليل السياق الاقتصادي الكلي والخانق الذي تمر به صناعة الترفيه والسينما العالمية. فبعد سلسلة الإضرابات التاريخية والطويلة التي خاضها كل من نقابات الكتاب والممثلين في عام 2023، والتي انتهت بإقرار حزم من الزيادات الملحوظة في الأجور وحصول العاملين والكوادر في مختلف قطاعات صناعة السينما والتلفزيون على امتيازات مهنية ونقابية طال انتظارها، ساد اعتقاد بأن عجلة الإنتاج ستستأنف دورانها بشكل تدريجي ومستقر. إلا أن الواقع الاقتصادي كان له رأي آخر تماماً، حيث عاد قطاع السينما والانتاج الترفيهي لينكمش من جديد وبوتيرة مقلقة للغاية. فقد سجلت الإحصائيات الدقيقة تراجعاً حاداً في حجم الإنتاج بنسبة بلغت سبعة وثلاثين بالمئة خلال النصف الأول من عام 2024 وذلك عند مقارنته بالفترة الزمنية ذاتها من عام 2022، كما ترافق هذا التراجع الإنتاجي مع انخفاض مخيف في معدلات التوظيف وفرص العمل المتاحة في مجمل مجالات السينما والتلفزيون بنسبة وصلت إلى خمسة وعشرين بالمئة انخفاضاً عن ذروتها المسجلة في عام 2022. هذه الأرقام والإحصائيات الصادمة أثارت موجة من التساؤلات العميقة والانتقادات حول مدى الجدوى الفعلية والاقتصادية للمكاسب والامتيازات التي تحققت بفعل تلك الإضرابات النقابية.
ويعزى هذا التراجع والانكماش الهيكلي بشكل رئيسي وأساسي إلى توجهات إدارية حازمة نحو تقليص الميزانيات المخصصة للإنتاج بشكل صارم، بالتزامن مع الاعتماد المتزايد والمكثف على أدوات الذكاء الاصطناعي كبدائل منخفضة التكلفة، فضلاً عن تغير جذري في إستراتيجيات الإنتاج الشاملة والسياسات الاستثمارية. كل هذه العوامل المجتمعة والمتشابكة دفعت كبرى استوديوهات هوليوود إلى التخلي عن سياسات التوسع المفرط وتبني نهج محافظ وحذر للغاية في اختياراتها الإنتاجية وقراراتها الاستثمارية.
وفي هذا السياق المالي الضاغط، بات البحث المحموم عن وسائل وأدوات تقنية فعالة وقادرة على خفض التكاليف التشغيلية الهائلة دون إلحاق أي ضرر ملموس بجودة المحتوى الفني المقدم للجمهور، أمراً حتمياً وضرورة قصوى للبقاء والمنافسة. ولم يعد يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي اليوم كمجرد أداة تكميلية أو وسيلة ثانوية لتقليل وتخفيض بعض النفقات الجانبية، بل تحول جذرياً ليصبح الوسيلة الأهم والأكثر فاعلية لتعزيز كفاءة الإنتاج الكلية، وتقليص الفترات الزمنية المطلوبة لإنجاز الأعمال، خصوصاً في القطاعات ذات الميزانيات المرتفعة للغاية مثل مجالات تصميم المؤثرات البصرية المعقدة وإنتاج أفلام الرسوم المتحركة ذات الجودة الفائقة.
وتتجلى هذه الرؤية الاقتصادية البراغماتية بوضوح تام في تصريحات كبار التنفيذيين وصناع القرار المالي في هوليوود. فقد أعلن تيد سارندوس، الرئيس التنفيذي القوي لشبكة "نتفليكس" العملاقة للبث التدفقي، بوضوح وثقة أن الاعتماد على تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي بات يساعد بشكل مؤكد وملحوظ في خفض النفقات والتكاليف الإجمالية للإنتاج، وفي الوقت عينه يؤدي إلى تحسين مستوى جودة الإنتاج الكلية بنسبة لا تقل عن عشرة بالمئة، ويتحقق ذلك التوفير المالي عبر توظيف الخوارزميات في تجهيز وبناء تصورات مرئية مسبقة ودقيقة للمشاهد قبل البدء الفعلي والمكلف بعمليات التصوير الميداني.
وبنظرة أكثر راديكالية وعمقاً نحو المستقبل، يرى جيفري كاتزنبرغ، الشريك المؤسس الإسطوري لشركة "دريم ووركس" الرائدة في عالم الرسوم المتحركة، أن أفلام الرسوم المتحركة الضخمة التي كانت في الماضي القريب تتطلب جهوداً جبارة وتجنيد ما يقارب من خمسمائة فنان ومصمم محترف للعمل المتواصل والمضني على مدى خمس سنوات كاملة لإنجازها، أصبح من الممكن تماماً وواقعياً إنجازها بالاعتماد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة خلال فترة زمنية لا تتجاوز الثلاث سنوات القادمة، وذلك بجهد بشري يقل بشكل درامي، وبتكلفة مالية إجمالية قد تنخفض بنسبة مذهلة تصل إلى تسعين بالمئة مقارنة بالتكاليف التقليدية السابقة. أما توني فينسيكيرا، الرئيس التنفيذي واسع النفوذ لشركة "سوني بيكتشرز"، فقد أكد في سياق متصل أن شركته العريقة تعكف حالياً وبشكل مكثف وجدي على إعادة هيكلة وصياغة إستراتيجيات الإنتاج وخطط العمل الخاصة بها من جذورها، اعتماداً كلياً وشاملاً على ما يوفره الذكاء الاصطناعي من حلول مبتكرة، وذلك بهدف رئيسي يتمثل في تقليل وتقليص التكلفة المالية للعمليات الإنتاجية المعقدة والمركبة.
ولعل من أبرز التحولات وأكثرها دلالة في هذا السياق، هو التغير الملحوظ في مواقف كبار المخرجين المبدعين الذين كانوا يُعتبرون حماة للصناعة التقليدية. ويمثل تصريح وموقف المخرج العالمي الشهير جيمس كاميرون، المعروف بتقديم أفلام أسطورية ذات ميزانيات إنتاجية ضخمة للغاية وتأثيرات بصرية غير مسبوقة، تجسيداً حياً لهذا التوجه المتنامي نحو اعتبار وتقييم الذكاء الاصطناعي بوصفه حلاً هندسياً واقتصادياً لا تهديداً وجودياً للإبداع. فبعد أن كان كاميرون في البدايات من أبرز وأشد الأصوات حدة في انتقاد وتقريع فكرة استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعي في عمليات التأليف وكتابة السيناريوهات، واصفاً إياها بالافتقار إلى الروح البشرية والتجربة الإنسانية، أصبح اليوم من أشد الدعاة والمؤيدين لضرورة توظيف ودمج هذه التقنيات الجبارة في مجال صناعة وتوليد المؤثرات البصرية المعقدة، بهدف أساسي يتمثل في تقليل وتخفيض التكاليف المالية الباهظة للإنتاج دون المساس بأي شكل من الأشكال بمستوى جودة العمل الفني النهائي. ومن اللافت والمثير للاهتمام بشكل خاص أن كاميرون قد اتخذ خطوة عملية كبرى في عام 2024 بانضمامه شخصياً ورسمياً إلى مجلس إدارة شركة "ستابيليتي إيه آي" المتخصصة والبارزة في مجال تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث عبّر بوضوح وصراحة عن رغبته العميقة في سبر أغوار وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي من الداخل وعن كثب، بهدف استكشاف أفضل السبل لدمجه بسلاسة في صناعة المؤثرات، ليس كبديل كامل يلغي دور الإبداع البشري، بل بوصفه أداة مساندة وقوة تقنية مضاعفة تعزز من قدرات الفنانين وتمكنهم من تحقيق رؤاهم الإبداعية المعقدة.
عند النظر بشكل أكثر تفصيلاً وتحليلاً للآليات المحددة التي يمكن أن تسهم من خلالها أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير وتحديث مسار صناعة السينما وتقليص ميزانياتها الضخمة التي تقصم ظهور الاستوديوهات، نجد أن استخداماتها وتطبيقاتها تتنوع وتتغلغل في كافة المراحل المختلفة والحيوية لصناعة وتخليق العمل الفني. ففي مرحلة ما قبل التصوير والتحضير الأولي، يسهم الذكاء الاصطناعي بشكل فعال في تخيل ومحاكاة كافة المشاهد المطلوبة من خلال إنشاء نماذج وتصاميم ثلاثية الأبعاد سريعة ورخيصة، حيث يُتاح للمخرجين والفرق الفنية والمصورين ضبط كافة زوايا الكاميرا وتعديل الإضاءة ودراسة وتوجيه حركة الشخصيات بدقة متناهية داخل بيئة افتراضية متكاملة قبل إنفاق دولار واحد في موقع التصوير الفعلي. هذا التخطيط الافتراضي المسبق يقلل بصورة كبيرة جداً من الأوقات الطويلة والمكلفة التي تستنزف عادة في التحضير الميداني ما قبل التصوير، ويجنب فريق العمل بأكمله التكلفة المادية والزمنية الفادحة المرتبطة بإعادة تصوير المشاهد بسبب الأخطاء البشرية أو التقديرات الخاطئة.
أما عند الانتقال إلى مرحلة الإنتاج الميداني الفعلي، فيتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة مكثفة لصناعة وتوليد الخلفيات الرقمية المعقدة والمؤثرات البصرية المتطورة في الوقت الفعلي أو شبه الفعلي، مما يختصر ويوفر الكثير جداً من الوقت الثمين والجهد البشري الهائل والتكلفة المالية الباهظة التي كانت في السابق تتطلب تعبئة واستئجار وتوظيف فرق ضخمة جداً من المهندسين والمصممين والفنانين المتخصصين للعمل لشهور طويلة. وقد برزت قدرات هذه التقنية بشكل واضح ومبهر في أعمال سينمائية كبرى، مثل فيلم "الرجل الأيرلندي"، حيث تم استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة وبرمجيات التعلم الآلي لتصغير سن الممثلين وتجسيد الشخصيات الرئيسية في مراحل وحقب عمرية وزمنية مختلفة ومتعددة وبدقة فائقة، وذلك دون الحاجة المعقدة والمكلفة إلى إعادة تصوير نفس المشاهد بممثلين شباب مختلفين، أو اللجوء إلى استخدام ووضع طبقات من المكياج المعقد والمزعج للممثلين، وهو الإجراء التقني الذي ساعد بشكل مباشر ومؤثر في توفير مبالغ مالية كبيرة جداً وساهم في تقليص الميزانية العامة المخصصة لإنتاج الفيلم.
وإذا ما وصلنا إلى المرحلة النهائية، وهي مرحلة المونتاج وما بعد الإنتاج المكتبي، فقد بات الذكاء الاصطناعي يشكل أداة أساسية وفعالة لا يمكن الاستغناء عنها في مجالات التعديل الدقيق للألوان، وتحسين ورفع جودة المسارات الصوتية وتنقية الحوارات، وتصحيح وإصلاح الأخطاء التقنية المرئية بضغطة زر، فضلاً عن تسريع واختصار دورة وعملية المونتاج ككل. ويتم ذلك من خلال قيام الخوارزميات بالتحليل التلقائي السريع لمئات الساعات من اللقطات والمشاهد المصورة لتحديد واختيار المشاهد الأكثر تأثيراً وقوة من الناحية الدرامية والبصرية، واستبعاد المشاهد الضعيفة أو غير الضرورية لسير الأحداث، مما يؤدي بالتبعية إلى تقليص وتخفيف الجهد البشري المضني والمطلوب في غرف التحرير، وبالتالي يؤدي حتماً إلى خفض كبير في التكاليف النهائية للإنتاج.
ولا يتوقف التأثير الاقتصادي العميق والخارق للذكاء الاصطناعي عند حدود إغلاق وطي شارة النهاية الخاصة بالفيلم، بل يمتد دوره المحوري والطموح وبقوة ليشمل المراحل المعقدة لما بعد صناعة العمل الفني المكتمل، حيث تلعب وتتحكم خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والتي تتغذى على كميات مهولة من بيانات المستخدمين بدور متزايد الأهمية والحسم في رسم إستراتيجيات التوزيع العالمية والمحلية للعمل الفني. فهذه الخوارزميات التحليلية المعقدة تمتلك القدرة الفائقة على التنبؤ وبدقة عالية بأفضل الأسواق الجغرافية والديموغرافية لعرض ومشاهدة الفيلم، وتحديد وتصنيف شرائح الجمهور المستهدف بناءً على تفضيلاتهم التاريخية وسلوكياتهم على منصات الإنترنت، بالإضافة إلى اقتراح ووضع جدولة زمنية دقيقة ومثالية لمواعيد وحملات الإطلاق والعرض الرقمي والترويجي عبر المنصات المختلفة وشاشات السينما.
هذا التوجه التحليلي العميق المدعوم بالبيانات يقلل بشكل كبير وملحوظ من حجم النفقات المهولة التي كانت تهدر عادة على حملات الإعلانات التقليدية العمياء وطرق ووسائل التوزيع المعتادة التي كانت تعتمد بشكل كبير على الحدس أو التحليل المحدود. علاوة على كل ما سبق، فإن أدوات ومنصات الذكاء الاصطناعي السحابية قد سهلت بشكل لا مثيل له آليات العمل والتعاون من بُعد، وبين الفرق الإبداعية والإنتاجية المتناثرة جغرافياً، سواء تجلى ذلك في عمليات التبادل السريع والآمن للملفات الرقمية الضخمة، أو القدرة على التعديل المشترك والآني للعمل الفني في الوقت الفعلي والمباشر بغض النظر عن المسافات الجغرافية، أو في سهولة إدارة ومتابعة ومراقبة تطورات العمل وميزانياته بدقة متناهية. لقد تضافرت وأسهمت كل تلك العوامل مجتمعة في جعل خيار الاعتماد على الذكاء الاصطناعي خياراً اقتصادياً وإستراتيجياً حتمياً ولا مفر منه، ليس فقط لتقليل وتخفيض تكاليف الإنتاج السينمائي الباهظة، بل أيضاً مع الحفاظ على أو حتى تحسين جودة وإتقان الأعمال الفنية المقدمة للمشاهد، وقد أسهم هذا النهج وتلك الأدوات بالفعل وبطريقة ملموسة في تقليص وتخفيض ميزانيات مجموعة من الأفلام الحديثة بنسبة ملحوظة قد تصل في بعض الأحيان إلى ما يقرب من خمسة وعشرين بالمئة، بفضل الاستخدام الذكي والمدروس لهذه التكنولوجيا في كافة مراحل الصناعة المختلفة والمعقدة، مما يؤكد وبما لا يدع مجالاً لأي شك أن تبني واستخدام هذه التكنولوجيا التوليدية لم يعد يعتبر نوعاً من الرفاهية المفرطة أو مجرد استعراض تقني عابر، بل بات يشكل ضرورة حتمية للتمتع بقدرة تنافسية فعلية للبقاء في مشهد سينمائي عالمي يتسم بالتغير الشديد والتحول العنيف والسريع.
الصراع القانوني والأخلاقي حول الملكية الفكرية وتشييء الإنسان
في موازاة هذا التقدم التكنولوجي والاقتصادي الساحق، تتصاعد في أروقة المحاكم وكواليس هوليوود أزمة قانونية وأخلاقية خانقة وغير مسبوقة تتعلق بصلب حقوق الملكية الفكرية ومفهوم ملكية الفنان لجسده وصوته وإبداعه، وهي معضلة ترقى إلى مستوى تشييء الإنسان وتسليع هويته. ويكمن جذر هذه الأزمة العميقة في الآلية التي تعمل بها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، سواء كانت روبوتات دردشة أو أدوات متطورة لتوليد الصور والفيديو. فهذه النماذج الخوارزمية الجشعة تعتمد بشكل أساسي ووحيد في بنائها وتطورها على التدريب المكثف باستخدام وتجرع كميات فلكية ومرعبة من البيانات المأخوذة والمجمعة بشكل آلي من شبكة الإنترنت المفتوحة. وتشمل هذه البيانات الضخمة التي يتم جمعها عادة من دون أدنى استئذان مواد فنية وإبداعية محمية بقوة بموجب قوانين حقوق الملكية الفكرية، مثل الروايات الأدبية، والأعمال الفنية التشكيلية والرقمية، والصور الفوتوغرافية، ومقاطع الفيديو من الأفلام السينمائية المحمية. وقد أدى هذا النهج الاستخراجي الذي اتبعته الشركات التقنية الكبرى إلى مطالبات متزايدة واحتجاجات غاضبة من قبل آلاف الفنانين وصناع المحتوى والجهات المالكة لحقوق البث، يطالبون فيها بضرورة دفع تعويضات مالية ضخمة وعادلة عن هذا الاستخدام غير المصرح به، ويدعون بشدة إلى الإسراع في وضع وبناء أطر قانونية وتشريعات ترخيص واضحة وصارمة تتيح وتسمح للشركات باستخدام أعمالهم الفنية لتدريب الخوارزميات ولكن على نحوٍ قانوني وموثق وبمقابل مادي عادل.
وقد اتخذ هذا الصراع أبعاداً مؤسسية كبرى. فقد أثار الإطلاق التجريبي للأداة المذكورة سابقاً والخاصة بشركة بايتدانس الصينية انتقادات حادة وعنيفة ومباشرة من قبل "رابطة الأفلام الأمريكية" (MPA)، وهي الجهة الرسمية الأقوى التي تمثل استوديوهات هوليوود الكبرى. وقد وجهت الرابطة اتهامات صريحة وخطيرة لشركة بايتدانس بقيامها بالاستخدام المفرط وغير القانوني والمجاني لما أسمته "أعمالاً محمية بقوانين حقوق النشر على نطاق هائل وواسع جداً، ومن دون الحصول على أي إذن مسبق أو تصريح قانوني من أصحاب الحقوق الأصلية". وفي ظل تصاعد وتيرة الدعاوى القضائية والتهديدات القانونية المتبادلة في أروقة المحاكم الأمريكية والدولية، بدأت بعض الشركات الترفيهية الكبرى والتي تمتلك أرشيفاً فنياً وإبداعياً لا يقدر بثمن، مثل شركة "ديزني" العالمية، في اتخاذ خطوات استباقية من خلال توقيع اتفاقيات وشراكات رسمية ومعلنة مع شركات ومنصات الذكاء الاصطناعي الرائدة، ومن بينها الاتفاق المبرم مع شركة "أوبن إيه آي" القوية والمطوّرة لبرنامج "تشات جي بي تي"، وذلك لضمان تأطير وقوننة عملية الاستفادة المتبادلة وتجنب النزاعات القانونية المكلفة والمدمرة للطرفين.
وفي تصعيد مباشر لهذه المواجهة، وجه رئيس رابطة الأفلام الأمريكية، تشارلز ريفكين، نداءً شديد اللهجة ودعوة صريحة ومباشرة إلى قيادة شركة بايتدانس طالبها فيها بضرورة "الوقف الفوري لكافة أنشطتها وممارساتها المخالفة لقوانين الملكية الفكرية". واعتبر ريفكين في تصريحاته الغاضبة أن مجرد إقدام الشركة على إطلاق وتوفير الخدمة وتوليد المحتوى من دون تقديم أي ضمانات قانونية حقيقية وصلبة لحماية حقوق النشر والإبداع للمؤلفين، إنما هو تصرف يتجاهل ويضرب عرض الحائط بكافة القوانين والتشريعات المحلية والدولية التي تم إرساؤها منذ عقود لحماية الحقوق الحصرية للمبدعين والشركات، وتدعم في الوقت نفسه ملايين الوظائف وتؤمن مصدر رزق للكثيرين في الولايات المتحدة الأمريكية وحول العالم.
ولم يقتصر التحذير على الجانب الأمريكي، فمن جهتها الأوروبية، شدّدت المخرجة البارزة والعضو الفاعل والمؤثر في مجلس اللوردات البريطاني، بيبان كيدرون، والتي طالما عُرفت وتصدرت المشهد بحملاتها ونشاطاتها الدؤوبة لحماية وصيانة حقوق النشر والإبداع في العصر الرقمي، على الضرورة القصوى والحتمية التي تفرض على شركات الذكاء الاصطناعي التكنولوجية بضرورة التوصل إلى تسوية قانونية واتفاق عادل ومستدام مع ممثلي الصناعات الإبداعية والثقافية المختلفة. وأطلقت كيدرون تحذيراً شديداً وواضحاً مفاده أنّ استمرار غياب أو تجاهل تقديم "عرض حقيقي وملموس" ومقابل مادي يرضي طموحات ومطالب القطاع الإبداعي ويحترم حقوقه الأصيلة، قد يقود حتماً ويدفع الطرفين للدخول في دوامة من التقاضي وعقد كامل ومظلم من النزاعات القضائية الشرسة والمرهقة للجميع، وربما يؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير وتجفيف منابع صناعة إبداعية بأكملها تعتمد عليها شركات الذكاء الاصطناعي نفسها في استقاء وتغذية وتدريب خوارزمياتها وبناء نماذجها الرياضية.
وإذا ما تعمقنا في المخاوف الشخصية والمهنية للمبدعين أنفسهم، نجد أن التهديد المتمثل في فقدان الوظيفة التقليدية، وهي مخاوف حركت وأججت النيران التي أشعلت إضرابات النقابات الفنية وممثلي الشاشة في عام 2023 ودعمت موقفهم المطالب بوضع ضمانات وضوابط، تتضاءل أمام تهديد وجودي أكبر وأكثر خطورة يتمثل في استباحة صور وملامح وأصوات هؤلاء الممثلين واستخدامها دون إذن أو رقيب. وقد عبرت النجمة والممثلة الشهيرة سوزان ساراندون عن هذا القلق العميق والحقيقي من خلال تصريح صحفي لافت أدلت به لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، حيث قالت بوضوح تام وقاطع إنها لا ترى إطلاقاً أي أمر جيد أو إيجابي في السماح لبرمجيات وأنظمة كمبيوتر بأخذ واستنساخ ملامح وجهها، وتفاصيل جسدها، وبصمة صوتها الفريدة والمميزة، وإجبارها عن طريق التلاعب الرقمي والخوارزمي المعقد على قول عبارات أو أداء أفعال ومشاهد لم تقم بها قط في الواقع، وكل ذلك يحدث بشكل قسري ومن دون وجود أي إرادة حرة أو علم مسبق منها بما يتم فعله بهويتها.
هذا النوع من الاستخدام يمثل الذروة المطلقة لفكرة اغتراب الفنان عن فنه وعن جسده، حيث تتحول هويته الإنسانية إلى مجرد كود برمجي وبيانات رقمية يمكن بيعها، وشراؤها، وتعديلها، واستغلالها من قبل الاستوديوهات أو حتى أطراف خارجية لا حصر لها وبلا أدنى اعتبار للمنظومة الأخلاقية التي تحكم وتقيد السلوك الإنساني. هذا الشعور بفقدان السيطرة التامة وتجريد الفرد من حقوقه الأساسية تجاه ما يصدر عنه هو ما يدفع الكثيرين اليوم لاعتبار هذه المعركة القانونية، معركة ومحاولة لإنقاذ الجوهر الإنساني من التشييء والتحول إلى مجرد مادة خام تغذي أطماع وأرباح اقتصاد الخوارزميات الصاعد.
المؤسسات التقليدية واحتواء الصدمة التكنولوجية من خلال التنظيم والتقنين
أمام هذا الطوفان التكنولوجي والاقتصادي والقانوني العارم الجارف، لم تجد المؤسسات التقليدية والأكاديمية العريقة والراسخة في صناعة السينما بهوليوود مناصاً ولا مفراً من الرضوخ لمحاولة التكيف السريع وإعادة صياغة قواعدها التنظيمية ومحاولة دمج واحتواء هذه التكنولوجيا الجامحة داخل المنظومة الرسمية، وذلك بهدف رئيسي هو السيطرة على هذا التحول بدلاً من السماح له بتدمير وتفكيك هياكل الصناعة القائمة. وتأتي أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، وهي المؤسسة العريقة والمهيبة والجهة الرسمية والوحيدة المانحة لجوائز الأوسكار السينمائية المرموقة، في طليعة هذه الكيانات الكبرى التي بادرت واستجابت لهذا المتغير الخطير. فقد أدركت الأكاديمية تماماً أن محاولة تجاهل أو حتى حظر ومعاقبة استخدام الذكاء الاصطناعي هي محاولة يائسة وغير مجدية تقنياً، فقررت بدلاً من ذلك إصدار مجموعة جديدة ومحدثة من القواعد والشروط والمعايير التي تنظم وتؤطر آلية ترشيح الأفلام واختيارها لمنح جوائز الأوسكار الرفيعة. وقد نصت هذه القواعد الجديدة وبشكل علني وصريح على أن مجرد اللجوء أو استخدام أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها من الأدوات الرقمية الحديثة المتطورة لن يشكل عائقاً يمنع، ولن يعزز أو يُضعف من فرص ترشيح أي عمل سينمائي لنيل هذه الجوائز العالمية.
هذا التعديل الجوهري في صياغة وقواعد اللعبة السينمائية يعد اعترافاً رسمياً ونهائياً ومباشراً بالأمر الواقع، وتأكيداً على أن الأفلام المصنّعة بشكل جزئي أو التي تتخللها تدخلات بواسطة أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي ستتمكن بكل تأكيد من الترشّح والمنافسة بقوة للفوز بجائزة الأوسكار. ومع ذلك، وبغية الحفاظ على الحد الأدنى من الجوهر الإنساني في الفن ولتخفيف حدة الانتقادات، أكدت الأكاديمية العريقة في بيانها التوضيحي أنها ستظل تراعي وتقدر وبشدة الأفلام التي تعتمد بشكل كامل وأساسي في صناعتها وتأليفها على إبداعات وابتكارات من قبل عقول البشر وجهودهم الخالصة، مشددة بشكل قاطع على أنها ستهتم بالدرجة الأولى بالمكانة المحورية والدور الأساسي الذي يشغله العنصر البشري والمبدعون الحقيقيون في توجيه وإدارة عملية الابتكار والخلق الفني الشاملة عند عملية تقييم واختيار الفيلم النهائي الذي ستتم مكافأته وتتويجه بالتمثال الذهبي. وبناءً على هذه المعطيات والقواعد الجديدة، فإنه سيتم تطبيق وإنفاذ هذا القانون والتنظيم الجديد بشكل فعلي ورسمي بدءاً من الدورة المقبلة والمحددة من حفل توزيع جوائز الأوسكار السينمائية والمقرر إقامتها في الخامس عشر من شهر مارس من عام 2026. ولتجنب وتلافي الأخطاء السابقة، وضمان تحقيق أعلى درجات العدالة والنزاهة في التقييم، فرضت الأكاديمية على أعضائها ولجان التحكيم التابعة لها ضرورة ومشاهدة جميع الأفلام والأعمال المُرشّحة في كل فئة من الفئات المتنوعة، وذلك كشرط أساسي حتى تتمكن هذه اللجان من ممارسة حقها والمشاركة في الجولة النهائية والحاسمة من التصويت.
وهنا برزت تحديات لوجستية وتقنية جديدة، حيث أُثيرت بعض الشكوك العميقة حول كيفية وضع آلية تضمن وتتأكد من خلالها الأكاديمية من أن جميع أعضائها المحلفين قد التزموا وشاهدو جميع الأفلام الطويلة بالفعل ولم يعتمدوا على آراء مسبقة. وفي هذا الشأن، أشارت التقارير والتحليلات إلى أن الأكاديمية تسعى لحل هذه المعضلة من خلال مراقبة ومتابعة سجلات مشاهدات الأفلام الفردية بدقة وموثوقية عالية من خلال إطلاق واستخدام منصة آمنة ومغلقة للبث التدفقي وتكون مخصصة ومتاحة حصرياً لأعضائها المسجلين، بالإضافة إلى فرض ضرورة ملء نماذج وإقرارات رسمية توثق وتشير إلى توقيت تاريخ ومكان عرض ومشاهدة العمل السينمائي من قبل كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم.
والمثير حقاً للانتباه في هذا التطور أن هذه القواعد ليست مجرد نظريات مستقبلية محضة، بل إن تطبيقها العملي ونتائجها قد بدأت بالفعل في حصد ثمارها والظهور على خشبة المسرح وتغيير النتائج. فقد ساهم استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، بقدراته الفائقة الذي يستطيع بسهولة وبسرعة إنشاء نصوص دقيقة وصور خيالية ومقاطع صوتية وفيديو شديدة الواقعية، بالفعل بشكل غير مباشر ومباشر في المساعدة على إنتاج وتطوير بعض العناصر الفنية الدقيقة لأفلام سينمائية تمكنت ونجحت في الوصول لمنصات التتويج وفازت بجوائز أوسكار خلال الفترة القريبة الماضية. فعلى سبيل المثال اللافت والمهم، فاز النجم الممثل والموهوب أدريان برودي بجائزة مرموقة كأفضل ممثل عن أداء دوره المعقد والمتميز في فيلم حمل اسم "الوحشي" (The Brutalist). وفي هذا العمل الناجح، لعبت خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة دوراً حاسماً ومهماً وصامتاً في تعزيز أداء برودي التمثيلي الاستثنائي، حيث تم اللجوء والاستعانة بخدمات تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل معالجة وتحسين لكنته الصوتية وطريقة نطقه لتكون خالية من العيوب ومتطابقة تماماً مع اللكنة المطلوبة، وذلك وتحديداً عندما كان يتحدّث ويؤدي حوارات باللغة المجرية المعقدة في سياق مشاهد الفيلم الدرامية. وفي مثال واقعي آخر لا يقل أهمية وإثارة، تم توظيف واستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي المخصصة لمعالجة هندسة الصوت ببراعة فائقة لتحسين وتعديل ومطابقة أصوات الجوقة الغنائية الجماعية في مشاهد المسرحية الموسيقية الاستعراضية والفيلم السينمائي "إميليا بيريز" والذي حصد ونال بجدارة جائزة الأوسكار.
إن هذه الإمكانيات والقدرات التقنية المذهلة والمتطورة لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها الفعلي في مجال وهندسة صناعة الأفلام قد عززت بشكل متزايد ولا يمكن إنكاره من شعبيته وقوة حضوره وتأثيره في هذا المجال الفني الإبداعي المتميز، خصوصاً وأنه أثبت قدرات هائلة وبات قادراً وبدقة متناهية على تغيير أو مطابقة نبرة الصوت والمقامات الموسيقية بدقة، واستنساخ ونسخ أسلوب أداء الممثلين، وإجراء وتنفيذ تعديلات وتحسينات فورية وجوهرية على المظهر البصري العام والبيئة المحيطة أيضاً بطرق لم تكن تخطر على بال أشد المتفائلين بالتكنولوجيا منذ عقود قليلة مضت.
الخاتمة: مستقبل الإبداع البشري في ظل سيادة خوارزمية
في ضوء كل ما سبق استعراضه من تفاصيل وتطورات متسارعة، يتضح لنا جلياً وبشكل لا يقبل الشك أو التأويل أن مسألة دمج واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في صميم صناعة السينما بهوليوود لم تعد مطروحة للنقاش بوصفها مجرد خيار ترفيهي أو تجربة تقنية عابرة يمكن تجاوزها أو تجاهلها، بل أصبحت واقعاً هيكلياً ومؤسسياً يفرض نفسه بقسوة وقوة لا هوادة فيها على كافة المستويات، بدءاً من مراحل وضع الرؤى والتخطيط ووصولاً إلى العرض والتوزيع النهائي. ورغم حقيقة أن هذا التطور التكنولوجي الجارف يهدد بنسف وتدمير نماذج وأساليب العمل السينمائي التقليدية، ويُحدث هزات اقتصادية عنيفة تدفع بالكثيرين إلى مقاعد البطالة، ويثير في الوقت ذاته عواصف ومعضلات قانونية وأخلاقية عميقة وغير مسبوقة تتعلق بصلب حقوق الإنسان وملكيته الفكرية، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار الوجه الآخر لهذه العملة. فهذه التقنيات، من ناحية أخرى، تساهم وبقوة في إزالة وهدم الحواجز والعوائق المالية الضخمة والبيروقراطية المانعة التي طالما احتكرت واختزلت عملية الإبداع السينمائي في أيدي قلة قليلة من الاستوديوهات ورؤوس الأموال الكبرى. إنها بذلك تفتح الباب على مصراعيه، وتشرع النوافذ لظهور وبزوغ فجر جيل جديد كلياً وشغوف من المخرجين والمبدعين ورواة القصص المستقلين الذين باتوا يمتلكون اليوم أدوات سحرية وجبارة لم تكن متاحة لمن سبقهم، مما سيضمن بلا شك استمرار وتدفق وتطور أشكال جديدة ومبتكرة من صناعة وتوليد المحتوى البصري والفني، مع ضمان توفير وتقليص هائل ومستدام في إجمالي التكاليف الباهظة للعمليات الإنتاجية وشبكات التوزيع والإعلان، وهو ما سيقود حتماً إلى إعادة رسم وتشكيل ملامح الخريطة الاقتصادية والفنية والاقتصاد السياسي للترفيه البصري في القرن الحادي والعشرين بشكل جذري وتام.



اضف تعليق