شهدت العقود الماضية ازدياداً ملحوظاً لأنشطة المجتمع المدني مع اتساع مساحات العولمة الممتدة على خريطة العالمية فضلاً عن ثورة الاتصالات التكنلوجية والمعلوماتية والتي جعلت العالم قرية مصغرة. لكل هذه المعطيات زادت المنظمات غير الحكومية بحسب إحصائيات دولية ، فبعد أن كان عدد هذه المنظمات 6000 منظمة عام 1990 وصل عددها لغاية 2006 الى 50000 منظمة.

هذه الزيادة الهائلة في أعداد منظمات المجتمع المدني تؤكد الدور البارز الذي تلعبه هذه المؤسسات في التنمية البشرية على مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحيث تتكامل جهودها مع المجهودات الحكومية ليصل تأثيرها إلى المشاركة في رسم السياسات العامة.

ويعرف البنك الدولي المجتمع بحسب عدد من المراكز البحثية الرائدة بأنه : " مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية للتي لها وجود في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية او خيرية".

ولما برز دور منظمات المجتمع المدني في مجتمعاتنا الإسلامية، كان لابد من وضوح ورؤية إسلامية للمجتمع المدني والمؤسسات التي تمثله، هذه الرؤية تجسدت وبشكل تفصيلي معمق من خلال كتاب (معالم المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي) للمفكر الإسلامي السيد مرتضى الحسيني الشيرازي حيث يؤكد في الصفحة 44 ان آية ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) هي التي تضع أساساً نظرياً واسعاً لمنظمات المجتمع المدني " إذ أنها تضع قانوناً أسمى بحكم الأفراد ، وهو قانون التماسك والتكامل والتكافل الإجتماعي الذي يتحمل فيه الجميع المسؤولية تجاه الجميع أفراداً ومجاميع ومؤسسات ودولة كل حسب طاقته ".

والسيد مرتضى الشيرازي يرى ان المجتمع المدني يستبطن في مفهومه حالة التماسك وان الآية الكريمة التي استشهد بها تشير لأكثر الصيغ تطوراً حيث تتضمن ست عشرة صورة للتكامل والتكافل والتي يعدها الأساس النظري أو الإطار العام لفكرة المجتمعات المدنية في الرؤية الإسلامية كما أن هذه الآية تمثل البنية التحتية لفكرة المجتمع المدني.

ويأخذ المؤلف قارئه في سياحة فكرية شيقة للروايات التي تؤكد هذا المعنى الذي يصر على أن حركة الفرد يجب أن تكون بمسؤولية تجاه سائر الأفراد ولا تصح حركته التي شبهها بـ (العيش في جزيرة منعزلة) ومنها رواية الإمام الباقر عليه السلام: " من مشى في حاجة أخيه المسلم ، أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك، ولم يرفع قدماً إلا كتب الله له حسنة ويحط عنه بها سيئة ، ويرفع له بها درجة ، فإذا فرغ من حاجته كتب الله عز وجل له بها أجر حاج ومعتمر ".

ويأمل السيد مرتضى الشيرازي ان تبنى الثقافات المجتمعية على هذه الروايات التي ما أن يتم العمل بها والتفكير في مضامينها القيمية والأخلاقية الهائلة حتى لم تعد هناك حاجة مجتمعية معطلة بحيث يصل المجتمع إلى حالة من السمو المثالي ، لكنه يؤكد على أن المفهوم المعاصر للمجتمع المدني لايصل إلى المستوى المتطور والمتكامل الذي تقدمه هذه الروايات ( ولا حتى في الأحلام ) .

نظرية الموازن الاستراتيجي

يشدد المؤلف على المسؤوليات الأساسية والرئيسية للمنظمات المدنية ومنها ان توجد لنفسها قوة أو مكانة تمكنها من لعب دور الموازن الاستراتيجي لقوة الدولة لأن كل دولة تتجه دائماً لتدعيم سلطتها وزيادة قوتها ومركزيتها حتى إذا كانت هذه القوة والمركزية على حساب سلب الآخر إرادته فيكون لها الميل الشديد نحو تكريس التمركز فيقول : " من هنا يتضح أن مسؤوليات مؤسسات المجتمع المدني أن تكون درعاً حصيناً أمام طغيان الدولة "1.

كما يؤكد على أن هذه المؤسسات تمثل سلطة خامسة بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية وقد تكون - بحسب رؤيته - الموازن الحقيقي لهذه السلطات .

ويحدد أربع مسووليات يراها تقع على عاتق المنظمات تجاه الدولة بحيث يضمن الإلتزام بها تحقيق الموازن الاستراتيجي تتمثل الأولى في متابعة جادة وسعي حثيث لرصد اي خرق او انتهاك للسلطة بحق المواطنين ويتساءل عن هذا الدور هل هو موجود فعلاً أو لا ؟

ويرى أن المسؤولية الثانية لهذه المنظمات هي تقديم النصح للسلطات في حال رصد هذه الانتهاكات أو الخروقات فإن لم تلمس استجابة للنصح تبدأ بالتحذير ثم ثم الإنذار ، فإن وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة فإن هذه المنظمات تسعى لسلب شرعية السلطة .

أما ثالث مسؤوليات هذه المنظمات هي تقديم لوائح قانونية ومقترحات تسهم في بناء الدولة على أسس حضارية وحديثة يؤمن لها الاستقرار والرخاء والازدهار ، ومنها ينتقل للمسؤولية الرابعة المتمثلة بمد يد العون والتفاعل الميداني مع الدولة لتحقيق الأهداف المرجوة فيكون فعلها هذا تطبيقاً عملياً للنظرية التي كانت في المسؤولية الثالثة .

النيوبرالية

وبطبيعة الحال، فإن القائمين على هذه المنظمات هم من البشر الخطائين ، ولهم أجندات ومشاريع لا بد من تحقيقها عبر اقامة هذه المنظمات والمؤسسات وتخصص لها الميزانيات والأموال لتحقيق أهدافها ، لذلك ليس من الصحيح إطلاق صفة الملائكية والمثالية على كل المؤسسات المدنية ، وهو ماركز عليه السيد مرتضى الشيرازي وأفرد له صفحات بتحليلات معمقة في كتابه هذا وتحديداً في الفصل الثامن عشر حيث يرى أن بعض المؤسسات تعد من ألد أعداء المنظمات المدنية وتقف بالضد من جوهرها وحقيقتها .

ويقسم المنظمات التخريبية إلى منظمات محلية تضلل الآخر بمنهج ديمقراطي من الخارج وهي التفاتة ذكية جداً من المؤلف لكونها واقعية وملموسة خصوصاً في واقعنا العراقي حيث أن الكثير من المنظمات التي ظهرت بعد التغيير الذي حدث في العراق بعد 2003 عبارة عن أدوات تنفيذية لأجندات ومشاريع متناقضة تحت مسمى الإنفتاح الديمقراطي، القسم الآخر من المنظمات التخريبية كما يراها المؤلف يتمثل بالآثار الاقتصادية المدمرة للنيوبرالية.

والنيوبرالية كمفهوم : هي فكر تقوم أدلجته على متبنيات الليبرالية الكلاسيكية المؤيدة للرأسمالية المطلقة ساعية لسيطرة القطاع الخاص على الاقتصاد بدلاً من الحكومة . ومن خلال هذا المفهوم يصف السيد مرتضى الشيرازي المؤسسات والشركات الكبيرة التي تتبنى المفهوم النيوبرالي بـ ( الأذرع الاخطبوطية ) التي تسيرها الدول الكبرى من أجل بسط النفوذ والهيمنة على دول العالم الثالث ولها - كما يرى السيد مرتضى - تنظيرات فلسفية من أجل انهيار الاقتصادات الوطنية مايضمن لها زيادة في الأرباح .

ويحلل فكرة الربحية بعيداً عن الأخلاق حيث يورد نصاً لـ (ميلتون فريدمان) الذي يعد الأب الروحي للنيوبرالية في كتابه (الرأسمالية والحرية) حيث يقول "يمثل تحقيق الربح جوهر الديمقراطية"، ويستغرب المؤلف ويسأل عن عدم قول فريدمان (تحقيق الأخلاق جوهر الديمقراطية) أو (تحقيق حقوق الإنسان جوهر الديمقراطية)، ويستمر في إيراد نص فريدمان وقوله : " وبالتالي فالحكومة التي تتبع سياسة معارضة السوق هي في الحقيقة حكومة غير ديمقراطية ".

إن السيد مرتضى الشيرازي يُعري هنا هذه النظرية ويكشف قناعها الزائف الذي يجرد الحكومات التي تحافظ على اقتصادها الوطني من الديمقراطية، لأن السوق يمثل الهاً ورباً عند الذين يتبنون أفكار النيوبرالية التخريبية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5