تعد الحرب في أوكرانيا والسودان من أبشع أنواع الحروب التي تجد الشعوب نفسها عالقة بها؛ فإذا كانت هناك أسباب موضوعية أدت لاندلاعها، فإن أسباب استمرارها تبقى بيد القوى الخارجية التي لها أهداف غير معلنة لا تعني الشعبين بالضرورة. إن الشعبين الأوكراني والسوداني يدفعان ثمناً مرعباً من دمائهما ومستقبلهما في صراعات على السلطة والنفود والجيوسياسية...
الحرب في أوكرانيا والسودان، تعد من أبشع أنواع الحروب التي تجد الشعوب نفسها عالقة بها. واذا كانت هناك أسباب موضوعية أدت لاندلاعها، فان أسباب استمرارها تبقى بيد القوى الخارجية التي لها اهداف غير معلنة لا تعني الشعبين بالضرورة.
أوكرانيا التي كانت جزءا من (الاتحاد السوفييتي) السابق، باتت لبعض النخب فيها تطلعات للالتحاق بالغرب وتبني نموذجه سياسيا وثقافيا، وهذا من حقها ولكن هناك قوى أخرى ترى غير ذلك، ما خلق انقساما داخليا شق طريقه إلى السياسة وبات يمثّل من خلال أحزاب وقوى راحت تتصارع فيما بينها، وكان من الممكن ان يتم استيعاب الصراع ديمقراطيا، لولا وجود مشكلات الأقليات ذات الأغلبية الروسية شرقي البلاد بالإضافة إلى مشكلة جزيرة القرم التي ترى روسيا انها جزء من أراضيها، وقد ضمها الزعيم السوفييتي (الأوكراني) خروتشوف لأوكرانيا في إطار مناقلة ميدانية استدعتها ظروف الاتحاد السوفييتي وقتها، وبعد تفككه رأت روسيا انها لابد من ان تعود اليها، وهكذا تطورت الازمة مخفية المسكوت عنه والمتمثل بحسابات روسيا الجيوسياسية ومخاوفها على أمنها القومي، بعد ان يممت أوكرانيا وجهها باتجاه الغرب وراحت تتطلع إلى عضوية الناتو، وتحديدا بعد وصول زيلنسكي للسلطة، الأمر الذي دفع بروسيا لتفعيل أدوات الضغط التي كان من أبرزها ورقة الأقليات الروسية في شرقي أوكرانيا والمحاددة لها والتي كانت وراء اندلاع الحرب أو (العملية العسكرية) كما تسميها روسيا في الأراضي الاوكرانية لانتزاع تلك المناطق.
لكن روسيا وجدت نفسها عالقة في حرب استنزاف طويلة بسبب الدعم الأميركي الأوروبي الكبير لأوكرانيا، فأوروبا المتخوفة من تطلعات روسيا اليوم تستحضر نزاعاتها الطويلة معها، منذ أيام القياصرة، حيث يرى أغلب الأوروبيين أنها استخدمت العقيدة الشيوعية، مطلع القرن الماضي، اقناعا لتوسيع إمبراطوريتها ونجحت إلى حد كبير بعد قيام الاتحاد السوفييتي بضم بعض مناطق ودول شرق أوروبا، ولعل الموقف البولوني المتشدد من روسيا اليوم، يمثل استعادة لإرث طويل من الصراع امتد لقرون.
الشعب الأوكراني يدفع ثمن استمرار هذه الحرب التي قد لا تكون خسارته للاقاليم الشرقية فيها اكثر كلفة من استمرار فواجعها البشرية بالإضافة إلى ما تسببت به من تداعيات اقتصادية واجتماعية مريرة، وستكون لها آثار مستقبلية، سيدفع ثمنها الشعب الأوكراني وحده، بعد ان تنفض الدول المستفيدة من الحرب اليوم ايديها وقد حققت ما تريده منها.
الشعب السوداني هو الآخر يدفع ثمن استمرار حرب لا ناقة لأحد فيها ولا جمل، وانما هي حرب على السلطة، دفعت إلى اندلاعها واستمرارها اياد خارجية، تسعى لخلق نفوذ لها في السودان من خلال دعم هذه الجهة على حساب تلك بينما يدفع السودان ثمنا مرعبا من أبنائه الذين قتل منهم حتى الان مئات الالاف وتشرّد الملايين ويعاني مثلهم الجوع والقلق بعد مرور اكثر من ثلاث سنوات على اندلاع حرب لا يعرف أحد كيف ستنتهي.
هذه اللعبة القذرة حصلت مع لبنان الذي وجد نفسه عالقا في حرب أهلية منتصف سبعينيات القرن الماضي، وقفت وراءها قوى إقليمية ودولية، كلّ لأهدافه التي لا علاقة لها بالشعب اللبناني الذي دفع ثمنها وحده، حين تحولت ارضه إلى ميدان لصراع تخفّى تحت عناوين براقة، عكست ثقافة مرحلة السبعينيات وعقائدها الثورية، ليجد اللبنانيون انفسهم وقد مزقتهم الحرب وجعلتهم يقاتلون بعضهم خدمة للآخرين.
السؤال الذي يطرحه نفسه هو، أين يقف المجتمع الدولي من هذه الكوارث وكيف يوقفها؟. المأزق الحقيقي هو أن القوى المتحكمة بالمشهد الدولي ضليعة بإشعال هذه الحروب وان تخفت وراء اقنعة محلية لتديم الصراع وصولا لأهدافها، وهنا يكمن المأزق الأخلاقي الكبير الذي يصعب الخروج منه، ويصعب ايضا اقناع أدوات الصراع المحلية بأنهم مجرد أدوات وأن شعاراتهم وحماستهم مندكّة بمشاريع اللاعبين الخارجيين ممن يعبثون بأرواحهم وثرواتهم واراضيهم ومستقبلهم.



اضف تعليق