ما يحدث اليوم من صراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا والسودان يعيدنا إلى كوارث التاريخ القديمة، حين استقدمت اليابان إمبراطور الصين المعزول لتضفي شرعية زائفة على احتلالها لإقليم منشوريا. يتكرر المشهد اليوم بشكليات معيبة؛ فالزعامات المحلية التي تقود الحروب وتزعم الدفاع عن مصالح شعوبها ليست سوى دمى وأقنعة صنعتها دول كبرى لخدمة نفوذها ومصالحها...
ما يحدث اليوم من صراع في الشرق الأوسط وبين روسيا وأوكرانيا وفي السودان وغيرها من مناطق عالمنا المضطرب، يعيدنا إلى أحداث قديمة، اطلعنا عليها بوصفها من كوارث التاريخ، من بينها الصراع الروسي الياباني الذي وصل ذروته مطلع القرن الماضي، بسبب التنافس بين الإمبراطوريتين على النفوذ والمجالات الحيوية، وإن ميدان التنافس كان المناطق الرخوة القريبة التي تحتوي على ثروات في كل من الصين الواهنة وقتذاك وكوريا.
فبعد هزيمتهم في حرب العام 1905، أذعن الروس لشروط اليابانيين في أن يكون لهم نفوذ اقتصادي في إقليم منشوريا الصيني المحاذي لروسيا والمتنافس عليه بينهما، وفي العام 1931، ونتيجة لتعاظم قوة اليابانيين بعد احتلالهم كوريا في العام 1910 وسيطرتهم على المتن البحري الطويل في جزر سخالين الروسية، وجدوا من الضروري أن يتحول النفوذ الاقتصادي في منشوريا إلى احتلال كامل والسيطرة على هذه المنطقة الحيوية والواسعة.
من الطريف الذي حصل حينذاك، أن اليابان استقدمت إمبراطور الصين (بو يي) الذي عزلته حكومة الزعيم الصيني (صن يات صن) بعد إطاحتها الملكية وإقامة الجمهورية في البلاد العام 1911، وجعلته حاكمًا لمنشوريا لتضفي (شرعية) على احتلالها لها! وعلى الرغم من رفض (عصبة الأمم) للاحتلال، إلا أن اليابان أصرت على موقفها وانسحبت من العصبة في العام 1932 احتجاجًا، وبقيت تحتل منشوريا لحين تحريرها نهاية الحرب العالمية الثانية 1945.
اليوم يتكرر المشهد وبشكل معيب ومخجل، فبعد أن أصبح العالم أكثر تحضرًا والمؤسسات العالمية أكثر رصانة، أو هكذا يجب أن تكون، ما زلنا نرى الأساليب القديمة وصناعة الأقنعة السياسية من قبل الأقوياء حاضرة في لعبة الصراع والنفوذ، فلو تأملنا في (الزعامات المحلية) التي تقود الحروب التي تعصف بالمنطقة والعالم من حولنا، سنجد أن أغلبها، إن لم نقل كلها، تقف وراءها دول كبرى أو مؤثرة، صنعتها وهيأتها للعب أدوار معينة، فقادة الحروب في الدولة الواحدة أو بين دولتين ليسوا بالضرورة يعكسون إرادة شعوبهم التي يحاربون اليوم دفاعًا عن مصالحها كما يزعمون، بل إنها ضحية لعبة كبيرة وقفت وراءها قوى لها مصالح ومطالح في تلك المناطق وتصارعت فيما بينها عليها، وأن من مستلزمات الصراع تهيئة قيادات ميدانية لها، سياسية وأيضًا عسكرية، وهو ما نراه متجليًا بشكل كبير اليوم للأسف.
وإن جولة مسائية على وسائل الإعلام المؤثرة وقراءة طبيعة خطاب كل واحدة منها، تكشف لنا حقيقة الصراع ومن يقف وراءه.
نعم، العدة يجب أن تكون كاملة، تهيئة القادة وجلب الأسلحة لهم، والتي صارت اليوم بسعر التراب قياسًا لإمكانيات الكبار وقياسًا بما سيحصلون عليه لاحقًا، ورفدهم بالمال، وأيضًا بإعلام يبشر بمشاريعهم (الوطنية) ودفاعهم عن مصالح الشعوب، أو هكذا تقول لنا وسائل الإعلام تلك التي تنقل لنا من الميدان صور أبناء البلد الواحد أو البلدان المتجاورة وهم يذبحون بعضهم البعض ويلوحون بأيديهم بشارات النصر، حتى صرنا نشعر بالتخمة من كثرة الانتصارات التي تزفها إلينا شاشات الفضائيات كل يوم تقريبًا!
لا شك أن هذه الحروب تأتي في سياق صراع استراتيجيات كبرى تبنتها الدول المؤثرة عالميًا، وهي بالتأكيد من معطيات مرحلة جديدة يشهدها العالم مختلفة تمامًا عن المراحل السابقة في كل شيء تقريبًا، واستخدمت أبناء تلك البلدان وسيلة لتحقيقها أو فرضها على الأرض بعد دعمها بكل أسباب (النصر) الذي ستجني عوائده هي، أما الشعوب فستحتفل في الأعوام القادمة بانتصاراتها وبدحرها المؤامرات وغيرها من المصطلحات التي تغذي مشاعر الحماسة عند الشعوب التي لا يدري البسطاء فيها، لا سيما من (أبطال) تلك الحروب الذين سيُكرَّمون، بأنهم كانوا دمى في لعبة قذرة بدأت منذ القدم وما زالت تُلعب ولو بأشكال جديدة وقيادات جديدة أيضًا.



اضف تعليق