من العبر التي تركها لنا التاريخ، ما شهده (قصر فرساي) في باريس بعد أن تحول إلى ميدان للقهر والإذلال المتبادل بين الألمان والفرنسيين؛ فتنويه بسمارك بتنصيب ملك بروسيا هناك عام 1871 وسط الاحتلال، ثم جاءت "معاهدة فرساي" عقب الحرب العالمية الأولى لتثقل كاهل ألمانيا بتعويضات هائلة أفرزت روح الانتقام المؤدية للحرب العالمية الثانية...
من العبر التي تركها لنا التاريخ، ما شهده (قصر فرساي) في العاصمة الفرنسية باريس، بعد أن تحول إلى ميدان للقهر والإذلال المتبادل بين الألمان والفرنسيين. الحكاية مؤلمة وقد تجاوزها وعي الشعبين الأكثر تقدماً في القارة الأوروبية، فبعد سلسلة حروب بين (مملكة بروسيا) الألمانية، قبل توحيد الإمارات الألمانية في العام 1871 وبين فرنسا، وصل الطرفان إلى أن الحل الحقيقي لمشاكل القارة الأوروبية يتمثل بالوحدة أو الاتحاد، بدلاً من الصراعات والحروب التي لا تنتهي.
في العام 1870 اندلعت الحرب بين (مملكة بروسيا) التي كان يقف على رأسها الملك فيلهلم الأول ورئيس وزرائه المستشار بسمارك، وبين فرنسا التي كان يقف على رأسها الإمبراطور نابليون الثالث، وكان هذا الأخير قد أشعل فتيل حرب لم يكن متهيئاً لها بشكل جيد، كما يقول المؤرخون، فخسر الحرب وخسر عرشه.
شجعت نتيجة الحرب هذه، بسمارك على المضي قدماً في مشروع توحيد الإمارات الألمانية ونجح في مشروعه، ولكنه أقدم على خطوة ذات بعد رمزي، آلمت الفرنسيين واستنكرها حتى اشهر الفلاسفة، عندما قرر أن يكون تنصيب ملك بروسيا (فيلهلم الأول) ملكاً على الممالك والإمارات والمقاطعات الألمانية التي توحدت، في (قصر فرساي) في العاصمة الفرنسية باريس التي كانت تحت الاحتلال البروسي (الألماني).
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة ألمانيا الموحدة ومعها النمسا وروسيا القيصرية، وسقوط ما عرف بـ(الرايخ الثاني) أو الإمبراطورية الألمانية الثانية التي أقامها بسمارك في العام 1871، عقد المنتصرون (الحلفاء) وفي مقدمتهم فرنسا طبعاً، (معاهدة فرساي) في قاعة المرايا بالقصر نفسه، وقد حمّلت هذه المعاهدة ألمانيا مسؤولية اندلاع الحرب وإلزامها بدفع تعويضات هائلة أرهقت شعبها، وأتخمته بروح الانتقام أيضاً ما تسبب في الحرب العالمية الثانية التي دفع العالم كله ثمنها.
لو سألت أي مواطن ألماني اليوم، هل ترى في تنصيب ملك بلادك في عاصمة دولة أخرى بعد احتلالها من قبلكم عملاً صائباً؟ لكان جوابه الطبيعي أنه يستبشع هذا التصرف ويراه مستفزاً حتى لو كان له موقف سياسي مؤيد لتلك الحرب وفقاً لمرحلتها وظروفها، وهذا ما يسمى بالتجربة الجمعية، التي تعيشها الشعوب بعد أن تمر بمحن وتعيش الأهوال نتيجة لقرارات غير صحيحة، تستدعيها أوقات غضب أو نشوة وهو ما يخبرنا عنه (قصر فرساي)، الذي تحتفظ جدرانه بأصوات المحتفلين بالانتصار والمستمتعين بثماره ممن اعتقدوا أنه سيبقى بمذاقه الطيب للنهاية قبل أن يكتشفوا أن للأيام والسنين كلمتها، التي تغير المذاقات والأمزجة وتقلب الانتصارات إلى هزائم ومرارات.
النزعة الثأرية ما زالت إلى اليوم تحكم عقليات البعض، سواء في أوروبا أو غيرها، وما زال هناك من يبحث أثناء الحروب عن الأماكن (ذات الرمزية)، ليستهدفها كي يغيظ خصمه أو عدوه، وكأن التجربة القاسية التي عشناها جميعاً كبشر لم تمر ولم يسمع بها هذا البعض ممن يريدون لدورة العنف والانتقام أن تستمر.
نعم، لقد شهدنا هذا وما زلنا نشهده للأسف، وما زلنا نتابع ونسمع من خلال الإعلام أيضاً عبارات مثل: (لما لهذا المكان من رمزية) أو (لما يمثله استهداف هذا المسؤول أو القائد من رمزية). والمؤكد أن الذي يقوم بذلك يبقى متهيئاً لتوقع الرد واستهداف الطرف الآخر رمزاً من رموزه! وأما الشعوب فإن الرمز الذي يهمها هو أن تعيش بكرامة، ورمز الكرامة هنا يتمثل برغيف الخبز والأمن والعيش مع بعضها بسلام تماماً كما يحصل اليوم بين الفرنسيين والألمان.



اضف تعليق