بدأت علاقة العراقيين المباشرة بالدولار مع الحصار الاقتصادي مطلع التسعينيات حين تهاوى الدينار وفقدت العائلات مدخراتها، وظل ارتفاع الدولار سيفاً مسلطاً عند كل أزمة سياسية. إن ارتهان الإيرادات النفطية بنظام الإيداع لدى الاحتياطي الأمريكي يضع الدولة أمام مسؤولية أخلاقية تتطلب تجنب المغامرات غير المحسوبة...

بدأت علاقة العراقيين المباشرة بالدولار مع الحصار الاقتصادي، مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعد أن أصبح يتحكم بلقمة عيشهم، نتيجة لانخفاض قيمة الدينار التي تهاوت بشكل تدريجي، حتى وصلت إلى ما يقرب من ثلاثة آلاف دينار أمام الدولار الواحد في العام 1995، بعد أن كانت قيمة الدينار الواحد، قبل حرب الثمانينيات تعادل أكثر من ثلاثة دولارات.

القصة طويلة وعاشها العراقيون فصولا قبل العام 2003، الذي شهد رفع الحصار الاقتصادي، وبداية تعافي الدينار الذي وصل إلى 1200 دينار امام الدولار الواحد، والأهم هو أن ثبات سعر الصرف الذي قابله استقرار نسبي في السوق، مع تحسن مستوى دخل الفرد العراقي انعش الحياة الاقتصادية بشكل عام، لكن شبح ارتفاع قيمة الدولار امام الدينار ظل قائما وصار بمثابة السيف المسلط على العراقيين، يرونه ويتحسسونه عند كل ازمة سياسية تكون فيها اميركا غير راضية عن العراق، فتتسرب من منابر سياسية وإعلامية عراقية وأميركية حكاية إيقاف أميركا ضخ قيمة النفط العراقي المصدر للخارج، كون العراق ظل إلى الآن خاضعا للفصل السابع، الذي يلزم بأن تودع عائدات النفط العراقي في الخزانة الأميركية، قبل ضخها إلى العراق، وفق ما يعرف اليوم بـ (نظام إيداع عائدات النفط العراقي لدى الاحتياطي الأميركي)، وهذه من مترحلات العقوبات الاقتصادية، التي فرضت على العراق مطلع التسعينات أو ما بقي منها حتى الآن.

في العموم، تصل جميع أموال النفط العراقي المصدر إلى الخزينة العراقية غير منقوصة، لكن المشكلة هي أن هذه الواردات الكبيرة التي تمثل شريان الحياة بالنسبة للعراقيين، قد تتوقف بأي لحظة اذا ما أصدرت الولايات المتحدة عقوبات على قطاع النفط العراقي، لسبب ما، وتوقف ضخه للأسواق، كما حصل في التسعينيات، وكما يحصل اليوم مع دول أخرى تعرضت للعقوبات الأميركية. وهنا يجب أن يكون الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية أمام الشعب العراقي، أي أن إدخال العراق في مغامرة غير محسوبة العواقب، تؤدي إلى مواجهة مع أميركا والغرب، أو تشعرهم بأن مصالحهم في العراق أو في المنطقة باتت مهددة، سيعود العراق وشعبه إلى محنة الحصار وأيامه القاسية، فانهيار العملة الوطنية له تداعيات استراتيجية على اقتصاد البلاد بشكل عام، وعلى اقتصاد العائلة والفرد العراقي بشكل خاص، وفي الغالب تكون كارثية، ولعلنا شهدنا انهيار حياة أسر عراقية كانت تعد غنيّة بما تمتلكه من أموال، فقدت قيمتها بعد انهيار سعر العملة ومن ثم وجدت نفسها فقيرة، وكنت أعرف شخصا يعمل معي في تلك الأيام، كان مودعا لدى المصرف ستة آلاف دينار عراقي قبل العام 1990، وقد تهاوت قيمتها تدريجيا حتى أصبحت في العام 1994 أقل من ثلاثة دولارات!.

انخفاض قيمة الدينار مؤخرا، وما استتبعه من تداعيات على السوق، وأن كانت مؤقتة لحين امتصاص الأزمة واستقرار سعر الصرف الجديد، لكنها تعطينا درسا بأن حياة الناس ولقمة عيشهم لا تتحملان أية مغامرة، وأن جروح البلاد وشعبها مازالت طرية وأن نكأها بمواقف تضع الشعب والدولة في مواجهة غير متكافئة مع اميركا أو غيرها يعني أن هناك من يريد لهذا البلد أن يتمزق ويتفكك، فالثروات والاستثمار الرشيد لها هو ما يقوي روح الدولة والشعب معا، والعكس صحيح، وأن العالم اليوم بدأ يتجه إلى التكتلات الاقتصادية الكبرى، لكي تحمي الشعوب نفسها وتقوي بعضها بالبعض الآخر، فهذا الزمن هو زمن القوة الناعمة وأن الشعب الذي يتمتع باقتصاد قوي ويعش تنمية مستدامة يكون محط أنظار العالم ويرونه قويا ومهابا، وأن لم يطلق طلقة واحدة أو يعلن عن امتلاكه أي نوع من السلاح، وان يبقى امتلاك السلاح ضروريا طبعا، لكي تحمي به الدول شعوبها وتحمي ازدهارها الذي قد تطيح به نزوات سياسية أو أوهام وطوباويات أيديولوجية لم تعد فاعلة في عالم اليوم.

اضف تعليق