الرهانُ الذكيُّ لا يكونُ في مواجهةِ الغربِ ككتلةٍ واحدةٍ، بل في تفكيكِ مواقفِهِ والاستفادةِ من الشقِّ الأوروبيِّ كفرصةٍ استراتيجيةٍ. إنَّ تحويلَ جزءٍ من الخصومِ إلى وسطاءَ في خفضِ التصعيدِ يغيّرُ معادلةَ الصراعِ، فالخروجُ من الحربِ يبدأُ بإعادةِ قراءةِ الخريطةِ السياسيةِ واكتشافِ مساراتِ العبورِ الدبلوماسيةِ...

في لحظات الصراع الكبرى، لا يكون العالم كتلة واحدة متماسكة، بل شبكة من المصالح المتباينة التي تفتح بين حين وآخر نوافذ ضيقة يمكن للدول الذكية أن تتحول من خلالها من موقع الاستهداف إلى موقع المناورة. إن الموقف الأوروبي الرافض للحروب الأحادية الجانب، كما عبّرت عنه مواقف رسمية من داخل الاتحاد الأوروبي، لا يمثل مجرد اختلاف في الرأي، بل يكشف عن تباين حقيقي في مقاربة إدارة الصراع، وهو تباين يمكن أن يشكل فرصة استراتيجية إذا تم التعامل معه بوعي وبدون اندفاع.

فالولايات المتحدة تنظر إلى الصراع من زاوية الهيمنة الأمنية وإدارة التهديد، بينما يميل الاتحاد الأوروبي إلى مقاربة أكثر توازناً تقوم على الاستقرار وتجنب الانفجارات الكبرى التي تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، وهذا الاختلاف ليس جديداً، لكنه يبرز بوضوح في لحظات التصعيد الحاد. 

ومن هنا، فإن الرهان الذكي لا يكون في مواجهة الغرب ككتلة واحدة، بل في تفكيك مواقفه والاستفادة من التباينات داخله، لأن تحويل جزء من هذا الغرب من موقع الخصم إلى موقع الوسيط أو الشريك في خفض التصعيد يمكن أن يغيّر معادلة الصراع دون الدخول في مواجهة شاملة.

إن هذه النافذة الأوروبية لا تُستثمر بالشعارات، بل بخطوات عملية واضحة، تبدأ بخفض مستوى الخطاب التصعيدي تجاه أوروبا، وفتح قنوات تواصل دبلوماسية مركزة، وتقديم إشارات محسوبة تعكس استعداداً للانخراط في ترتيبات تخفف التوتر دون المساس بالثوابت الأساسية. كما أن تحويل أوروبا إلى شريك في مسار خفض التصعيد يمنح أي تفاوض محتمل بعداً متعدد الأطراف، ويقلل من قدرة طرف واحد على فرض شروطه، وهو ما يخلق مساحة أوسع للمناورة ويخفض كلفة الخروج من الحرب.

غير أن هذه الفرصة، رغم أهميتها، ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، لأن استمرار التصعيد قد يدفع حتى الأطراف المتحفظة إلى الاصطفاف الكامل، وعندها تُغلق النافذة ويعود العالم إلى حالة الاستقطاب الحاد التي تضيق فيها الخيارات إلى حد كبير. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة تكمن في سرعة استثمارها، لأن الفرص في السياسة الدولية لا تختفي فجأة، بل تضيق تدريجياً حتى تفقد جدواها.

إن الدولة التي تمتلك القدرة على قراءة التباينات داخل خصومها، وتحويلها إلى أدوات تخفيف ضغط، تكون قد خطت خطوة أولى نحو الخروج الذكي من الصراع، أما الدولة التي تتعامل مع العالم بوصفه جبهة واحدة، فإنها تحرم نفسها من أهم أدوات المناورة. وهنا يتضح أن الخروج من الحرب لا يبدأ في ميدان القتال، بل يبدأ في إعادة قراءة الخريطة السياسية للعالم، واكتشاف النقاط التي يمكن تحويلها من خطوط ضغط إلى مسارات عبور. وهذه إحدى تلك النقاط… إذا أُحسن استثمارها.

اضف تعليق