تتحول الانتخابات في العراق من أداة لحسم الخيارات إلى أداة لإعادة توزيع الحصص والأسهم السياسية. إن ما يجمع القوى المتصارعة بعد الفرز ليس المشروع الوطني، بل منطق اقتسام السلطة والتنصل من المسؤولية؛ بينما يكمن الإصلاح الحقيقي في إرساء القاعدة الديمقراطية الطبيعية والواضحة: من يفوز بالأغلبية يحكم ومن يخسر يعارض...
في العراق تبدو العملية السياسية وكأنها تقدم للمواطن مفارقة يصعب تفسيرها. ففي موسم الانتخابات تظهر الأحزاب وكأنها جزر منفصلة؛ لكل حزب خطابه وشعاراته وقوائمه ووعوده وصراعاته واتهاماته للآخرين. ويُخيّل للناخب أنه أمام برامج ورؤى ومشاريع متنافسة يريد كل منها أن يقنع الناس بأنه البديل الأفضل.
لكن ما إن تنتهي الانتخابات وتُفرز النتائج حتى تحدث المعجزة السياسية المعتادة: الأحزاب نفسها، التي كانت تتصارع بالأمس، تجلس حول طاولة واحدة وتدخل جميعها تقريبًا في الحكومة تحت عنوان «التوافق» و«الشراكة الوطنية» و«المحاصصة». ويتحول التنافس الانتخابي فجأة إلى شراكة في السلطة وتقاسم للمناصب والوزارات.
وهنا يبرز سؤال شديد البساطة وشديد الإحراج في الوقت نفسه: إذا كانت هذه الأحزاب الخمسة عشر أو نحوها قادرة على الاجتماع بعد الانتخابات في حكومة واحدة، فلماذا لا تجتمع قبل الانتخابات في حزب كبير أو تحالف انتخابي حقيقي ببرنامج وطني واحد يخوض الانتخابات بوضوح وشفافية؟
إذا كانت الخلافات ليست مانعًا من الاجتماع داخل الحكومة بعد الانتخابات، فلماذا تصبح مانعًا قبل الانتخابات؟ وإذا كانت المشاركة في السلطة ممكنة للجميع لاحقًا، فلماذا تُقدَّم للناس صورة توحي بوجود تنافس حاد وجذري؟
الجواب المرجح أن ما يجمع هذه القوى بعد الانتخابات ليس البرامج السياسية ولا الرؤى الفكرية ولا المشروع الوطني المشترك، بل منطق اقتسام السلطة. فالانتخابات في ظل المحاصصة لا تؤدي إلى إنتاج حكومة وبرنامج حاكم، بل تؤدي غالبًا إلى توزيع الأسهم السياسية بين القوى المشاركة، ثم تبدأ مفاوضات تشكيل حكومة أشبه بتشكيل مجلس إدارة لشركة مساهمة كبيرة.
ولهذا فإن كل حزب يحتاج إلى خوض الانتخابات منفردًا أو بقائمة خاصة، ليس بهدف تنفيذ برنامج مختلف، بل بهدف زيادة عدد مقاعده. فالمقاعد هنا تتحول إلى أسهم تفاوضية، وكلما زادت الأسهم زادت الحصة من الوزارات والمناصب والنفوذ.
أما لو اجتمعت هذه القوى قبل الانتخابات في حزب واحد أو تحالف حقيقي ذي برنامج واضح، ثم فازت بالأغلبية المطلقة (50%+1)، فإن ذلك سيقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا: حكومة واضحة، وبرنامج واضح، ومسؤولية واضحة، ومعارضة واضحة. أي تطبيق القاعدة الديمقراطية الطبيعية: من يفوز يحكم ومن يخسر يعارض.
لكن هذه الصيغة تحمل عبئًا لا تحبه أنظمة المحاصصة: المسؤولية. ففي حكومة الأغلبية يصبح معروفًا من يحكم ومن يُحاسب. أما في حكومات التوافق والمحاصصة فيصبح الجميع شركاء في السلطة، وفي الوقت نفسه يصبح الجميع قادرين على التنصل من المسؤولية.
وهكذا تتحول الانتخابات من أداة لحسم الخيارات إلى أداة لإعادة توزيع الحصص. ويصبح السؤال الحقيقي ليس: من يملك أفضل برنامج للحكم؟ بل: من يملك عددًا أكبر من الأسهم السياسية؟
ولعل السؤال الأكثر إيلامًا يبقى: إذا كانوا قادرين على الاجتماع بعد الانتخابات فلماذا لا يجتمعون قبلها؟ لأن الجواب عن هذا السؤال يكشف كثيرًا من أسرار النظام السياسي العراقي أكثر مما تكشفه آلاف الخطب والشعارات.



اضف تعليق