إن استمرار نظام المحاصصة التوافقية بصيغته الحالية يجعل الجميع تقريباً داخل السلطة، ويجعل المعارضة ضعيفة أو مشتتة أو هامشية، بينما تضيع الحدود بين من يحكم ومن يحاسب، ومن يقرر ومن يعترض. وهنا يفقد المواطن القدرة على معرفة الجهة التي ينبغي أن يمنحها الثقة أو يسحب منها الثقة، لأن الجميع يشتركون في السلطة بصورة أو بأخرى...

الحمد لله، تم تشكيل الحكومة، والاستقرار السياسي يبقى أفضل من الفراغ والفوضى والانسداد، لأن الدولة لا تستطيع أن تستمر بلا مؤسسات عاملة ولا بلا سلطة تنفيذية تدير شؤون الناس. لكن هذا لا يمنع من طرح سؤال سياسي عميق يتعلق بطبيعة العملية الديمقراطية نفسها، لا بالحكومة الحالية بوصفها حكومة بعينها، بل بالبنية السياسية التي تتكرر منذ سنوات.

فالمشكلة التي يشعر بها كثير من المواطنين ليست في وجود حكومة أو عدم وجودها، وإنما في الإحساس المتزايد بأن الانتخابات لم تعد هي التي تنتج الحكومة بصورة مباشرة، وأن نتائج صناديق الاقتراع لا تتحول تلقائياً إلى معادلة حكم واضحة تقوم على قاعدة: من يفوز يحكم ومن يخسر يعارض. إذ يبدو المشهد في كثير من الأحيان وكأن الحكومة تولد أساساً من تفاهمات ومساومات وتحالفات تُعقد داخل الغرف المغلقة بعد الانتخابات، بينما يتحول صوت الناخب إلى عنصر من عناصر التفاوض لا إلى العامل الحاسم في تشكيل السلطة.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية للديمقراطية، لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على إجراء الانتخابات، بل تقوم أيضاً على شعور المواطن بأن صوته يملك أثراً حقيقياً في صناعة السلطة وتحديد اتجاه الدولة. فإذا فقد المواطن هذا الشعور، ضعفت الثقة بالعملية السياسية كلها، حتى لو استمرت الانتخابات تُجرى بصورة منتظمة.

ومن الطبيعي في مثل هذه الأجواء أن يقف المواطن، وبخاصة الناخب، أمام خيارات صعبة ومقلقة. فهناك من قد يصل إلى قناعة بأن المشاركة الانتخابية لم تعد ذات جدوى، وأن نتائج الانتخابات لا تغيّر شيئاً جوهرياً في معادلات الحكم، فيتجه نحو العزوف الكامل عن التصويت في الدورات القادمة. وهذا الخيار، رغم أنه مفهوم من الناحية النفسية والسياسية، يحمل خطراً كبيراً على المجتمع والدولة، لأن انسحاب الجمهور من العملية الديمقراطية لا يؤدي غالباً إلى الإصلاح، بل يترك الساحة أكثر فأكثر للقوى المنظمة والقادرة على التحكم بالمشهد السياسي.

وفي المقابل، يوجد خيار آخر أكثر صعوبة لكنه أكثر نفعاً للدولة والمجتمع، وهو التحرك السلمي الواعي والمنظم للضغط باتجاه إصلاح النظام الانتخابي والسياسي، وإجبار الكتل السياسية على الاقتراب الحقيقي من مبادئ الديمقراطية الحديثة، لا الاكتفاء بأشكالها الخارجية. فالديمقراطية ليست مجرد توزيع للمقاعد والمناصب بين القوى السياسية، بل هي قبل ذلك آلية واضحة لتداول السلطة، وتحديد المسؤولية، ووجود حكومة تحكم ومعارضة تراقب وتحاسب.

إن استمرار نظام المحاصصة التوافقية بصيغته الحالية يجعل الجميع تقريباً داخل السلطة، ويجعل المعارضة ضعيفة أو مشتتة أو هامشية، بينما تضيع الحدود بين من يحكم ومن يحاسب، ومن يقرر ومن يعترض. وهنا يفقد المواطن القدرة على معرفة الجهة التي ينبغي أن يمنحها الثقة أو يسحب منها الثقة، لأن الجميع يشتركون في السلطة بصورة أو بأخرى.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالهجوم على هذه الحكومة أو تلك، بل يبدأ بإعادة التفكير في القواعد التي تُنتج الحكومات نفسها. فالمجتمعات لا تتقدم بالانفعال والغضب وحدهما، وإنما بالوعي السياسي التراكمي، والعمل السلمي الطويل، والضغط الشعبي المستمر من أجل بناء نظام سياسي أكثر وضوحاً وعدالة وتمثيلاً حقيقياً لإرادة الناخبين.

وقد يكون من أهم ما تحتاجه المرحلة القادمة هو انتقال الوعي الشعبي من الاهتمام بالأشخاص إلى الاهتمام بالقواعد، لأن أزمة النظام السياسي ليست دائماً أزمة أفراد، بل كثيراً ما تكون أزمة آليات وبُنى وقوانين. وحين تُصلح القواعد، يصبح إصلاح الحكومات أكثر سهولة، وتصبح الانتخابات أكثر معنى، ويشعر المواطن أخيراً أن صوته ليس مجرد رقم في صندوق، بل قوة حقيقية تشارك في صناعة مستقبل الدولة.


اضف تعليق