إن قانون العمل العراقي يشكل خطوة مهمة نحو حماية حقوق العمال وضمان بيئة عمل عادلة، ولكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة في تطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع، يتطلب الأمر المزيد من الإصلاحات والتطبيق الفعال للقوانين لتحقيق التوافق الكامل مع معايير حقوق الإنسان الدولية وضمان تحقيق العدالة الاجتماعية لجميع العمال...
يعد قانون العمل من القوانين الأساسية التي تنظم العلاقة بين العمال وأرباب العمل في أي دولة، وله تأثير بالغ في حماية حقوق العمال وضمان توفير بيئة عمل عادلة وآمنة. في العراق، يشهد قانون العمل تطورات مستمرة في محاولة لتنظيم حقوق العمال بما يتوافق مع المعايير الدولية، لا سيما مع انضمام العراق للعديد من الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان والعمل، في هذا المقال، سنقوم بتحليل قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 من زاويتين: من خلال النظر في مدى توافقه مع أحكام الدستور العراقي، ومن خلال مقارنة معايير حقوق الإنسان الدولية في مجال العمل.
يشكل الدستور العراقي لعام 2005 المرجعية الأساسية التي ينبغي أن تكون كافة القوانين الوطنية، بما في ذلك قانون العمل، متوافقة معها. يشدد الدستور العراقي في عدة مواد على حقوق الإنسان وحماية العمال، وينص على أن: "العمال ينظمون في إطار القوانين التي تضمن لهم حماية حقوقهم".
المادة 22 من الدستور العراقي تشير إلى: "أن العمل حق لكل العراقيين، وعلى الدولة أن تكفل لكل فرد الحق في العمل وتوفير الفرص المتساوية في المجالين العام والخاص"، مما يضع أساسًا قانونيًا لحماية العمال من التمييز ويعزز من حقوقهم في الحصول على فرص عمل متساوية، والمادة 30 من الدستور العراقي تتعلق بحقوق المواطنين في الحصول على مستوى معيشي مناسب، بما في ذلك الحق في التعليم والرعاية الصحية والعمل الذي يضمن للعمال معيشة كريمة.
بالإضافة إلى هذه المواد، يتضمن الدستور العراقي التزامات تجاه توفير العدالة الاجتماعية وتقديم الحماية للعمال من الاستغلال، وهي المبادئ التي يجب أن تكون مرجعية لتطوير أي تشريع في مجال العمل.
في إطار هذه المبادئ، سعى قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 إلى ترجمة هذه الأهداف الدستورية إلى قوانين محددة تضمن للعمال حقوقهم الأساسية مثل الأجر العادل، والحد الأدنى للأجور، وظروف العمل المناسبة، إلا أن التطبيق الفعلي لهذه النصوص في العديد من الحالات لا يرقى دائمًا إلى المستوى المطلوب.
أما فيما يتعلق بتوافق قانون العمل العراقي مع معايير حقوق الإنسان الدولية فذلك يبدو جليًا في الاتفاقيات الدولية: العراق عضو في العديد من الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى حماية حقوق العمال، مثل الاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية (ILO)، التي تحدد المعايير الدنيا لحماية حقوق العمال، بما في ذلك:
• الاتفاقية رقم 87 (الاتفاقية المتعلقة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم): التي تضمن للعمال الحق في تأسيس والانضمام إلى النقابات دون تمييز أو تدخل من قبل أصحاب العمل أو الحكومة.
• الاتفاقية رقم 98 (اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية): التي تضمن للعمال حقهم في التفاوض الجماعي بشأن شروط العمل.
• الاتفاقية رقم 111 (اتفاقية منع التمييز في التوظيف والمهنة): التي تضمن للعمال المساواة في الفرص والمعاملة في سوق العمل دون تمييز بناءً على العرق أو الجنس أو الدين أو أي سبب آخر.
يتضح من ذلك أن قانون العمل العراقي، في مجمله، يتوافق مع العديد من المبادئ المنصوص عليها في هذه الاتفاقيات، مثل الحق في التنظيم النقابي، ومنع التمييز في العمل وغيرها، إلا أن هناك بعض التحديات في تطبيق هذه المبادئ، خاصة في بعض القطاعات غير الرسمية، حيث لا يتم تسجيل العديد من العمال ولا يتم تمكينهم من ممارسة حقوقهم النقابية.
وفيما يخص حق الأجر العادل وظروف العمل فأن قانون العمل العراقي يشدد على توفير الحد الأدنى للأجور، ويحدد ساعات العمل وحقوق العمال في الإجازات والراحة الأسبوعية. لكن بعض الدراسات تشير إلى أن العديد من العمال في العراق لا يحصلون على الأجر العادل، خاصة في القطاعات غير الرسمية أو في الأعمال ذات الأجر المنخفض، وهذا التحدي يعد أحد التحديات الكبرى التي تواجه تنفيذ قوانين العمل في العراق، وكذلك الحال مع حقوق المرأة والطفل في العمل حيث يولي قانون العمل العراقي اهتمامًا خاصًا بحماية حقوق المرأة والطفل في بيئة العمل، نذكر منها حالات حظر القانون تشغيل الأطفال تحت سن 15 عامًا وتنظيمه عمل الاحداث ويضع قواعد تنظيمية للمرأة العاملة، مثل توفير إجازة أمومة مدفوعة الأجر وتخصيص أماكن رعاية وارضاع لأطفال العاملات، إلا أن الواقع يشير إلى أن العديد من النساء العاملات في العراق يواجهن تحديات في موازنة حياتهن المهنية والشخصية، خاصة في قطاعات العمل غير المنظمة، كما أن المرأة العراقية ما زالت تعاني من التمييز في الأجور والترقيات في بعض القطاعات.
ومن الجوانب المهمة التي علينا تسليط الضوء عليها هو العمل الجبري أو القسري والاستغلال فبالرغم من وجود نصوص قانونية تحظر العمل الجبري والاستغلال في قانون العمل العراقي، إلا أن الواقع يظهر أن بعض العمال قد يتعرضون للاستغلال، خاصة في الأعمال غير المنظمة أو في المشاريع الصغيرة التي تفتقر إلى الرقابة الحكومية، وهذا يعكس الحاجة إلى المزيد من الإصلاحات التشريعية والرقابة على التطبيق الفعال لضمان حماية حقوق العمال
من خلال الطرح السابق يتضح للباحثة أنّ هنالك تحديات في تطبيق قانون العمل العراقي وتفاوت كبير بين التشريع والطموح وبين الواقع الممنوح، وهذه التحديات قد تتمثل بالأمور التالية:
1. ضعف الرقابة والتنفيذ: على الرغم من أن القانون العراقي يحدد العديد من الحقوق للعمال، إلا أن ضعف تطبيق القانون في الواقع يُعد من أكبر التحديات، تتراوح أسباب هذه المشكلة بين نقص في الموارد البشرية الكافية لدى وزارات العمل والجهات المعنية، بالإضافة إلى ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية في تطبيق القوانين.
2. القطاع غير الرسمي: يعد القطاع غير الرسمي أكبر ميدان لانتهاك حقوق العمال في العراق، حيث يعمل العديد من العمال خارج إطار القانون في مجالات مثل عمال البناء والباعة المتجولين، هؤلاء العمال يفتقرون إلى الحماية القانونية بشكل مطلق، مما يعرضهم للاستغلال دون أمل في الحصول على حقوقهم التقاعدية أو الصحية التأمينية.
3. العمالة الأجنبية: تعد العمالة الأجنبية قضية أخرى تتطلب اهتمامًا خاصًا، إذ أن العديد من العمال الأجانب في العراق قد لا يتمتعون بنفس الحقوق التي يحظى بها العمال المحليون بموجب قانون العمل العراقي، ومن هنا، يصبح من الضروري ضمان تطبيق مبدأ العدالة والمساواة لجميع العمال في العراق.
وفي هذا السياق ومن خلال البحث والتقصي يمكن لنا أن نقدم بعض التوصيات لتحسين تطبيق القانون منها وأولها تعزيز الرقابة على تطبيق القانون، يجب تعزيز آليات الرقابة الحكومية على تنفيذ قانون العمل، وتوفير التدريب الكافي للجهات المعنية بمتابعة تطبيق القوانين لضمان حقوق العمال في الواقع، وثانيها إصلاحات قانونية تتماشى مع المعايير الدولية فعلى المشرع العراقي العمل الحثيث على تحسين وتحديث قوانين العمل بما يتماشى مع المعايير الدولية ويشمل المزيد من التدابير لحماية حقوق العمال في القطاع غير الرسمي، وثالثها التركيز على العمل النقابي حيث يجب تشجيع إنشاء النقابات العمالية المستقلة التي تمثل العمال وتدافع عن حقوقهم، وضمان أن يتمتع العمال بحرية التنظيم النقابي وفقًا للمعايير الدولية.
ختامًا- إن قانون العمل العراقي يشكل خطوة مهمة نحو حماية حقوق العمال وضمان بيئة عمل عادلة، ولكنه لا يزال يواجه تحديات كبيرة في تطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع، يتطلب الأمر المزيد من الإصلاحات والتطبيق الفعال للقوانين لتحقيق التوافق الكامل مع معايير حقوق الإنسان الدولية وضمان تحقيق العدالة الاجتماعية لجميع العمال.
اضف تعليق