شجرة التضحيات الكبرى

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

ليس أمرا سهلا أن يبقى الإنسان ثابتا على موقف داعمٍ للحق أو متمسكا به، لأن أصحاب الحق غالبا ما يتعرضون إلى ضغوط كبيرة، من قبل أصحاب الباطل، وهؤلاء هم الذين يتضرّرون من الحق وحاملي لوائه، فتبدأ المواجهة بين الفريقين، أحدهما يرفع الباطل والثاني يرفع بيرق الحق...

(قاوم النبي صلّى الله عليه وآله كلّ صور الترهيب والترغيب، فصبر على ما ألحقوا به من الأذى، وردَّ كلّ عروضهم وإغراءاتهم)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

ليس أمرا سهلا أن يبقى الإنسان ثابتا على موقف داعمٍ للحق أو متمسكا به، لأن أصحاب الحق غالبا ما يتعرضون إلى ضغوط كبيرة، من قبل أصحاب الباطل، وهؤلاء هم الذين يتضرّرون من الحق وحاملي لوائه، فتبدأ المواجهة بين الفريقين، أحدهما يرفع الباطل والثاني يرفع بيرق الحق عاليا ويتشبث به ولا يعبأ بجميع الضغوط سواء كانت في باب الترهيب أو الترغيب، ويبقى على موقفه حتى لو كانت التضحيات كبير جدا.

وعندما يستمر الظالمون بصنع المشاكل والأزمات، وتصل الأمور إلى حتمية المواجهة، بحيث يضطر أصحاب الحق للدفاع عن أنفسهم، حينئذ ينتفض هؤلاء ويعلنون الدفاع عن أنفسهم، ولأنهم مؤمنون ومتمسكون بمبادئهم، فإن الهزيمة المؤكَّدة سوف تكون من نصيب الباطل وأهله، مما يجعلهم في حالة من الخذلان والذل، ولنا في الصراع الذي خاضه الرسول صلى الله عليه وآله ضد المشركين بعد إشهار الرسالة، نموذجا عمليا عن التمسك بالحق. 

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (حلْية الصالحين):

(من المثال على الصولة عند الضرورة ما تجسّد في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، حينما لقيَ ما لقيه من المشركين قبل الهجرة وبعدها حتى قال: «ما أوذي نبي مثلما أوذيت» ولكنّ صولته بالله تعالى عند الضرورات واشتداد الخطب كانت تهوّن عليه الأمر).

(لقد هاجم المشركون نبيّ الله صلى الله عليه وآله من مختلف الجوانب، تارة بالترهيب عبر كيل الأذى وشنّهم الحروب عليه، وأخرى بالترغيب حين اقترحوا عليه أن يعطوه المال الوفير حتى يكون الأغنى من بينهم، أو يزوّجوه الأجمل من نسائهم، بل بلغ بهم الحدّ أن عرضوا عليه أن يترأس عليهم، كلّ ذلك مقابل أن يتنازل عمّا يدعو إليه من أمر التوحيد والنبوّة).

نموذج عملي للثبات على الحق

من القضايا المعروفة على مر التاريخ، أن الذين يناصرون الحق هم الأقلية، في حين أن مناصري الباطل هم الكثرة الكاثرة، والأسباب كثيرة، أبرزها مراعاة المصالح الفردية أو الجمعية، فالفرد يسعى للحفاظ على منصبه وامتيازاته ولا يتردد في تقديم التنازلات حتى لو كانت ضد الحق، لهذا أول شيء يفقده أصحاب الحق هي الامتيازات والمناصب، ويقدمون التضحيات الكبرى، وهذا هو ديدن العظماء على مر التاريخ. 

وكلنا على علم بشجرة التضحيات الكبرى التي بدأها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ليسلّم راية التضحيات للإمام علي عليه السلام، ثم ما قدمه الإمام الحسين من تضحية لا تتكرر طالما كان البشر على قيد الحياة.

لذلك فعل المناوئون للنبي محمد صلى الله عليه وآله كل شيء حتى يحيد عن رسالته، واعتمدوا أساليب الترغيب والترهيب كي يثنوه عن تمسكه برسالة الحق، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا.

كما يؤكد سماحة المرجع الشيرازي دام ظله حيث يقول:

(ثمّ لمّا يئسوا عن تركه لأداء مهمّته الرسالية، عرضوا عليه أن يزيل ما يحيط بمكّة من جبال لتكثر الطرق المؤدّية إليها، وأن يُجري لهم الأنهار فلا يعتمدوا على الآبار المالحة، ثمّ تحدّوه ـ خطلاً منهم ـ أن يحيي آباءهم وأجدادهم. ولكنّه صلّى الله عليه وآله قاوم كلّ صور الترهيب والترغيب، فصبر على ما ألحقوا به من الأذى، وردّ كلّ عروضهم وإغراءاتهم).

كما هو معروف في المواجهات الكبرى بين الحق والباطل، لا يدّخر المارقون جهدًا في سبيل إخضاع الغريم المقابل لهم، وهم يعلمون كلّ العلم بأنه على حق، وهذا ما حدث مع الرسول صلى الله عليه وآله ومع الإمامين علي والحسين عليهما السلام، فالمشركون والمنافقون يعرفون جيدا من هو محمد بن عبد الله ومن هو علي بن أبي طالب ومن هو الحسين (عليهم السلام)، ومع ذلك واصلوا ضغوطهم بكل الأساليب على أمل تحقيق مآربهم. 

في المقابل واصل الرسول صولته، ولم يترك لهم فرصة الاستئثار بالمال والسلطة وامتيازاتها، ولم يهادنهم أو يترك لهم أملا بالتقارب إلا حين يكون لصالح الحق، فكل ما كان يهم قريش آنذاك هو الأرباح في التجارة وامتلاك عجلة الاقتصاد والسوق، والهيمنة على القبائل الأخرى، لهذا أصروا على بقاء ثقافتهم وتقاليدهم السنوية الموسمية (واصنامهم)، التي أصبحت أنعم من الرمال بعد أن حطمتها معاول الدين الجديد، وبعد الإصرار النهائي على هزيمة الباطل.

إفشال الضغوط ترغيبا أو ترهيبًا

ولجأ أصحاب الباطل والشرك والكفر والنفاق، إلى فخ الترغيب، وعرضوا على النبي صلى الله عليه وآله عطايا مغرية وكبيرة تفوق الخيال، وهم لا يعلمون بأنهم أمام صخرة الإيمان التي لا تلين، ومثال صولة الحق العملية على مرّ التاريخ، فجاءتهم الصفعة القوية عندما رفض الرسول كل عروضهم التي وصلت له عبر عمه أبو طالب، فقد رفض كل عروضهم وكل امتيازاتهم بل وكل ضغوطهم ترغيبا أو ترهيبا، فكانت الصفعة التي لا قبلها ولا بعدها. 

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: 

(فصال صلى الله عليه وآله بالله عزّ وجلّ، رافضاً كلّ إغراءاتهم فضلاً عن إرهابهم، وتحزّباتهم ضدّه، قائلاً لهم بمحضر عمّه أبي طالب عليه السلام: يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته).

وليس من الغريب على الإمام علي عليه السلام، أن يسير في نفس المسار الي خطّه النبي صلى الله عليه وآله لنفسه وللمسلمين، فهو الذي فتح عينه ووعيه وعقله على شخصية الرسول، وعلى طريقة تعامله مع المنافقين والمراوغين، وسبر غور نفوسهم وعقولهم ونواياهم، وتقاليدهم الهابطة في مستواها ومضامينها وأهدافها.

لقد واجه الإمام علي عليه السلام نفس الأساليب الخبيثة التي جربها المشركون في محاربة الرسول صلى الله عليه وآله، حيث النفاق والخداع والتهديد والاصطفاف المشبوه، والتعامل بأكثر من وجه، وعدم الثبات على موقف أو عهد، والتكالب على المصالح الدنيوية وكأنها باقية إلى الأبد، وهكذا واجه الإمام عليه السلام أناسا لا ضمير لهم ولا موقف فتعرض إلى العداوات والتنكيل استشهد مظلوما بسيف الحقد والظلام.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: 

(وهكذا كان أمير المؤمنين سلام الله عليه، الذي لاقى الأمرّين لاسيّما بعد شهادة أخيه المصطفى صلى الله عليه وآله، إلى أن استشهد هو أيضاً مظلوماً مهضوماً. ورغم ذلك لم يهن ولم ينكل ولم تبد عليه أمارات الضعف أو الذلّة والخوف، بل استقام متوكّلاً على الله تعالى صائلاً به).

خلاصة ما يمكن أن يُقال ويُستخلَص من هذه الكلمة، أن صولة الحق لها رجالها، والنماذج التاريخية موجودة، تعرضها لنا التواريخ الموثوقة، ولا يفلح بالنتيجة إلا اصحاب الحق، ولا ينجح إلا أولئك المساندون لهم، وهو ما يجب أن يفهمه المسلمون اليوم، وهم يعيشون في خضم عالم متذبذب وغير مستقر، فيما يتواصل الصراع بين الحق والباطل حتى يومنا هذا، والحليم هو الذي يفهم الدرس ويختار الانتماء التام إلى صولة الحق. 

اضف تعليق