أفكاره ما زالت حية، تلهم الأجيال لتبني رؤية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتدعو إلى بناء مجتمع عادل ومتحاب يسوده النور والتقدم. وهكذا، فإن مسيرته ليست مجرد ذكرى، بل دعوة مستمرة للعمل والإصلاح، تستند إلى القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت. الساعون والحالمون بالتغيير والإصلاح مدينون لهذا العالم الجليل...
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت 69)
في الثاني من شهر شوال، تحلّ الذكرى السنوية لرحيل المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347-1422هـ / 1928-2001م)، الذي ترك بصمة عميقة في الفكر الإسلامي المعاصر. اليوم، تمر أربع وعشرون سنة على غياب عالم جليل، جمع بين الأصالة الإسلامية والرؤية التجديدية التي استجابت لتحديات العصر، تاركاً إرثاً فكرياً وروحياً وفقهياً وإنسانياً ما زال ملهماً ومؤثراً.
حياة زاخرة بالعلم والإصلاح
وُلد السيد محمد الحسيني الشيرازي في مدينة النجف الأشرف في بيت مراجع وفقهاء وعلماء وقادة، حيث كان والده السيد ميرزا مهدي الشيرازي من كبار علماء الدين في عصره. نشأ في وسط غني بالمعرفة الفقهية والروحية، مما أثرى شخصيته وجعله يتألق مبكراً في دراسة العلوم الدينية. انتقل لاحقاً إلى مدينة كربلاء المقدسة، حيث واصل رحلته البحثية والتدريسية والتأليفية والمرجعية، ثم استقر في مدينة قم المقدسة بإيران، التي أصبحت مركزاً لنشاطه الفكري والديني. هناك، أسس مدرسة فكرية متميزة، جمعت بين التقليد والتجديد، وأثرت في العديد من الطلاب والمفكرين.
كان (قدس سره) صوتًا قويًا ضد الظلم والقمع، حيث واجه الاستبداد السياسي والديني بشجاعة نادرة. حذّر من مخاطر الطغيان الذي يرتدي ثوب الدين، ودعا إلى فصل السلطة الدينية عن الاستبداد، مؤكدًا أن الدين الحق هو دين الرحمة والعدل والحرية، لا أداة للسيطرة والقهر. وفي الوقت نفسه، حثّ على نبذ العنف وتجنب الحروب، معتبرًا أن السلام هو السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والتقدم.
رؤية حضارية وإنسانية
لم تكن دعوة الإمام الشيرازي محصورة في دائرة ضيقة، بل كانت رؤية عالمية تجمع بين الأصالة الإسلامية والانفتاح على العصر. شجع على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، ودعا إلى التواصل مع الأمم والدول والحضارات المتقدمة، ليس من منطلق التبعية، بل من أجل بناء جسور التعاون والتفاعل الحضاري. كان يرى أن الإسلام الحقيقي هو دين الإنسانية، وأن الهدف الأسمى هو تحقيق دولة الإنسان التي تكون فيها الحكومة خادمة للشعب، لا سيدة عليه.
كتب الإمام الشيرازي مئات المؤلفات التي تناولت الفقه والأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وكان له دور بارز في إحياء التراث الإسلامي وتجديده. من أبرز أفكاره دعوته إلى إصلاح التعليم الديني، وتطوير المناهج لتكون أكثر شمولية وملاءمة لمتطلبات العصر، مع الحفاظ على الجوهر الأصيل للدين.
الأخلاق روح العبادة وأساس المجتمع
كان للإمام الشيرازي رؤية متفردة في الأخلاق، حيث اعتبرها ليست مجرد قواعد سلوكية، بل روح العبادة التي تكمل الإيمان وتعطيه معناه الحقيقي. قدَّم منظومة أخلاقية متكاملة تربط بين العبادة والسلوك الاجتماعي، مؤكداً أن الأخلاق هي العمود الفقري لصلاح الفرد والمجتمع. لم يقتصر دوره على التنظير، بل دعا إلى تطبيق هذه القيم في الحياة اليومية، معتبراً أن الإيمان الحقيقي يتجلى في السلوك الأخلاقي تجاه الآخرين.
المحبة قيمة إسلامية شاملة
في فكره، لم تكن المحبة مجرد عاطفة قلبية عابرة، بل قيمة جوهرية تشمل الأفعال والسلوكيات التي تعكس الإيمان بالله وخدمة الخلق. ودعا إلى إدخال السرور على المؤمن وخدمة الناس كمبدأين أساسيين لبناء مجتمعات متماسكة ومتآلفة. كان يرى أن المحبة في الإسلام تتجسد في الأعمال الملموسة، مثل مساعدة المحتاجين، وتعزيز الروابط الإنسانية، مما يجعلها أداة لتعزيز الوحدة والتضامن بين أفراد الأمة.
الحرية جوهر الحياة والتقدم
دافع (قدس سره) بقوة عن الحرية، التي اعتبرها جوهر الحياة والنور، في مقابل الديكتاتورية التي رآها رمزاً للموت والظلام. في رؤيته، يولد الإنسان حراً، ويجب أن يُمنح الحق في اختيار طريقه بنفسه، فالحرية ليست ترفاً أو حقاً ثانوياً، بل شرط أساسي للبقاء والتطور. أكد أن المجتمعات التي تُحرم من الحرية تفقد قدرتها على الإبداع والتقدم، ودعا إلى ترسيخ هذه القيمة كأساس للحياة الكريمة.
السلام واللاعنف: منارة في زمن الصراعات
في زمن تتصاعد فيه أصوات السلاح وتتراجع قيم الحوار، يبرز فكر الإمام الشيرازي كمنارة تضيء دروب السلام. عُرِفَ (قدس سره) بترسيخه لثقافة اللاعنف والحوار في مؤلفاته العديدة، مستنداً إلى نصوص القرآن الكريم وسيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). يرى أن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل حالة إيجابية تقوم على العدالة والمحبة والتعاون بين البشر، داعياً إلى تجسيدها في الواقع السياسي والاجتماعي للمسلمين وللعالم أجمع.
التاريخ: رؤية فلسفية إسلامية
قدم الإمام الشيرازي رؤية متميزة للتاريخ من منظور فلسفي إسلامي، متجاوزاً التدوين التقليدي للأحداث إلى البحث في أسبابها العميقة والسنن الإلهية التي تحكمها. أكد (قدس سره) أن التاريخ ليس مجرد تسلسل عشوائي للوقائع، بل نظام محكوم بقوانين إلهية ثابتة يمكن للإنسان فهمها واستخلاص العبر منها. دعا إلى دراسة التاريخ كأداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، مما يعكس عمق تفكيره وشموليته.
الدولة: أداة للعدالة والاستقرار
يرى الإمام الشيرازي في الدولة أداة حيوية لتنظيم المجتمع وضمان استقراره، ليست مجرد هيكل سياسي، بل نظاماً متكاملاً يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وحماية حقوق الأفراد. أكد أن الدولة العادلة يجب أن تقوم على ثلاث ركائز: الأمن، العدالة، والرفاهية، وأن تكون خالية من القمع والاستبداد. في نظره (قدس سره)، الدولة هي العمود الفقري للمجتمع، التي تمكّن الأفراد من ممارسة حقوقهم وواجباتهم بحرية وأمان، داعياً إلى بناء نموذج دولة يحترم كرامة الإنسان ويحقق تطلعاته.
إرث فكري ثري وغزير
ترك الإمام الشيرازي إرثاً غنياً يتجلى في مئات المؤلفات التي شملت الفقه، والأخلاق، والتاريخ، والفكر السياسي، والإدارة، والاقتصاد، وغيرها. تعكس مؤلفاته عمق رؤيته وشموليتها. كما عُرف بكونه مرجعاً دينياً مجدداً، جمع بين العمق الفقهي والرؤية الإصلاحية، مما جعله قدوة للعلماء والمفكرين.
دعوة مستمرة للأجيال
في هذه الذكرى، ونحن نستذكر إرث المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، يمكن القول بثقة راسخة أن أفكاره ما زالت حية، تلهم الأجيال لتبني رؤية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتدعو إلى بناء مجتمع عادل ومتحاب يسوده النور والتقدم. وهكذا، فإن مسيرته ليست مجرد ذكرى، بل دعوة مستمرة للعمل والإصلاح، تستند إلى القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام).
الساعون والحالمون بالتغيير والإصلاح مدينون لهذا العالم الجليل بما قدمه من عطاء ثر وفخم وجليل. وفي الذكرى السنوية، حريٌ بالمقلدين والمحبين والمصلحين التمسك بنهجه الإصلاحي، والعمل على تحقيق رؤيته في بناء مجتمعات تسودها الحرية والعدالة والسلام.
اضف تعليق