لا نعتقد ان بلد قد واجه جملة من التحديات طوال تاريخه الحديث والمعاصر كما هو حال العراق، فقد كان تاريخ هذا البلد عبارة عن سلسة متصلة من الأزمات، والحروب، والتحديات المختلفة. وبالتأكيد يقف وراء ذلك مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، والتي أسهمت بشكل أو بأخر في صنع هذه التحديات، وفي مقدمتها طبيعة الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد، ولاسيما خلال العقود الأخيرة من حكم الدكتاتورية، بالإضافة الى الاستهداف الخارجي المستمر لبلاد ما بين النهرين، لدوافع جيوسياسية واستراتيجية وحضارية.

وقد انعكس هذا الأمر سلباً على أمنه واستقراره. ويبدو ان قـَدر العراق كان ولا يزال ان يعيش في دوامة وخضم التحديات، وأن يتعامل مع هذه التحديات كأمر واقع، وبما ان الأمور تسير بهذا الاتجاه، لذا علينا قراءة هذه التحديات بتمعن، ودراسة أسبابها ومسبباتها، ومن ثم مواجهاتها بحكمة وحنكة سياسية، وبخطط استراتيجية مدروسة.

وهنا لا نريد ان نغرق في التشائم، لكن طبيعة وحجم التحديات تجعلنا نستشعر هذا الخطر، ونحذر من تبعاته، ولهذا علينا ان نرتقي الى مستوى التحدي الذي يواجه العراق، وليس مجرد عبور أزمة معينة. وبالتأكيد يشكل الوضع السياسي المتأزم وما قد ينتج عنه من تداعيات، أهم تلك التحديات وأبرزها، وذلك لانعكاس هذا الوضع بصورة مباشرة على بقية الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية.

ومن خلال استقراء طبيعة النظام السياسي الذي أعقب عملية التغيير، يمكن القول ان هذا النظام كان ولا يزال يعاني من خلل بنيوي واضح، أدى الى كل هذه الإخفاقات التي نشهدها اليوم، وثبت بالدليل فشله في مسايرة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. ونعتقد أن أُس المشكلة يكمن في العقد الاجتماعي الذي تبلوره من خلاله هذه النظام والمتمثل بالدستور، فالمعروف ان هذا الدستور قد كُتب بظروف غير طبيعية، وتحت ضغوطات وهواجس داخلية وخارجية، الأمر الذي أدى الى اخراج هذه الوثيقة التاريخية بالصورة التي عليها اليوم. وعند تفحص مواد وفقرات هذه الدستور يتضح لنا مدى الغموض والضبابية التي تكتنف الكثير من فقراته ومواده، الأمر الذي فسح المجال لشتى التأويلات من قبل أكثر من طرف سياسي ومكوناتي، بالإضافة الى ما احتوته بعض هذه الفقرات من مواد متفجرة يراد لها ان تنفجر في أوقات لاحقة.

والسؤال المطروح اليوم وبألحاح هو عن الكيفية التي يمكن بموجبها التعاطي مع هذه التحديات الجسام، وفي مقدمتها الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، وما قد ينتج عنها من تداعيات خطيرة؟. من الواضح ان أوجاع العراق وجراحاته قد تراكمت عبر العقود، حتى بدى للبعض ان تلك الأوجاع والجراحات من الصعب مداواتها وشفائها، وهذا يعني ان تكون الخطوات والإجراءات المتخذة لمواجهة هذه التحديات غير تقليدية. ولعل أهم أجراء يمكن ان يتخذ في هذه المرحلة الحساسة، هو البحث عن عقد اجتماعي جديد، تُنظم فيه العلاقة بين المواطن والدولة على أسس سليمة، وتُحدد من خلاله ملامح النظام السياسي المرتقب، وفق رؤية واضحة، ومن ثم الذهاب الى تغيير حقيقي لطبيعة وهيكلية هذا النظام، بعد ان فشل النظام الحالي في بلورة مفهوم الدولة المدنية التي كان يطمح لها الكثير.

ما نريد التأكيد عليه هو ان على أصحاب الحل والعقد، وكل الفعاليات السياسية، والثقافية، والاجتماعية، وبمختلف مشاربها وتوجهاتها أدراك هذه الحقائق، وطبيعة وحجم التحديات التي تواجه البلاد، وبالتالي الابتعاد عن المناكفات السياسية، والانشغال بالهم الوطني، فما يتعرض له الوطن والمواطن هو أكبر وأهم من الهموم الشخصية. وفي كل الأحوال ليس هناك من أزمة لا يمكن التصدي لها، مهما أستفحل أمرها، وكبر حجمها، المهم ان تصدق النوايا في مواجهة هذه التحديات، وان يتم التعامل معها وفق رؤية وطنية شاملة، واستراتيجية مدروسة، تـُفضي الى اصلاح حقيقي للنظام السياسي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق