آراء وافكار - مقالات الكتاب

شكو ماكو؟

عندما تغيب عن الأنظار لانشغالك في امر ما، او عمل استمر لفترة طويلة، وتلتقي مجددا بالأشخاص المقربين منك، واعتدت على مجالستهم سيبدأ الجميع بسؤالك السؤال التقليدي، (شكو ماكو)، وهذه الجملة هي الأشهر بين المفردات العراقية التي تسأل عن الحال بما فيه الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي القائم، وتقابل ذلك إجابة تقليدية وكأنها مركبة جاهزة، (ماكو شيء الحمد لله).

هذه الأسئلة والاجوبة المقتضبة تفسر الأوضاع المختصرة لما يعيشه الشعب العراقي في الفترات الأخيرة، فعلى الرغم من جميع المآسي التي تمر عليه يوميا، تجده يتجاهل المصائب بعبارات من قبيل، (ماكو شيء، ازمة وتعدي، وتعودنا على هذا الحال)، وكأنه يريد بذلك ان يعبر عن حالة الاستسلام التي خيمت في داخله ولا يمكن التخلص منها او الشروع بخطوة رافضة للوضع السيء الذي تعايش معه.

تبسيط الأمور او التقليل من أهميتها، له الكثير من الآثار الجانبية على حياة المواطنين، فعبارة الماكو شيء التي ترسخت في نفوس اغلب العراقيين، هي تعبير عن عدم وجود ما يستحق الذكر، وتوضح حالة الجمود على مستوى الانتفاض ورفض الواقع، وهي أيضا من دفعت السياسيين الى التمادي في افعالهم السيئة بحق الافراد، وأصبح تقبل الأخطاء والرضى عليها من الأمور المعتادة، وساعدت على تحجيم التفكير لدى الافراد ومنعتهم من البحث عن إيجاد الطرق المناسبة والكفيلة بتخليصهم من المرض الجاثم على الصدور.

يوم بعد آخر صار الشعب يغرق ببحر المأساة المستمرة، ولا أحد يجد من يشفع له ليخلصه من الألم المتواصل والمتراكم، وبالتالي نحصد ثمرة هذا السكوت، (ماكو شيء)، على الغلط هو مزيد من الأعباء، بل تحول سلوك النخب السياسية الى أسلوب حياة بالنسبة لهم، واخص العاملين في الحقل السياسي الذي يعنى بتمشية شؤون البلد ويرسم السياستين الداخلية والخارجية للبلد.

جميع الأشخاص العراقيين عندما يلتقون يرددون عبارات تدل على ان الأوضاع تسير وفق المرسوم لها، وان المستقبل زاهر بأي حال من الأحوال، لكنهم في الحقيقية يشربون من نفس الكأس، ويتذوقون مرارة الأحوال السوداوية التي وصل اليها البلد، وفي المقابل لا يفقهون ماذا يفعلون، وكيف يتعاملون مع الوضع الراهن الذي تجاوز جميع التخيلات وعبر كل التوقعات ولا يزال كذلك.

المشكلة في العراق ان مشكلاته تتسم بالتعقيد ولا يمكن فصل مشكلة عن الأخرى، اذ يعود تردي الخدمات الى سوء إدارة هذا الملف، وسوء الإدارة هذه، ترجع الى التخبط السياسي والتوافق الحاصل على مدى السنوات الماضية، وبالتالي افرزت لنا حال لا يمكن قبوله او التعايش معه بأي حال من الأحوال.

فتردي الأوضاع الصحية يمكن ان نعزيه الى نفس الأسباب التي جعلت قطاع التعليم من القطاعات المتخلفة في البلد، ولا يمكن ان نصف أي قطاع من القطاعات الخدمية بصفة جيدة والواقع يختلف تماما عن الوصف الكتابي الذي ربما يحاول ان يعطي مسحة إيجابية عن الأوضاع السلبية لزرع الامل قليلا في النفوس وطرد الإحباط من عليها.

طبيعة الفرد العراقي ربما تميزه عن الطبائع الأخرى، فالذي يقول ماكو شيء هو نفسه يعلم ان الموازنة العامة للبلاد لا تزال حبيسة ادراج حكومة تصريف الاعمال التي تجاوز عمرها السبع شور منذ اجراء الانتخابات المبكرة، يجيب الفرد بهذه الإجابة والعرق يتفصد على جبينه نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، وكذلك تجد من يرد عليك بنفس الشيء وهو يغلي من الداخل لسوء الخدمات الأخرى.

لا يُوجد كل شيء ولا يُقدم أي شيء ومع ذلك نجد السياسيين مستمرين في نهجهم اليومي، فعلى الرغم من الانسداد الكبير الذي يحصل على جميع المستويات، يذهب وزراء الحكومة الحالية للمشاركة في الاجتماعات الدولية، والقمم وغيرها من الفعاليات التي تعقد لمناقشة الأوضاع الحالية والملفات المتعلقة بشكل مباشر بحياة الشعوب.

فالشعب يعي جيدا انه يعيش في اكذوبة مستمرة، اكذوبة دفعته الى التصديق بها الأحزاب السياسية المستولية على السلطة، والفاقدة لمفاتيح الحلول لعبور الازمات المتكررة، وفي المقابل لا نجد في السياسيين من يشخص الأخطاء ويضعها امام المسؤول الفعلي لتلافيها في الأيام المقبلة.

ليس من الصعب او المستحيل ان يتحول لفض الجملة المتعارف عليها، (ماكو شيء الحمد لله)، تعبيرا عما هو قائم بكل مصداقية، ولا يضطر الانسان إخفاء ما بداخله هربا من الحقيقة المرة، فكل ما يحتاجه الفرد البسيط اليوم هو استمرار للتيار الكهربائي، وعمل في أحد القطاعين العام او الخاص، ولا أتصور سعيه ليكون رئيسا للوزراء او قائدا للقوة الجوية، جل ما ذُكر وببساطة سيجعله يحمد الله كثيرا.

اضف تعليق