المدير الناجح ليس مجرد موظف رفيع، بل هو قائد يدرك أن المورد الأهم في أي مؤسسة هو الإنسان. فهو يصنع بيئة عمل جاذبة تحفظ الكفاءات وتطوّرها لخدمة المجتمع، بينما المدير الفاشل يبدد الطاقات ويقود مؤسسته نحو التراجع؛ لأن جودة الإدارة تعني ببساطة جودة حياة المواطنين...
في المؤسسات لا تُقاس قيمة الإدارة بعدد التواقيع أو صرامة التعليمات، بل بقدرتها على تحويل الطاقات البشرية إلى قوة منتجة تخدم المجتمع بكفاءة واستدامة؛ فالمدير الناجح ليس مجرد موظف رفيع، بل هو قائد يمتلك رؤية، ويؤمن بأن المورد الأهم في أي مؤسسة عامة هو الإنسان.
وحين تُدار الكفاءات بعقلية احترافية، يمكن للخدمات المقدمة للمواطنين أن تتحسن، وتتعمق الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية وينتهي الأمر إلى تعزيز الاستقرار المجتمعي، في ظل وجود مؤسسات رصينة بإدارة حكيمة.
تشير أدبيات الإدارة الحديثة، منذ كتابات بيتر دراكر، إلى أن فعالية المؤسسة لا تنبع من اللوائح وحدها، بل من تمكين الأفراد وتحفيزهم وربط أدائهم برسالة واضحة، وهذا التمكين قد لا يأتي إلا بوجود المدير الناجح في مؤسسات الدولة الذي يدرك أن الوظيفة العامة ليست مجرد راتب آخر الشهر، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع؛ لذلك يعمل على بناء بيئة عمل قائمة على العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، بعيداً عن المحاباة والقرارات الارتجالية.
ما هي مواصفات المدير الناجح؟
أول ما يميز المدير الناجح هو الرؤية الاستراتيجية، فهو لا يكتفي بإدارة اليوميات، بل يضع أهدافاً قابلة للقياس ترتبط بحاجات المواطنين، وعادة ما تنعكس هذه الرؤية على توزيع المهام وفق الكفاءة، لا وفق العلاقات. ومن المواصفات الإيجابية الأخرى أنه يحرص على تطوير الموظفين من خلال التدريب المستمر، وإتاحة فرص التعلم، وإشراكهم في اتخاذ القرار؛ إذ عندما يشعر الموظف أن رأيه مسموع وأن جهده مقدَّر، يتحول من منفذ للأوامر إلى شريك في النجاح.
كذلك يعتمد المدير الكفوء على مؤشرات أداء واضحة، ويقيم العمل بموضوعية، فهو يفرق بين الخطأ الناتج عن ضعف الإمكانات والخطأ الناتج عن الإهمال، ويعالج الأول بالتدريب والدعم، والثاني بالمحاسبة العادلة؛ وهذا التوازن بين الحزم والإنصاف يخلق بيئة مستقرة، ويعزز الانتماء المؤسسي. كما أن التواصل الفعّال مع الفريق يقلل من الإشاعات والتوتر، ويمنع تراكم المشكلات الإدارية التي تنعكس سلباً على الخدمة المقدمة للمواطن.
في المقابل يشكل المدير الفاشل عبئاً ثقيلاً على المؤسسة؛ فحين تغيب الرؤية وتُختزل الإدارة في مزاجية القرارات أو تضاربها، تتراجع جودة الخدمات تدريجياً، مما يؤدي إلى إصابة الموظفين الأكفاء بالإحباط عندما يرون أن الترقية لا ترتبط بالأداء، وأن المبادرات لا تجد دعماً، ومع مرور الوقت، يبدأ نزيف الكفاءات، سواء بالانتقال إلى دوائر أخرى أو بالبحث عن فرص في القطاع الخاص أو خارج البلاد.
ماذا يعني هروب الكفاءات؟
هروب الكفاءات ليس مجرد خسارة رقمية، بل يعني ضياعاً لخبرات تراكمت عبر سنوات؛ فالمؤسسة التي تفقد عناصرها المتميزة تدخل في دائرة مفرغة، انخفاض جودة الخدمة يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين، مما يزيد الضغط الإعلامي والرقابي، فينشغل المدير بإدارة الأزمات بدلاً من تطوير الأداء، وهكذا تتآكل السمعة المؤسسية، ويصبح الإصلاح أكثر كلفة وتعقيداً.
أضف إلى ذلك فإن المدير الفاشل غالباً ما يتعامل مع الموارد البشرية بوصفها أرقاماً في جداول، لا عقولاً مبدعة؛ يرفض التفويض خوفاً على موقعه، ويحتكر القرار، ويقصي الآراء المخالفة. هذه الثقافة تُنتج بيئة طاردة للإبداع، حيث يسود الصمت بدلاً من المبادرة، والروتين بدلاً من التطوير. وفي مؤسسات الدولة، حيث يرتبط الأداء مباشرة بحياة المواطنين، فإن أي خلل إداري ينعكس فوراً على جودة التعليم والصحة والخدمات البلدية وغيرها.
الفرق بين مؤسسة مزدهرة وأخرى متعثرة قد يكون شخصاً واحداً على رأس الهرم الإداري؛ فالمدير -الناجح- يصنع بيئة عمل جاذبة تحفظ الكفاءات وتطوّرها لخدمة المجتمع، بينما المدير -الفاشل- يبدد الطاقات ويقود مؤسسته نحو التراجع. ومن هنا فإن اختيار القيادات الإدارية في مؤسسات الدولة يجب أن يقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة، لأن جودة الإدارة تعني جودة حياة المواطنين، واستدامة التنمية تبدأ من حسن إدارة الإنسان قبل أي مورد آخر.



اضف تعليق