الدساتير تُكتب بالحبر لكنها تعيش بالإرادة، وأزمة تأخر انتخاب رئيس الجمهورية تكشف فجوة عميقة بين النصوص القانونية والإرادة السياسية. وإذا لم تتحول المواعيد الدستورية إلى التزام أخلاقي قبل أن تكون قانونياً، سيبقى كل استحقاق عرضة للتعليق، ويتحول العُرف من أداة تهدئة إلى أداة ابتزاز سياسي تُعطل مسار الدولة...

تأخر اختيار رئيس الجمهورية ليس مجرد عثرة إجرائية، بل إنه مؤشر على خلل أعمق في إدارة الاستحقاقات الدستورية؛ ففي أنظمة برلمانية ناشئة، كما في الحالة العراقية بعد 2005، يتحول الالتزام بالمواعيد إلى اختبار لجدية الطبقة السياسية في احترام قواعد اللعبة.

ولا يعني تجاوز القوى السياسية المدد الدستورية تعطيل التصويت على منصب فحسب، بل يعني بشكل أو بآخر إضعاف الثقة العامة، وإسقاطاً لأعراف تراكمت لتضبط الإيقاع بين النص وروحه.

الدستور بين النص والروح 

ينص دستور جمهورية العراق على آليات واضحة لانتخاب رئيس الجمهورية ضمن مدد محددة عقب الجلسة الأولى لمجلس النواب، والفلسفة هنا بسيطة تتمثل في الاستمرارية المؤسسية ومنع الفراغ، لكن التجربة أظهرت أن النصوص، مهما كانت دقيقة، تبقى رهينة الإرادة السياسية؛ فحين تتغلب الحسابات الحزبية على مقتضيات الاستقرار، تُفرغ المدد من معناها، ويُعاد تفسير النصوص وفق ميزان القوى لا وفق مقاصدها.

الأعراف الدستورية: من الضبط إلى التعطيل 

الأعراف الدستورية ليست نصوصاً مكتوبة، لكنها بمثابة زيت الماكينة الذي يضمن سلاسة العمل، لكن في العراق، ترسخ عُرف توزيع الرئاسات بين المكونات الكبرى بوصفه تسويةً تاريخية. غير أن هذا العرف بدل أن يكون أداة تهدئة، تحول أحياناً كثيرة إلى أداة ابتزاز سياسي، نتج عنه تعطيل متعمد لعقد جلسات البرلمان عبر كسر النصاب، إلى جانب التحريض على المرشحين بدافع سمعتهم أو ماضيهم السياسي، وفي النهاية تُستنزف المهل انتظاراً لتوافق قد لا يأتي.

منطق المحاصصة وصراع الشرعيات 

المعضلة تكمن ليس في التنوع بحد ذاته، بل في إدارة التنوع عبر محاصصة جامدة، وتعدد للشرعيات، كشرعية الكتلة الأكبر، وشرعية التمثيل المكوناتي، وشرعية الشارع؛ يصبح انتخاب الرئيس ساحة اختبار لتوازنات معقدة، ومع غياب آليات حسم سريعة، تُترك البلاد في منطقة رمادية، لا فراغاً رسمياً، ولا اكتمالاً دستورياً.

إذ ينتج عن ذلك الخلل أو التأخير آثار ظاهرية، إذ يبعث برسالة سلبية إلى المواطنين والأسواق على حد سواء؛ فالثقة المؤسسية لا تُقاس بالشعارات، بل بالالتزام بالمواعيد، وعندما تتكرر الأزمات، يتكون انطباع بأن النظام يعمل وفق منطق الصفقات لا وفق منطق الدولة.

حلول ممكنة 

ولتلافي مسألة التعطيلات والتأخيرات الحاصلة في هذا المجال هنالك جملة من المعالجات الإجرائية، من بينها ضبط المدد بآليات تلقائية، أي إدخال نصوص تُفعّل إجراءات تلقائية عند الإخلال بالمدد (مثل تقليص النصاب في جولات لاحقة، أو تحديد سقف زمني صارم يتبعه حل إجرائي واضح)، الأمر الذي سيحول الوقت إلى عامل ضغط إيجابي بدل أن يكون أداة تعطيل.

كذلك يمكن اتباع آلية المفاوضات العلنية موضوعة على خارطة زمنية، حيث يتمثل ذلك في إعلان جدول تفاوضي مُلزِم للرأي العام، مع نقاط زمنية محددة، يخلق رقابة مجتمعية ويُحمّل القوى السياسية كلفة السمعة عند الإخلال، وأخيراً تعديل النظام الداخلي للبرلمان ليفرض جزاءات معنوية أو تنظيمية على الكتل التي تتعمد كسر النصاب، بما يوازن بين حق المعارضة وواجب إنجاز الاستحقاق.

أزمة تأخر انتخاب رئيس الجمهورية تكشف فجوة بين النصوص الدستورية والإرادة السياسة، وردم هذه الفجوة لا يكون باتهامات متبادلة، بل بإصلاحات مؤسسية تُعيد للمدد معناها وللأعراف وظيفتها؛ فالدساتير تُكتب بالحبر لكنها تعيش بالإرادة، وإذا لم تتحول المواعيد إلى التزام أخلاقي قبل أن تكون التزاماً قانونياً، سيبقى كل استحقاق عرضة للتعليق، وكل أزمة قابلة للتكرار.

اضف تعليق