الأطماع الخارجية لا تصنع الأزمة من فراغ، بل تستثمر في الانقسام الداخلي وتغذيه. أما الدولة التي تمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً، فتستطيع حماية قرارها حتى وسط بيئة إقليمية معقدة. إن العراق لم يخسر سيادته فقط بسبب الخارج، بل لأنه لم يحسم شكل دولته، ولا أولوياتها، ولا حدود التوافق بين مكوناتها...

منذ عام 2003 يعيش العراق حالة جدل مستمرة حول أسباب تعثر بناء الدولة واستقرارها، فبين من يُحمّل التدخلات الخارجية مسؤولية ما يجري، ومن يرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الداخل، يبقى السؤال الأهم: ما الخطر الأكبر على مستقبل العراق، الأطماع الخارجية أم غياب مشروع وطني جامع؟ الإجابة لا تنفصل عن التجربة العراقية نفسها، التي تقدم نموذجاً واضحاً لتداخل العاملين، مع تفوق العامل الداخلي في التأثير.

الأطماع الخارجية في العراق 

واقع لا يمكن إنكاره لا يختلف اثنان على أن العراق كان وما يزال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية؛ فالوجود الأمريكي بعد 2003 لم يكن مجرد إسقاط نظام، بل إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، وفي المقابل توسع النفوذ الإيراني مستفيداً من الفراغ السياسي والأمني، عبر علاقات مباشرة مع قوى سياسية وتشكيلات أخرى، كما لعبت دول إقليمية أخرى أدواراً متفاوتة، سياسياً وإعلامياً واقتصادياً، كلٌّ بحسب مصالحه.

هذه التدخلات انعكست على القرار السيادي، وعلى طبيعة الصراع داخل الدولة، وأدخلت العراق في محاور إقليمية متصارعة، دفع ثمنها المواطن أمناً وخدمات واقتصاداً، غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل كانت هذه الأطماع لتنجح لولا هشاشة الداخل؟

غياب المشروع الوطني

الجذر العميق للأزمة منذ تأسيس النظام السياسي الجديد، فشل العراق في إنتاج مشروع وطني عابر للطوائف والقوميات؛ فالدستور رغم أهميته، لم يتحول إلى عقد اجتماعي فعلي، بل إلى نص قابل للتأويل وفق المصالح السياسية، أما العملية السياسية، فقد بُنيت على المحاصصة، لا على الكفاءة أو الرؤية بعيدة المدى.

هذا الغياب انعكس بوضوح في إدارة الدولة؛ حكومات متعاقبة بلا برامج استراتيجية، خطط تنموية غير مكتملة، واقتصاد يعتمد على النفط دون رؤية حقيقية للتنويع. ومع كل أزمة، من احتجاجات تشرين 2019 إلى الأزمات الحكومية المتكررة، يتضح أن المشكلة ليست في الضغط الخارجي وحده، بل في عجز الداخل عن الاتفاق على مشروع دولة.

أيهما أخطر على العراق؟ 

رغم خطورة التدخلات الخارجية، إلا أن التجربة العراقية تثبت أن غياب المشروع الوطني هو الخطر الأكبر؛ فالأطماع الخارجية لا تصنع الأزمة من فراغ، بل تستثمر في الانقسام الداخلي وتغذيه. أما الدولة التي تمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً، فتستطيع حماية قرارها، حتى وسط بيئة إقليمية معقدة. إن العراق لم يخسر سيادته فقط بسبب الخارج، بل لأنه لم يحسم شكل دولته، ولا أولوياتها، ولا حدود التوافق بين مكوناتها.

حماية مستقبل العراق لا تبدأ بمواجهة الأطماع الخارجية وحدها، بل ببناء مشروع وطني جامع، يعيد تعريف الدولة والمواطنة، ويضع مصلحة العراق فوق الحسابات الفئوية؛ عندها فقط يمكن تقليص نفوذ الخارج، وتحويل العراق من ساحة صراع إلى دولة فاعلة في محيطها.

اضف تعليق