الانسان كائن اجتماعي بفطرته، يعيش مع أبناء جنسه ويشاركهم افراحهم واحزانهم وحاجاتهم الاجتماعية والمعيشية الأخرى، ولا يمكن لإنسان سوي ان يقضي حياته منفردا عن الآخرين بإرادته واختياره، لذلك أصبح السجن او العزل "عقوبة" اجتماعية لمن يسيء الى نفسه او الآخرين.

ولكي تستقيم الحياة وينعم فيها الجميع بالأمن والسلم والحب والسلام، لابد ان نعتمد على بناء قيم المحبة والمودة والتسامح والعفو والصفح وغيرها حتى نجني ثمار "المحبة الاجتماعية" بين افراد المجتمع الواحد من جهة وبين المجتمعات البشرية من جهة أخرى، فهذي القيم عالمية الفهم والقبول ولا تحتاج الى لغة او اي وسيلة مادية أخرى لنشرها كثقافة إنسانية عالمية، بل ستكون هي السبيل للتقارب والتآخي والانسجام والتصالح بين مختلف الأعراق والثقافات والاجناس والأديان.

بالمودة والمحبة يمكن ان نكسب قلوب الاخرين وعقولهم، ومن هذا المنطلق يعرف المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي "الود" ويفرقه عن "المحبة" بقوله: "الود معناه المحبة والألفة وأحيانا يفرق بين المودة والمحبة، فالمودة تطلق على الحب الذي يتجاوز القلب ويظهر من خلال الأفعال ولكن المحبة حب يكمن في القلب ولا يتجاوزه إلى السلوك، فأحيانا يحب الإنسان صديقا له في قلبه فقط فهذا يسمى (الحب) وأحيانا يهدي إليه كتابا تعبيرا له عن حبه وإظهارا لمودته فيسمى مودة، فالله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يجعل لهم الله مودة وهذا أمر طبيعي، لأن القلوب كلها بيد الله سبحانه، والله (عزوجل) هو الذي يجعل الإنسان الصالح موضع اعتزاز الناس ومحبوباً عند الجميع".

الحاجة الى بناء او تعزيز ثقافة المحبة الاجتماعية في الوقت الراهن أصبحت ضرورة ملحة لأسباب عديدة منها:

1. تزايد اعمال العنف الذي يشهده العالم على يد جماعات متطرفة (دينية، عرقية، أيديولوجية...الخ)، إضافة الى العنف الممارس من الحكومات المستبدة ضد شعوبها.

2. المادية التي سيطرت على اغلب التعاملات الإنسانية على المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها، وهي مادية لا تعير أهمية لقيم التسامح والتراحم والالفة والمحبة.

3. ابتعاد الانسان عن القيم الإنسانية الاصيلة والفطرة السليمة واستبدالها بقيم شاذه لا تمت للإنسانية بصلة، وهذا الامر أنتج موجات من الانحراف الفكري والنفسي الذي انعكس سلبا على الواقع الإنساني.

4. ثقافة الاستهلاك التي جعلت التعامل الإنساني قائم على أساس التبادل الاقتصادي والعرض والطلب والإنتاج من دون الاكتراث الى العامل الإنساني والبيئي والأخلاقي، الامر الذي خلق فجوة كبيرة بين المجتمعات البشرية.

ومع هذا لا يمكن لأي مجتمع ان يكون قادرا على بناء أي ثقافة أخلاقية ومنها ثقافة "المحبة الاجتماعية" بين افراده من دون وجود مقدمات صحيحة في ظل بيئة حقيقية تساعد الانسان على تغيير السلوكيات الاجتماعية الضارة واستبدالها بسلوكيات وثقافة وقيم وعادات أخلاقية صالحة، وهذا الامر يتطلب جهدا اجتماعيا عاما لا يفرق بين الجهد الحكومي (الاساسي) او الجهد الاجتماعي (الجمعي) او الجهد الفردي (الشخصي).

وللوصول الى الحالة المثالية في ظل وجود مجتمع متآلف وقائم على المحبة الاجتماعية بين افراده يرى الامام الشيرازي انه من الضرورة وجود مجموعة من المقومات او المقدمات القادرة على خلق بيئة المحبة والمودة الإنسانية المنشودة ومنها:

1. الناس يحبون الصالحين: "الانسان الصالح"، كما يعبر عنه الامام الشيرازي: "إن الإنسان الصالح له مكانة خاصة في قلوب الناس ويحظى بمحبتهم وودهم، فمثلاً إذا كان الطبيب لا يأخذ أجرته إلا بمقدار حقه وجهده وعمله عد من الصالحين وعرف بالصلاح بين الناس، وبهذا يكون موضع اعتزازهم واحترامهم، وهكذا كل إنسان مهما كان عمله فما دام يعمل لله ويخدم الناس فان الله معه، وسيلقي محبته في قلوبهم، وبذلك يكون محبوباً عند الجميع، هذه سنة من سنن الحياة التي أودعها الله في هذا الكون أن الصالح محبوب والطالح مبغوض".

2. حسن الخلق ضرورة: يتحدث الشيرازي (رحمه الله) عن الطبقة القادرة على احداث الفارق الأخلاقي داخل المجتمعات كطلبة العلوم الدينية (على سبيل المثال) وكيف يمكنهم من أداء دور القائد والموجه والمصلح للأفراد: "ونحن طلبة العلوم الدينية ينبغي علينا أن نعاشر الناس على نحو يتمنون أن نكون بينهم لنهديهم إلى الرشاد، كما كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) واهل بيته (عليهم السلام) يعاشرون الناس، ولو لم نكن كذلك لخابت آمال الناس بنا بل الأسوأ من ذلك أنهم سيسيئون الظن بالإسلام أيضا، لأن الناس يرون الإسلام من خلال أخلاقنا وأعمالنا، فعلينا أن نتعامل بشكل لا يجلب احترام ومحبة الأصدقاء فحسب بل حتى الأعداء".

3. الاخلاق التي يشهد بها حتى الأعداء: فالأخلاق لا تتجزأ ولا فرق بين الصديق والعدو في التعامل الإنساني والأخلاقي، وهذه هي قمة حسن الخلق التي قد يصل اليها الانسان وهو ان لا يفرق في تعامله الأخلاقي بين طرف واخر حتى لو كانت بينهما العداوة والبغضاء.

4. الثبات على الخلق الحسن: الثبات على حسن الخلق اهم وارفع درجة من الوصول الى مستوى حسن الخلق، وان كان الوصول اليها امراً ممدوحا وعظيما، لكن الثبات والمحافظة والاستمرار على حسن الخلق هو الامر الأهم والاعلى شأناً ورفعة، فالاستمرارية هي من تصل بالمجتمعات الى حالة المحبة الاجتماعية وجني ثمارها الإيجابية في التعايش السلمي والسلام والمحبة والمودة والتسامح.

5. القول والعمل امران متساويان: فاختلاف القول عن العمل او العكس يعد نفاقاً ومرضاً اجتماعياً خطيرا يؤدي الى نتائج اجتماعية ونفسية عكسية تحبط الافراد وتنشر السلبية والنفاق والامراض الأخلاقية داخل المجتمع، خصوصاً إذا صدرت هذه الممارسات من الطبقة العليا او القائدة للمجتمع.

6. حقوق الناس: ينبغي حفظ حقوق الناس فهي من اشد الواجبات إذا أراد الجميع (الحاكم والمحكوم) استقامة الحياة والحفاظ على استقرار المجتمع، وقد شدد الإسلام على ضرورة واهمية حفظ حقوق الجميع، وعدم التفريق بين شخص واخر تحت أي عنوان او مسمى: "الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى لكل ذي حق حقه بمنتهى العدالة والدقة، فإن الناس في المنظار الإسلامي سواسية لا يفرق بينهم، رجالا ونساء شيوخا وشبابا وأطفالا وحتى الجنين في بطن أمه، فان لكل واحد منهم الحقوق والأحكام الإلهية التي لا يجوز التعدي عليها تحت أي عنوان كان، فإن حقوق الناس من الأمور الخطيرة في الإسلام التي يحاسب الإنسان عليها لا في الدنيا فقط بل في الآخرة، ولا ينال الإنسان رحمة الله ولا يذوق طعم العفو والمغفرة الإلهية إلا إذا رضي أصحاب الحقوق عنه".

7. المكر والخديعة: لا تستقيم الحياة بالمكر والخديعة، خصوصاً التي تصدر من الطبقة الحاكمة التي تتمظهر بالحسن وتبطن القبيح من الأفعال والاقوال، يقول الامام الشيرازي: ان "هناك مثل شائع يقول: الإنسان يستطيع أن يتكئ على رؤوس الحراب ولكن لا يستطيع الجلوس عليها، والحاكم الذي يستغل الناس ويستعبدهم لا يتمكن أن يستقر حبه في قلوبهم ولا يحظى برضاهم وتأييدهم، إن الحاكم القوي هو الذي يتمكن أن ينفذ إلى قلوب الناس ويعيش في وجدانهم بالإحسان إليهم واحترامهم ومنحهم حقوقهم، فان الناس يحبون الصالحين ويودون الرحماء ويدعمونهم بكل شيء، بينما تجدهم ينفضون عن الأشداء الذين يعاملون الآخرين كعبيد لهم ولا يقيمون وزنا لأي شيء".

اضف تعليق